أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
التفسير المقاصدي

داود وسليمان: الأوّاب الذي لا يقف عطاؤه

داود وسليمان: الأوّاب الذي لا يقف عطاؤه

د. أحمد أبو سيف•٢١ يوليو ٢٠٢٦•5 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 21 يوليو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

بعد دعاءٍ سأل فيه الله خير هذا اليوم وخير ما بعده، وأن يصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، ويبسط لنا من الرزق ما فيه صلاحنا ومن الإيمان ما يتحقق معه يقيننا، انتقل الدكتور إلى الآيات التي تُليت في صلاة الفجر.

فضلٌ منكَّر للتعظيم

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾.[1] جاءت كلمة «فضلًا» نكرةً، والنكرة هنا للتعظيم والتعميم؛ فكان فضل الله على داود كبيرًا جدًّا. وقد نسمع «آتينا فلانًا فضلًا» فينصرف الذهن أول ما ينصرف إلى أموال كثيرة وبيوت وثيرة ومزارع، أي إلى دنيا. غير أن الله يقول: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾؛ فالجبال تؤوب مع داود، لأنه هو «أوّاب»، والأوّاب دائم الذكر لله لا ينشغل عنه بغيره. فكان أعظم درجات الفضل التي أوتيها داود أنه كان أوّابًا.

الذاكر الذي لا يخمل

وهذا الذاكر العظيم، الذي لا يفتر لسانه عن ذكر الله، لم يكن خاملًا جالسًا في بيته قاعدًا في محرابه، بل كان صانعًا ماهرًا: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ۝ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ۖ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.[2]

وكلمة «بصير» تريك مستوى الكشف الذي يطّلع به رب العالمين سبحانه على التفاصيل الدقيقة جدًّا في حياتك. وكثير من الناس يهملون بعض البنود الصغيرة؛ فهو إذا قدّم تقرير الضرائب تغافل عن بعض الأمور الصغيرة، لأنه يظن أنهم لن ينتبهوا إليها، وهي وسائل بسيطة. وللأسف يتعامل بعض الخلق مع الله بالمنطق نفسه: تفاصيل صغيرة لن يلتفت إليها. لكنك تتعامل مع من قال: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.

من داود إلى سليمان

هذا نموذج أنتج لنا سليمان: العامل الضارب في الأرض، الذي لا يضيّع لحظة من لحظات حياته، ويستثمر كل أنواع الإمكانات التي في يده. هذه الشخصية أثمرت لنا في الدنيا سليمان، ولا يزال عطاء الله يتجدد عندنا بداود، تسبّح معه الجبال والطير، أوّابٌ حمل الكون من حوله على أن يكون أوّابًا. ثم انظر العطاء الإلهي في ثمرته: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ۝ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾.[3]

تخيّل أن أسباب الكون مسخّرة بين يديك؛ فما أقصى طموحك حينئذٍ؟ أن تلتقط صورة مع لاعبي المنتخب؟ يا لها من خيبة! مسكينٌ يفرح بالقشور. فانظر ماذا كان يشاء سليمان: محاريب وجفانًا وقدورًا، كرمًا وشهامةً واحترامًا للبشرية، وتسخيرًا للكون بكل إمكاناته في سبيل الله. ولماذا؟ لأنه هو في ذاته كان في سبيل الله. فمن استشعر قيمته أنه يعيش في الدنيا لله، سخّر كل ما بين يديه من إمكانات لله.

رجلٌ طيب من بلدنا

عندنا في مصر مثال دائم الذكر على الألسنة: رجل طيب سبحان الخلّاق العليم، كان له شريك، نسأل الله الرحمة للجميع. اتفقا من بداية حالهما أن كل ما بين أيديهما لله فيه عشرة بالمئة، فأي تجارة يدخلان فيها لله فيها هذا النصيب. فكان الرجل الطيب يكسب كسبًا عظيمًا، وجانب شريكه دونه، فقال له شريكه: ما هذه الحكاية، أتقرأ على الأشياء، أم سمّيت عليها؟ فبدّلا ما في اليد، فصعد ما كان عند الرجل الطيب أكثر، ونزل ما كان عند الآخر قليلًا.

