صلاة الجماعة: لقاء على الطاعة
لقاءٌ على الطاعة، وجهدٌ يُضاعَف، وخطواتٌ تُكتب، ونُزُلٌ يُعدّ في الجنة لمن غدا إلى المسجد أو راح
المناسبة: تفريغ محاضرتين أُلقيتا في ٢٦ و٢٧ نوفمبر ٢٠١٦مالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
بدأ الدكتور أحمد بكلمة في سجود السهو. قال إن أهل الفقه اعتمدوا في هذه المسألة التفريقَ بين أن يكون الخطأ بالنقص أو بالزيادة، وإن هذا من الآراء الموجودة، وقد أوردها ابن القيم كاملةً في كتاب «زاد المعاد»، وذكر فيها آراءَ عدة.[1] لكن المعتمد، والله أعلم، أنه إذا كان السهو بالنقص فإن السجود يكون قبل التسليم، أما إذا كان بالزيادة، كمن يصلي أربع ركعات فجاء بخمس، فيكون بعد التسليم. وتناقشوا بعد ذلك في أنه هل يتشهد مرة أخرى أم لا. ثم قال: فكان ما كان، الحمد لله سبحانه وتعالى، ونسأل الله العافية يا رب العالمين، ونسأل الله أن يغفر لنا تقصيرنا في حقه وأن يجبر خواطرنا. اللهم آمين.
لقاءٌ على الطاعة
وقال: الليلة، في الحقيقة، أريد أن أتحدث مع من هم خارج المسجد في مسألة صلاة الجماعة وأهميتها في حياتنا كمسلمين، وكيف أن الله سبحانه وتعالى شرع لنا هذه الصلوات لتكون لنا سبيلًا إلى جمع القلوب ووحدة الصف، وسبيلًا إلى الالتقاء الذي نشهده الآن، والشعور ببعضنا.
ثم قرّب المعنى بمثال: عندما يسهو الإمام مثلًا،[2] لا شك أن واحدًا من المصلين سيقول: الله أكبر! كيف الشيخ اليوم؟ ما له؟ ما الذي لخبط رأسه؟ يا ترى تعبان؟ يا ترى مريض؟ لم نعهد عليه ذلك من قبل، ولا يحدث هذا كثيرًا، فما الأسباب؟ وإذا وقف بجانبك رجل يصلي ولم تشعر أنه مستقر في صلاته، يهتز كثيرًا، أو صوت صدره مرتفع، أو شيء من هذا، فما إن تفرغ من الصلاة وتقول «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» إلا وأنت مشغول بأن تسأله: هل صحتك بخير؟ هل أنت طيب؟ كيف أمورك؟ ما الذي يجري عندك؟
فمسألة الروح التي تتدفق بين المسلمين عندما يلتقون، واللقاء على الطاعة، هو أسمى أنواع اللقاءات. فإذا أراد العبد أن يكون جزءًا من المجتمع حقيقةً، وأن يتخلص من الشعور بالغربة الذي يشتكي منه كثير من الناس، فعليه أن يأتي الموطن الذي يشعر فيه بالألفة، ويشعر معه بالأمان، ويشعر أن الناس الذين حوله إنما هم من صفوة الله تبارك وتعالى، أو من صفوة الخلق عند رب العالمين. فيصفّ قدمه مع هؤلاء الخلق، داعيًا الله بالدعاء الذي يُساق على الجميع، مؤمّنًا خلف إمام، مستمعين جميعًا إلى آيات تُتلى عليهم في وقت واحد، وفي نسق مشترك من التعليمات التي تأتي على إمام المسلمين في الصلاة وعلى المصلين الذين يصلون خلفه.
من يسمعنا في بيوتهم
وقال: عندما تكلم أهل العلم عن صلاة الجماعة، أنا أعلم أن بعض إخواننا يستمعون إلينا الآن عبر البرامج التي تُسجَّل عليها. فلعل أحدهم يُغلق الهاتف قائلًا: لن نكمل بقية الدرس، ولن نسمع «صلاة جماعة»؛ نحن قاعدون في البيت مرتاحون. وربما كان من إخواننا من هو «محجور عليه»، قد استنفد وقته المسموح له طوال النهار، كأن يُسمح له أن يخرج من البيت ثماني ساعات فاستوفاها، فلا تريد أن تعطيه إذنًا ثانيًا، فتقول له بالإنجليزية: «Your time is up»، انتهى وقتك، لا يصلح أن تخرج. فيقول: وأصلّي؟ فتقول: لا، انتهى وقتك. (قالها على سبيل الممازحة، بارك الله فيكم).
