﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ في سورة الغاشية
خاطرة الفجر | د. أحمد أبو سيف | 24 يوليو 2026 — ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ في سورة الغاشية
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 24 يوليو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
الوصف الذي منحه ربنا سبحانه وتعالى في سورة الغاشية لأهل الجنة مثيرٌ للانتباه، يجعلك تتفكر كثيرًا في هذا العرض الإلهي؛ فالله عز وجل يعطيك ما لم يحصل قبل ذلك. ومجرد ترديد الكلام على لسانك جنة، فما بالك بأن تعيش مشهده يوم القيامة، فإذا برب العالمين سبحانه يمنحك هذا.
وجوهٌ ناعمة
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.[1] في دنيانا الوجوه الناعمة هي وجوه أولاد النعيم، أولاد الطبقة الراقية الذين لا تصيب وجوههم الشمس، ولا يكدحون في التراب، ولا يسعون في الأرض كثيرًا، حياتهم كلها مكيّفة من الأول إلى الآخر لا يشقَون. وجوهُ النعمة هذه لم ترَ شقاءً ولا تعبًا. وكأن ربّ العالمين سبحانه يرفع عن الإنسان آثار دار الشقاء مبدئيًّا وأول ما يحصل، لمجرد دخوله الجنة.
وما سبب هذه النعومة التي هي مؤشر الرقيّ والسعادة؟ أنها وجوهٌ ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾. لم يقل: مرضيّة، وإنما راضية. عندنا الآن شخصٌ تعب وكدح في الدنيا، وتحمّل تبعات الطاعة، ودفع ضريبة الانتماء لهذا الدين، وهي ضريبة كبيرة جدًّا. فدفعها طوال حياته، فالطبيعي أن يكون يوم القيامة مرضيًّا موفّى الأجر الذي وُعد به في دنياه، تُسلَّم له جائزته ثمرةَ عمله. لكن الآية تقول إنه راضٍ فرحان.
تخيّل بمنتهى البساطة شابًّا في الدراسة في الصف الثاني، يعني لسنا في سنة شهادة، ونجح ونال الدرجات العالية، تجده مبسوطًا جدًّا مع أنه لا نتيجة مترتبة على هذا النجاح بشكل عملي. لكنه راضٍ عن جهده الذي بذله. وشخصٌ آخر تعب جدًّا أثناء الدراسة، وفي أيام الامتحانات لم يوفَّق لأسبابٍ محددة، مرض أو حصلت له مشكلة، فلم تأتِ النتيجة على حسب مراده ولا وافقت قدر التعب الذي بذله، ومع ذلك تجده راضيًا جدًّا بما بذل، مبسوطًا بالجهد الذي وضعه أيًّا كانت النتائج؛ كان يذاكر لأجل المذاكرة، ويحضر لأجل الحضور، ويتعلم لأجل التعلم.
وكذلك أهل الإيمان وهم يضربون في الأرض ويسعون فيها، يحرّكون الكون ويديرون شؤون الحياة ويتعبون في إبلاغ رسالة الله، إنما يفعلون ذلك لأجل ذلك، لا يعنيهم ما الذي يكون بعده. تخيّل شخصًا ذهب إلى التكريم لأجل جهدٍ بذله، فأعطوه شهادة، فسلّم على الناس ولم ينظر في الشهادة. تقول له: انظر إليها، فيقول: هذه مسألة متوقعة بالنسبة لي، خلّيها جانبًا؛ أنا مبسوط أني عملت هذا، سعيد أني بلغت هذا المقام. ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
جنةٌ عالية خلت من اللغو
ولما كان أمثال هؤلاء محلَّ تهمةٍ في الدنيا ومحلَّ اضطهادٍ وتتبّع، فإذا برب العالمين سبحانه لا يجعلهم وسط البقية، وإنما ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾، خلت من هذا الهراء الذي يحدث في الدنيا. تخيّل ما الذي يسمعه أهل الطاعة في دنيانا ممن ليسوا على شاكلتهم من الطرف الآخر.
كتب أحدهم منشورًا على الفيسبوك يستنكر فيه كيف يتواجد المجتمع المسلم بهذه الكثافة في هذا البلد حتى يصنعوا هذا المشروع الإسلامي في هذه المنطقة؛ إخوانٌ هناك اشتروا أرضًا ويبنون مسجدًا، وهذا طبيعي بالنسبة لنا، أما هو فيستنكر. استنكاره ليس مشكلة، لكن حين تنظر إلى التعليقات وأنت تنزل إلى أسفل تجد تعليقاتٍ سيئةً جدًّا، وأعتذر عن هذه العبارة، كأن الناس أيديهم وجعتهم فكتبوا أشياء غريبة جدًّا. فتخيّل أن تواجدك فيه كثيرٌ من اللغط الذي يمارَس على أذنك. وإلى ذلك، حتى وسط المجتمع الذي يمسك على دينه كالقابض على الجمر، لا يعجب الناس أن تكون صادقًا، أن تكون واضحًا، أن تكون صريحًا. وللمصريين في الشخص بالغ الوضوح والصراحة مَثَلٌ يقولونه. فتُتَّهم، وتُتَّهم، وتُتَّهم، وكل ذلك يتراكم على أذنك في دنياك. فإذا برب العالمين يكافئهم في الآخرة: ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾.