والشاهد: ماذا كان يفعل هذا الرجل؟ ما كان يدع ليلة من ليالي حياته إلا وهو منطلق في سبيل الله. كان يبني معاهد أزهرية في القرى الفقيرة، ويقيم هناك حفل جمع التبرعات حرفيًّا، فيقول للناس: من يأتي بالحديد؟ من يأتي بالأسمنت؟ من يأتي بالأبواب؟ من يأتي بالأقفال؟ فيجتمع المال كله. وكان يصحب معه شيخًا وقارئًا من إذاعة القرآن الكريم ليصنع جوًّا في المنطقة ويكرم الناس.

ومن طريف ما يُروى عنه أنهم اجتمعوا صباحًا ليذهبوا إلى مكان ما، فدخلوا عليه في مكتبه وقد فرغ من بعض العمل والتوقيعات، ثم أخذ ركنًا وصلّى ركعتين، والناس جالسون ينتظرون، ثم صلّى ثم صلّى ثم صلّى. فقال له واحد منهم: وبعدين معك يا حاج؟ أتريد أن تدخل الجنة من أبوابها التسعة؟ فقال له: هي ثمانية! قال: فأنت تصنع لنفسك بابًا جديدًا يا أخي. وهذه طبعًا مبالغة، لكن فيها من التشبيه ما يثمر في نفوس الساعين إلى العمل: أن في الناس من يصنع لنفسه بابًا جديدًا في الجنة.

عطاءٌ لا حدّ له

إننا لا نزال بحاجة إلى المزيد في داخلنا. فعطاءات رب العالمين للخلق لا تنتهي، فكيف تنتهي أعمالنا في المقابل؟ الذي يجيئك من عند رب العالمين ليس له آخر، فكيف تقول في العبادة: هذا آخري، لن أعمل أكثر من هذا؟ يا رجل، إذا وضعت لنفسك حدًّا في العطاء لله، فاحذر أن يكون جزاؤك من جنس عملك. فأنت قلت: ركعتان وكفى. فتخيّل أن يُقال لك: هذا القدر القليل من الصحة يكفيك ولن يُزاد عليه. هل تتحمل هذا القرار الإلهي؟ وقلتَ: لن أنفق أكثر من هذا، فيكون الجزاء من جنس العمل. هل يقدر أحد على هذا القرار من رب العالمين سبحانه وتعالى لو وقف العطاء؟

وكان أحد الصالحين ينفق بقدر جعل الناس حوله يقولون له: أنت مجنون، كيف تنفق كل هذا، وأولادك وعيالك؟ فيقول لهم: اسمعوا، عوّدتُ عباد الله عادةً، وعوّدني الله عادةً، فأخشى أن أقطع عادتي عن الله فيقطع عادته عني. فلسفة في منتهى البساطة، وحوار بسيط جدًّا في داخل هذه النفس: بقدر ما أعطي يعطي، وعطائي لا يوازي عطاءه. فماذا أعطي؟ توافه أصلًا. مهما أعطيتَ فلن يبلغ ذلك مستوى عشرة أنفاس تأخذها في منخريك، فتدخل الصدر ثم تخرج بالمتانة نفسها والسلامة، نسأل الله السلامة.

نهاية الملك

﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ﴾: ومشيئته لم تتجاوز مشيئة رب العالمين سبحانه. ومع كل هذه الهيمنة والملك والسطوة: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾؛ مات وهو واقف. هذه الدابة الصغيرة جاءت تأكل العصا، فسقطت العصا من يده على الأرض فوقع، ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾.[4] سبحان القدير! ما أضعفنا!

انظر إلى نفسك أمام المرآة: الشعرتان وهندامك الحسن والدنيا مظبوطة. لكنّا لا ندري أننا يمكن أن نسقط، وإذا سقط الواحد منا لم يتبقَّ منه شيء. ربنا اختم لنا بالخير، وأعنّا على شهوات أنفسنا، وذلّل بين أيدينا الصعاب.

--- [1]: توثيق المحرر: سبأ: ١٠، وقد أتبع المتحدث الآية بقوله ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ وهي من الآية نفسها. [2]: توثيق المحرر: سبأ: ١٠–١١. [3]: توثيق المحرر: سبأ: ١٢–١٣. [4]: توثيق المحرر: سبأ: ١٤، وقد وقف المتحدث عند ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