وبعض الناس ممكن يكون قد رجع من عمله وهو في غاية الإرهاق، فلا يستطيع أن يأتي إلى الصلاة، فيجد في نفسه الآن، وهو يستمع إلى هذه الكلمات، نوعًا من العتاب لنفسه، أو الألم النفسي لأنه لا يستطيع أن يأتي المسجد. وقال: كلٌّ على حسب نيته وعلى حسب عمله. ورب العالمين سبحانه وتعالى يعامل الناس على قدر ما أعطاهم من القوة وعلى قدر ما عندهم من الأعذار؛ فإن كان العبد لديه من العذر حقيقةً فإن الله تعالى يعفو عنه ويسامحه، وإن لم يكن فإن الله تعالى يعاقبه إن فعل حرامًا. ولعل العبد يجد عتابًا من الله تبارك وتعالى إن كان هناك نوع من التقصير في طاعة يطيع بها رب العالمين سبحانه وتعالى.
«فأتوا منه ما استطعتم»
والكلام هنا حول نصٍّ بسيط جدًّا في ألفاظه، من النبي ﷺ وهو يخاطب الأمة بقوله: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».[3] بعض الناس يأخذ هذا النص على سبيل التسهيل، وبعضهم يأخذه على سبيل العزم. فالناس الذين يقولون على سبيل التسهيل يقول لك أحدهم: «يا عم، النبي ﷺ قال هكذا، فما أقدر عليه أفعله وما لا أقدر عليه فقد انتهى الأمر». فتعود تسأله: هل فعلًا أنت لا تقدر أن تفعل ذلك؟ فتقف أمام النبي ﷺ، فيسألك: لماذا لم تتبع سنتي في هذه المسألة؟ فتقول: يا رسول الله، فعلًا كان عندي عذر. أم أنك تتصنّع المواقف؟ فبعض الناس يمثّل على نفسه أنه تعبان، يريد أن يخيّل لذاته أنه مريض، أو أنه مرهق أو مجهَد، مع أنه لو قام ونهض من فراشه أو من جلسته التي هو فيها، أو لو استطاع أن يؤخّر الطعام أو يقدّمه بحيث يضبط الوقت على صلاة العشاء، خاصةً في الأزمنة أو الأماكن التي تُحدَّد فيها مواعيد الصلاة في المسجد.
في القرآن ما يحثّ عليها
وعلى كل الأحوال تأتي آيات من القرآن الكريم يحدّث بعض أهل العلم عنها بأنها قد تكون لها علاقة مباشرة بقضية صلاة الجماعة. عندما يقول ربُّ العالمين سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾[4]
يعلّق بعض أهل العلم على كلمة ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: هل يمكن أن يُفهم أن الله تعالى أراد أن صلاة الجماعة أمر ملزِم لمجتمع المسلمين، لما كان الخطاب عامًّا لهم على هذا النحو؟ طيب، إذا لم يكن، فلماذا قال الله تبارك وتعالى في النص الآخر:
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾[5]
وهذا أمر مباشر لجمع المسلمين أن يحافظوا سويًّا على الصلاة، وأن يقوموا معًا لله تبارك وتعالى قانتين. وقال بعضهم إنه ليس فيها استشهاد على أن صلاة الجماعة فيها وجوب، أو إنها ليست فريضة، قال: وهذا طبعًا هو الرأي الراجح.[6] لكن الآيات تأتي على سبيل الحثّ؛ ولو لم يكن لنا من هذه النصوص القرآنية إلا مزيد من التشجيع على أن نمتثل أمر الله تبارك وتعالى، فإن ذلك كافٍ لأن نصفّ أقدامنا في بيوت رب العالمين سبحانه جل في علاه.