النعيم الحسّي وما فيه من إعداد
ثم تأتي مراحل النعيم الحسي: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾. تخيّل المشهد: عندك بيت كله زجاج، ليس عندك ما تخبّئه، فتحتاج إلى ستائر، ولكن على نهرٍ جارٍ من الماء، وحولك الأشجار، والنعيم نعيم. ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾. أنت داخل غرفة سبع نجوم، أو اثنتي عشرة نجمة، عُدّ النجوم كما تشاء، معدّةٌ لك. فإذا سافرنا إلى مكان وصاحَبَ هذا السفر عملٌ كثير، فنحن لا نؤثر أن ننزل في مكان مستقل ندبّر شؤونه بأنفسنا، وإنما نجد الفندق، ونجد من يدخل لينظّف وراءك ويرتّب الأشياء في مكانها، لأنك لا وقت عندك فيرتّب لك الأشياء. تصوّرك لهذا المشهد الضعيف الضئيل البسيط يجعلك تتخيل ما الذي يحدث في الجنة: كل حاجة جاهزة.
﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾
ثم ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. وكأن هذا التكوين الإلهي لأهل الجنة، وصناعةُ ربّ العالمين سبحانه جلّ في علاه لنعيمهم الذي هم فيه ذلك الوقت، إنما هو مجرد انعكاس لما يصنعه الله في الإبل. وقد قدّمنا الكلام قبل ذلك في صناعة الإبل؛ فاجعل التفكر فيها جزءًا من الواجب المنزلي، وانظر ما صنع الله في الإبل، وأسرار الله عز وجل فيها، ستجد آلاف المقالات تحدّثك عن إعجاز هذا الخلق العظيم المبهر.
﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾: الذي رفع السماء بلا عمد يقدر على أن يرفع شأن عباده إذا أخلصوا. ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ بهذا التركيب وامتدادها في الأرض كامتدادها وارتفاعها في الهواء، وصمودها وقوتها وتحدّيها للرياح، وعمرها منذ خلق الله الأرض وما عليها إلى يوم القيامة؛ هذا يجعلك تنظر إلى حكمة ربّ العالمين سبحانه.
فذكِّر، ولست عليهم بمسيطر
وكما أن هذه الجبال تأوي الكافر والمؤمن، أليس كذلك؟ إذا دخل إلى كهف في هذا الجبل كافرٌ لا يقول له الجبل: اخرج، أنت مسلم؟ بل يستوعبه. وكما أن هذه الجبال بهذه الشمولية، والسماء لا تزال تظلّ المؤمن والكافر من الناس، وكذلك الأنهار والبحار والشجر والثمار، كل ذلك يعمّ، فكذلك أنت متشبّهًا بنبيّك ﷺ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ﴾.[2] ليس «فتعذّبه أنت»، وإنما «فيعذّبه الله»؛ هذا موضوع خاص بربنا. شأنك في الوجود الإنساني فقط أن تُخرج الكلمة الحلوة، أن تقول الكلمة الطيبة، أن تتكلم مع الناس بالحسنى.
الضمائر، والله العظيم، ليست لنا؛ ضمائر الناس وقلوب الخلق لربنا. فلا تحاول أن تقحم نفسك في منطقةٍ ليس لك فيها شغل، اخرج منها، هذا ليس مكان عملك. خلّك في إطار الوعظ، والكلمة الطيبة، واللسان الجميل، والجملة المفيدة. فمن صلح فلنفسه، ومن فسد فعلى نفسه، وليس هذا من شأنك.
سلوا اللهَ الجنة، سلوا الله الجنة، سلوا الله الجنة بما أعدّ فيها لعباده الصالحين. اللهم آمين يا ربّ العالمين، سلّم الله لكم يومكم وبارك.
--- [1]: توثيق المحرر: الغاشية: ٨، و﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ فيها: ٩، و﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾: ١٠، و﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾: ١١، ثم ١٢–١٦ للنعيم الحسي، ثم ١٧–٢٠ لآيات الإبل والسماء والجبال. [2]: توثيق المحرر: الغاشية: ٢١–٢٤، وقد أوردها المتحدث مجزأةً مع تعليقه على «فيعذبه الله».
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.