صلاةٌ تُضاعَف بقدر الجهد
وهناك أقوال كثيرة لأهل العلم مذكورة هنا، لكن على سبيل الاختصار نروي حديث النبي ﷺ عندما يقول: «صلاة الرجل في الجماعة تُضعَّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا».[7] ثم سأل: كم تبذل من الجهد لتقوم من مقامك وأنت في البيت؟ رجعتَ من شغلك في السادسة مثلًا، وبالكاد أكلتَ وشربتَ شيئًا من القهوة أو الشاي، وبدأت عضلاتك تنفكّ بعضها من بعض وتستريح، وشعرتَ بشيء من الاستجماع؛ فلكي تقوم مرة ثانية وتلبس ثيابك مرة ثانية، وتخرج مرة ثانية، وتدير السيارة وتتحرك، فإنك ساعتها تحسب الحسابات بدقة شديدة جدًّا. ولا يزال أمامك أن تصل إلى المسجد، ثم إن تكلم الشيخ في موضوع قلتَ له: «أطلتَ علينا، نقعد هذا الوقت كله ثم ما زال علينا أن نعود!». وقال: هذه المقاومة في حد ذاتها تستدعي مضاعفة الأجر الذي يترتب على العبادة؛ فإذا كانت المقاومات كثيرة وشديدة، فعلى قدر ما يضاعف العبد من جهده يضاعف رب العالمين سبحانه وتعالى له.
وفي تعليق بسيط على هذا النص الكريم من النبي ﷺ: وردت روايات كثيرة تفيد أن التضعيف سبعة عشر ضعفًا أو ثمانية عشر أو أربعة وعشرون أو خمسة وعشرون أو سبعة وعشرون.[8] فأهل العلم يقولون: لماذا تعدّدت هذه الروايات، وكيف نستطيع أن نوفّق بينها؟ يعني متى تكون خمسًا وعشرين ومتى تكون سبعًا وعشرين؟ فقالوا: على قدر ما بذل العبد من جهد حتى وصل مسجد الله، حتى وصل بيت رب العالمين سبحانه وتعالى، وعلى قدر ما خشع في صلاته وكان فيها قانتًا لله تبارك وتعالى، ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. فتتفاوت الفروق بين البشر؛ فيمكن في صفّ طويل جدًّا من البشر واقفين بجوار بعض، يصلون الصلاة نفسها خلف الإمام نفسه، يسمعون الآيات القرآنية نفسها، فيخرج أحدهم بسبع وعشرين، والثاني بأربع وعشرين، والثالث بخمس وعشرين، وهكذا يتفاوتون فيما بينهم على قدر ما بينهم من التفاضل، والله تعالى أعلم.
الرجل الأبعد عن المسجد
وفي حديث آخر للنبي ﷺ يروي أُبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه قائلًا: كان رجل لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، يعني هو بعيد جدًّا عن بيت رب العالمين، عن مسجد النبي ﷺ، وكان لا تخطئه صلاة. ما معنى «لا تخطئه صلاة»؟ يعني موجود في كل مرة، فما من مرة نذهب فيها إلى المسجد ولا نجده. قال: فقيل له، أو قلتُ له (سيدنا أُبيّ بن كعب يقول)، يعني بعض الناس قالوا له، أو لعلي أنا الذي قلتُ له؛ ويبدو أنهم ناس كثير نصحوه بالنصيحة نفسها، فمعنى ذلك أنها مسألة مُلاحَظة داخل المجتمع. فقيل له أو قلتُ له: لو اشتريتَ حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء. يعني لما يجيء الليل تكون الدنيا ظلمة، ولما يجيء النهار تكون الأرض حارّة، الحرّ يطلع من تحت الأرض، فكم خطوة يصبر عليها وهو يمشي عليها؟ فلو أنك اشتريتَ حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء. قال: ما يسرّني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يُكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعتُ إلى أهلي. فقال النبي ﷺ: «قد جمع الله لك ذلك كله».[9]
وعلّق الدكتور: هذا مزيد اجتهاد من الصحابي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ومزيد من الحرص منه على أن ينال ثوابًا أكبر؛ وليس فيه أي إشارة إلى أن السكن بجوار المسجد فيه شيء من الشبهة أو الحرمة، ولكن الرجل أراد أن تكون له خطوات كثيرة جدًّا يمشيها حتى يصل إلى بيت الله تبارك وتعالى. فهو حريص على أن تُكتب خطواته من بيته إلى المسجد، وهو أبعد واحد، كما يقول أُبيّ رضي الله تعالى عنه، ذاهبًا آيبًا. وكم مرة يفعل ذلك في اليوم؟ لم تخطئه صلاة، يعني خمس مرات كل يوم، سبعة أيام في الأسبوع، فتمتلئ أوقاته.
والسؤال البسيط جدًّا: وكان هذا الرجل ليس له شغل إلا أنه يتردد على بيت الله تبارك وتعالى، أو جعل ذلك همّه الأكبر؟ تقول لي: طيب، هل يدعونا هذا الحديث إلى التباطؤ عن الأعمال فنكون ناسًا كسالى، ليست لنا شغلة إلا أن نروح ونجيء على المسجد؟ وجوابه في منتهى البساطة: تعلم حياة الناس حينها؛ فممكن أن يكون عنده قطعة أرض تُخرج له بعض الثمر، وعنده، أعزّكم الله، مجموعة من المواشي أو شيء من هذا؛ وهذه أشياء لا تستهلك وقتًا كثيرًا، فتضع شيئًا من العلف للأنعام وتذهب إلى المسجد، ثم ترجع فترى كيف تسير الأمور، أو تضع شيئًا من الماء، أو تفعل كذا وتعود مرة أخرى، وهكذا ذهابًا وإيابًا؛ فليس هناك من العمل ما يعطّله عن إتيان المسجد. أو أن الرجل اكتفى بالرزق القليل حرصًا على أن يذهب إلى المسجد خمس مرات في كل يوم وليلة، وقد يكون ذلك لأن عقله أدّى به إلى ذلك واجتهاده أدّى به إلى ذلك. فلما طرح ما عنده بين يدي النبي ﷺ أقرّه رسول الله ﷺ على ذلك ولم ينفِه عنه.
العشاء والفجر
وقال: تعلمون، بارك الله فيكم، ما حدّث به رسول الله ﷺ من أن من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله.[10] وبعضهم يحدّث أن صلاة الصبح تساوي الليل كله وصلاة العشاء تساوي النصف، فيبقى عندي، يعني، ليل ونصف: كأنه صلى ليلًا ونصفًا! وبعضهم قال: من صلى العشاء في جماعة كان له النصف، ومن صلى الفجر فكأنما أتمّ النصف الآخر، فعبّر النبي ﷺ بالليل كله للتعبير عن ذلك.
وقال: تعلمون ما يكون عندنا من قلة الجهد في التعبد؛ هذه مسألة مهمة لا بد أن نعتبر لها، بالإضافة إلى ما يعترض من فتن أو اعتراضات تأخذنا إلى السيئات أخذًا في كثير من الأحوال.[11] وتعلمون، بارك الله فيكم، يا رب العالمين، أن العبد لديه من التقصير ما يمكن ألّا يحصل به المكانة الأرفع عند الله تبارك وتعالى. أليس هذا واقعًا في حياتنا؟ فإذا رزقنا رب العالمين ببعض الأعمال التي من خلالها يمكن أن يضاعف لنا من الثواب ما نستطيع من خلاله أن نصل إلى درجات الله العُلى، أو أن نحصّل ثوابًا أكبر من الأعمال المنجَزة، فلعلها فائدة عظيمة يتثاقل عنها المنافقون ويهرع إليها المتقون المؤمنون.
ولذلك حدّث النبي ﷺ في المقابل بأن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، «ولو يعلمون ما فيهما لأتَوهما ولو حبوًا».[12] قال: انظروا، النبي ﷺ يقول: «ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا»! تخيّل رجلًا جاء إلى الصلاة يحبو على الأرض، ماشيًا على رجليه ويديه على الأربع، لا يستطيع أن يقوم، يزحف حتى يصل إلى المسجد! هذا شعور وهذا عمل من يرغب حقًّا في اللحاق بركب المؤمنين المتقين الذين يبتغون عند الله تبارك وتعالى ثوابهم.
والحديث في تمامه يقول: «ولقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حُزَم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأُحرّق عليهم بيوتهم بالنار». وقال: واضح تمامًا من الحديث أن النبي ﷺ يتحدث عن المنافقين؛ وكأنه أشار إلى عدد من الخلق في ذاتهم عبّر عنهم في بداية الحديث بقوله «إن أثقل صلاة على المنافقين»، فكأنه ينصّ على هؤلاء، وهؤلاء هم الذين أراد أن يحرق عليهم. لأن وجود المنافقين في المجتمع أعظم فتنة ممكن أن توجد في وسط المؤمنين؛ حيث إنهم لا يدعون المجتمع مستقرًّا، وإنما دائمًا يؤلّبون على الناس، ودائمًا يدعون الأحوال مضطربة وعلى غير اتزان، إلى آخره، وهذا فيه ما فيه من شقّ صفّ الناس وعدم وحدتهم، والتنازع الدائم والخلافات المستمرة، إلى آخر ما يقلق حال المجتمع المؤمن فيوقف حركته نحو المستقبل المتجدد. يعني بدل أن تكون أذهاننا فارغة نفكّر ماذا سنفعل غدًا، لا، نحن مشغولون بفلان قال، وفلانة عادت، وذهبنا وجئنا، وفلان أحدث مشكلة بين فلان وفلان؛ فإذن أذهاننا دائمًا منشغلة بالأشياء البسيطة، تاركة ما هو أعظم من ذلك، والله تبارك وتعالى أعلم.
ثم ختم الليلة بأن سأل الله أن يرزقنا حسن إتمام هذا الكلام في وقت لاحق إن شاء الرحمن سبحانه، وأن يتقبل منا أعمالنا ويغفر لنا تقصيرنا، وأن يقينا وإياهم شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن يرزقنا الخير حيث كنا. وقال: سلّم الله لكم ليلتكم وبارك الله فيكم وجزاكم الله خيرًا. وأضاف: وأسأل الله العلي القدير أن يجمعنا دائمًا على طاعته وعلى ما يرضيه عز وجل؛ اللهم إنا نسألك دوام ذكرك وتمام نعمتك، اللهم أدمنا على طاعتك ما حيينا، واختم بالإيمان حياتنا، وبلا إله إلا الله أعمارنا. اللهم آمين يا رب العالمين.
في اليوم التالي: بين الأصل والواقع
وفي اليوم التالي قال: تكلمنا بالأمس، وأيضًا في صباح هذا اليوم، حول قضية صلاة الجماعة، وذكرنا أننا ربما نحدّث من هم في البيوت أكثر مما نحدّث من هم معنا في المسجد الآن، وقد سخّر الله تعالى لنا هذه الوسائل التي تبثّ أقوالنا، على حد قولكم «لايف». وتحدثنا بالأمس كيف أن الله تعالى أشار إلى قضية تجمّع المسلمين في بيوته سبحانه وتعالى على صلوات الناس؛ يجتمعون في المسجد على أعظم عمل بشري أُمر به الإنسان من قبل رب العالمين سبحانه وتعالى، وهو أداء الصلاة. اجتمعوا، ليس بأبدانهم فقط، وإنما بأبدانهم ونفوسهم وأرواحهم.
ثم قال: نحن نتكلم عن الأصل، يا حاج، ونتكلم عن الواقع.[13] أنا أعلم أن في كثير من الأحوال يكون اثنان واقفين في الصف وقلوبهما مختلفة، بل ويكاد أحدهما يلعن صاحبه، بل وتكاد الأمور بينهما تكون على أشد ما يكون الحال، وربما يريد أن يتملّص من الوقوف بجانبه لكنه يخشى عتاب الناس، أو أن ذلك يلفت أنظارهم، إلى آخره. نعلم ذلك، ونعلم أن الفتن الكائنة بين قلوب المسلمين، إلا من رحم الله، شديدة الوطأة، وأن من لا يشعر بذلك فإنه لا يشعر به فقط لسلامة قلبه وحسن نيته ومعاملته مع الناس. أما الواقع المعيش فهو شديد. لكن دورنا، كدعاة، أو كما نسمّي أنفسنا دعاة، أن نتكلم عن الأصل، وعمّا ينبغي أن يكون، وعن المفترَض حدوثه، ونتكلم عن أصول التشريع ونصوص الإسلام؛ فما استجاب له المسلمون بعد ذلك فذلك ما ينفعهم بين يدي الله تبارك وتعالى، وما لم يستجب له كل فرد منا فمردّه أيضًا عليه. والله تبارك وتعالى وصف عباده المؤمنين بأنهم ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾[14]؛ أما الذي يستمع القول فلا يتّبع، أو لا يتّبع أحسنه، فذلك أمره إلى رب العالمين سبحانه جل في علاه.
ثم لخّص ما مضى: أن النبي ﷺ أراد أن يشعر العبدَ بأهمية ما يفعل، وأن الصلاة في جماعة مضاعَفة الثواب تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة، وأن ما يعانيه العبد من بيته إلى المسجد وما يلاقيه من جهد في الخشوع والتضرع بين يدي الله له أثره في عدد الأضعاف التي يجدها، وأن أُبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه حكى لنا قصة الرجل البعيد بيتُه الذي حرص على كل صلاة وأراد أن يُكتب له خطوه ذهابًا وإيابًا، فقال له النبي ﷺ: «قد جمع الله لك ذلك كله».
لماذا ثقلت العشاء والفجر
وقد جاء ما جاء في العشاء والفجر تحديدًا لما فيهما من المعاناة، لأنه يصعب على الإنسان أن يستيقظ من نومه وأن يقيم بدنه من فراشه الدافئ، خاصةً إذا لم يكن هناك داعٍ إلا الصلاة، عشان ينتزع نفسه من الفراش انتزاعًا ويذهب إلى المسجد، فقط إلى المسجد. يعني بعض الناس يأتي إلى صلاة الفجر لأنه كده كده رايح الشغل، فبطبيعة الحال إن هذا أصل عمله؛ فإن لم تتوفر لنا النية لا يكون لنا من الصلوات إلا مقدار أداء الأعمال. ولكن إن توفرت النية للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وإتقان هذه الصلاة والخشوع فيها، ومراعاة حال الناس والتعامل مع احتياجاته، إلى آخر ما هو من مضمون أعمالنا، يضاعف الله تبارك وتعالى الأجر ويعطي العبد على حسب نيته. ونسأل الله تعالى بلوغ المكارم، اللهم آمين يا رب العالمين.
فلما كان الفجر انتزاعًا للعبد لنفسه من فراشه في وقت يجمل فيه النوم وتشتد لذته، سبحان العلي القدير؛ وكذلك العشاء، الناس الذين يأتون من أعمالهم متأخرين مكدودين، لا يملكون شيئًا من اختياراتهم إلا أن يكون له اختيار واحد فقط: أن يعود إلى بيته فيستريح قليلًا ثم ينام ليستقبل يومًا جديدًا، ربما يكون يومًا شاقًّا أيضًا أو أشقّ من الذي قبله، أو أيسر، لكنه متعب؛ فلأن يقتطع من وقته ويضيف إلى جهده الذي بذله طوال اليوم جهدًا زائدًا، فينطلق إلى بيت الله تبارك وتعالى ليصلي، فإنه ينازع، يعني يبذل جهده ويأخذ من مَلَكاته حتى يكون في بيت الله تعالى. ولذلك كانت المضاعفة.
ثم رأينا أن النبي ﷺ يحدّث أن أثقل صلاتين على المنافقين صلاة الفجر والعشاء. لماذا؟ لأنهم يؤثرون شيئًا على الله سبحانه وتعالى. فالذي اختار لنفسه أن يقوم من فراشه فيصلي في المسجد، هذا اختار الله عز وجل وآثر رب العالمين على قضية النوم؛ والذي اختار أن يمرّ على بيت الله تعالى قبل أن يعود إلى بيته فيؤدي الصلاة أولًا، فقد اختار الله تبارك وتعالى. أما المنافق فإنه يختار الفراش، ويختار البيت، ويختار كذا، فضلًا عن اختياره لرب العالمين سبحانه وتعالى، والأمور عنده بمراحل. ونسأل الله تعالى العافية والسلامة يا رب العالمين.
ضيفٌ على الله
ثم قال: بين أيدينا حديث للنبي ﷺ يحدّث فيه عليه الصلاة والسلام بقوله: «من غدا إلى المسجد أو راح أعدّ الله له في الجنة نُزُلًا كلما غدا أو راح».[15] خذوا بالكم، دقيقتين نقف مع هذا الحديث المشوّق، حديث رائع عنه ﷺ، وكل كلامه ﷺ كذلك.
«من غدا إلى المسجد أو راح أعدّ الله له في الجنة نزلًا»؛ ما معنى «غدا أو راح»؟ وكيف نفهم هذا الكلام؟ الذي ينطلق إلى بيت الله تبارك وتعالى إنما هو زائر لمن؟ لله. ألا إن المساجد إنما هي بيوت الله، وزوّارها عُمّارها، أليس كذلك؟ اتفقنا على هذا؟ وحقّ على المزور أن يكرم زائره، أليس كذلك؟ فإذا غدا العبد منطلقًا إلى بيت الله تبارك وتعالى، ألم يعلم الله عز وجل بمجيئه؟ أليس الأصل أن الله قد علم أنك قصدتَ المسجد؟ أليس من حق الضيف أن يُهيَّأ له الموطن الذي سيكون فيه؟ من الذي يهيّئ الموطن؟ صاحب البيت. ومن صاحب البيت؟ رب العزة. فرب العزة هيّأ لك المكان الذي أنت فيه الآن، الذي تجلس فيه الآن بعد الصلاة، هيّأه الله تعالى لك. فإن أحسنّا الفهم لهذه القضية، فكما يهيّئ الله تعالى لك نُزلك في بيته إذا زرتَه في بيته، كذلك بكل مرة يهيّأ لك فيها في الدنيا في بيت من بيوت الله، يهيّأ لك في الجنة منزلة أيضًا.
ثم قال: لكن تخيّل هذا الثواب، لكي نتصوره أكثر؛ تخيّل أني اتصلتُ عليك: «السلام عليكم يا حاج، أريد أن أشرب معك كأس شاي». فتقول: «تفضّل يا شيخ، أهلًا وسهلًا». ثم تقول لأهلك: «يا بنت، نظّفي هذا المكان، وجهّزي الحمّام إن احتاج أن يدخل، ورتّبي الطريق، وافعلي كذا». أليس كذلك؟ ألسنا نفعل هذا في بيوتنا لمجرد أنك علمتَ أن ضيفًا سينزل عليك، ولو لمجرد دقائق، فإنك تجهّز كل شيء تحت أمر الضيف وتُعدّ له ما استطعت إن كان صاحب مقام عندك؟ طيب، لو لم يكن صاحب مقام عندك، يعني معدّي عليك أي حد ليس له عندك مقام، فإنك تُعدّ هذه المرة ليس بما يناسب مقام الضيف وإنما بما يناسب مقام المضيف؛ فلا يصحّ أن يخرج من عندي ويقول إنه لم يجد كأسًا نظيفة، لا يصحّ، أو يخرج فيحدّث الناس أنه لم يجد مكانًا يجلس فيه؛ لا يصحّ، هذا لا يناسبني أنا باعتباري المضيف، أليس كذلك؟
فإذا كان الله تعالى يُعدّ لك منزلًا، فهذا المنزل أُعدّ لك بقدر ما تحتاج. أنا آتيك اليوم لأجلس عندك ساعتين لأننا نحتاج أن ندخل على الإنترنت ونعمل كذا ونعالج كذا؛ فما الذي تُعدّه لي؟ تُعدّ لي منضدة وكمبيوتر وكرسيًّا وكذا، تُعدّ ما يتناسب مع سبب مجيئي، أليس كذلك؟ فإذا كان العبد قد أتى إلى بيت الله تبارك وتعالى، لماذا جئتَ يا حضرتك؟ أتطلب مغفرة؟ تطلب رحمة؟ تطلب عونًا؟ تطلب مددًا؟ تدعو الله سبحانه وتعالى بكذا؟ يجهّز الله تبارك وتعالى لك كل الأسباب التي يمكن أن تتوفر لك حتى تقضي حاجتك في أكثر ما يكون. هل نحن متصورين الحالة بالشكل ده؟ «من غدا إلى المسجد أو راح أعدّ الله له في الجنة نزلًا كلما غدا أو راح»؛ أنت عندك ارتباط مباشر، خطوتك تُسجَّل هناك كأنها خطوة إلى الجنة. هكذا نفهم، والله تبارك وتعالى أعلم.
وقال: سبحان الله العلي القدير، إذا أتى العبد إلى المسجد مرة ومرة ومرة، في كل مرة يُكرَّم بشيء، أليس كذلك؟ وخزائن الله تعالى ملأى لا يغيضها إنفاق، أليس كذلك؟ طيب، في هذه المرة يكمّل لك هذه الصفة، وفي هذه المرة يكمّل لك هذه الصفة، وفي هذه المرة يكمّل لك هذه الصفة، حتى تكتمل صفاتك فتصير مسلمًا حقًّا.
حيث يُنادى بهنّ
وترجم ذلك في كلام عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وقال: اسمعوا النص ده عن عبد الله بن مسعود، يقول: «من سرّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هذه الصلوات حيث يُنادى بهنّ»،[16] يعني، كما شرح، كأنه مسلم كامل. يحافظ على ماذا؟ وأين؟ في بيته؟ أم في الحقل؟ أم في السوق؟ لا، حيث يُنادى بهنّ. وأين يُنادى على الصلوات؟ في المساجد. «من سرّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهنّ»، يبقى الأصل في الصلاة أن تكون أين؟ حيث يُنادى بها؛ الموطن الذي يُقال فيه «الله أكبر الله أكبر»، ذلك هو الموطن الذي ينبغي أن تذهب وأن تؤدي فيه هذه الصلاة.
وقال: وهذه المسألة محسومة عندنا يا إخواننا؛ يعني الأصل أن الإنسان هو الذي يذهب إلى الطبيب، ذلك هو الأصل، ومسألة أن يأتيك الطبيب إلى بيتك مسألة استثنائية. فكذلك، لماذا نفرّق بين هذه الحالة وحالة أنك تذهب إلى الطبيب الأعظم، أن تذهب إلى بيت الله تبارك وتعالى؟ لماذا نقصّر في هذه المسألة؟
ثم أعاد النص منسوبًا هذه المرة إلى عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه،[17] فقال: «من سرّه أن يلقى الله تعالى غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهنّ، فإن الله شرع لنبيكم سُنَنَ الهدى، وإنهنّ من سنن الهدى، ولو أنكم صلّيتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلّف في بيته لتركتم سنّة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم». اسمعوا هذا! لو فعلتم ذلك فماذا تفعلون؟ إنكم تتركون سنة النبي ﷺ! هل أنتم متخيّلون النتائج المترتبة على المقدّمات يا إخواننا؟ كيف تبدو الأسباب والمسبَّبات هنا؟
ثم ختم بقوله: نسأل الله تبارك وتعالى أن يلحقنا بعباده الطائعين، وأن يجعلنا من أهل المساجد، وأن يديم قلوبنا معلّقة به، وأن يحفظ علينا إيماننا؛ ونستكمل إن شاء الله تعالى في لقاء متجدد. جزاكم الله تعالى خيرًا، بارك الله تعالى فيكم، سلّمكم الله، والسلام عليكم.
--- [1]: توثيق المحرر: العدد الذي ذكره المحاضر لآراء ابن القيم مشوّش في التفريغ («خم آراء»)، فلم يُثبت. وقد بدأ التفريغ بهذه الكلمات في سجود السهو دون مقدمة، فلم يُعرف ما يتصل بها قبلها. [2]: توثيق المحرر: الكلمة مشوّشة في التفريغ («يسؤ الإمام»)، ولعلها «يسهو»، وسياق ما بعدها يؤيده. [3]: توثيق المحرر: رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصدره: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». [4]: توثيق المحرر: [النساء: 103]. لم يذكر المحاضر موضع الآية. [5]: توثيق المحرر: [البقرة: 238]. لم يذكر المحاضر موضع الآية. [6]: توثيق المحرر: عبارة «وليست فريضة… وهذا هو الرأي الراجح» ملتبسة في التفريغ، فلا يُعرف أهي في دلالة الآيتين أم في حكم الجماعة؛ وقد أُثبتت كما وردت دون ترجيح من المحرر. [7]: رواه البخاري ومسلم. توثيق المحرر: العدد مشوّه في التفريغ («5 ضعفا») فأُثبت بلفظ الرواية: «خمسًا وعشرين ضعفًا» في حديث أبي هريرة، وفي حديث ابن عمر: «سبعٌ وعشرون درجة». [8]: توثيق المحرر: أُثبتت الأعداد كما وردت في التفريغ. والثابت في الصحيحين خمس وعشرون وسبع وعشرون، فلعل بعض الأعداد الأخرى من خطأ السمع أو من رواية لم تُحقَّق، فتحتاج إلى سماع الصوت. [9]: توثيق المحرر: رواه مسلم عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه. [10]: توثيق المحرر: رواه مسلم عن عثمان بن عفان رضي الله عنه. [11]: توثيق المحرر: هذه الجملة مضطربة في التفريغ («ما يكون عندنا بداية من قلة الجهد في التعبد»، «ما يعترضون من فتن»)، وقد صيغت بحذر على أقرب معنى؛ تحتاج إلى سماع الصوت. [12]: توثيق المحرر: رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي تمامه التحريق الذي ذكره المحاضر بعده. [13]: توثيق المحرر: لا يتبيّن من التفريغ أهي «نتكلم عن الواقع» إثباتًا أم نفيًا أم سؤالًا؛ وقد حُذف من العبارة اسم المخاطَب. وما بعدها («أنا أعلم أن في كثير من الأحوال…») يقرّر الفرق بين الأصل والواقع. [14]: توثيق المحرر: [الزمر: 18]. لم يذكر المحاضر موضع الآية، وقد أُثبت منها بقدر ما ذكر وبعدها: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ…﴾. [15]: توثيق المحرر: رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [16]: توثيق المحرر: رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. [17]: توثيق المحرر: نسب المحاضر النص أولًا إلى ابن مسعود ثم إلى ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين في الإعادة؛ والأثر في صحيح مسلم عن ابن مسعود. أُثبت كلام المحاضر كما ورد.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.