أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

الإيمان بين الادعاء والالتزام

ليس الإيمان دعوى تُقال ولا مسكّنًا للضمير، بل قوة تحرّك القلب والبدن والتجارة والبيت

د. أحمد أبو سيف•١٢ سبتمبر ٢٠٢٥•7 دقائق قراءة
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في مسجد الهدى بتاريخ 12 سبتمبر 2025مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

الإيمان في ميزان القرآن علّةٌ واحدة لسعادة الحياة الدنيا ونعيم الآخرة، ومعادلته مختصرة لا استئناف فيها: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: 124].

فهل هذا هو واقعنا؟ الواقع الذي تعيشه الأفراد، والواقع الذي تعيشه الأمة؟ انظر حولك. إن المستوى الذي تعيشه الأمة أنها لا يُعتدّ بها لا عدوًّا ولا صديقًا، ولا يكترث أحد بأن يعتدي علينا في الوقت الذي شاء وبالقدر الذي شاء وأينما كان؛ نحن على هامش التفكير أصلًا. منذ ما يقارب عامين تعيش غزة ما تعلمون من الأحداث، وتعلمون أحوال أهلنا في اليمن وغيرها، وما يجري في السودان وما أدراك ما السودان، حيث يبلغ التعتيم الإعلامي حدًّا لا يستطيع معه أحد أن يرفع هاتفه ليصوّر مشهدًا، وإلا كان في جملة الموتى كما تأتي الأخبار من الداخل. فأين حال المسلمين؟ وماذا عسانا أن نفعل؟

وهذا السؤال نسمعه بين الحين والآخر: نحن نعيش في أمريكا بعيدًا عن هذه الأحداث، وليس لنا فيها شيء. فلنتساءل سويًّا: النبي ﷺ في مكة على مدار ثلاثة عشر عامًا، أكان في حالة قتال ودفاع بدني عن دينه، أم في حالة مكافحة للكفر والشرك المحيط به وبأصحابه؟ كيف كان همّ الداعية الأول في مكة آنذاك؟

مكة: مرحلة التأهيل الإيماني

الجواب أن النبي ﷺ كان ينشئ أناسًا يحملون الإيمان في قلوبهم. وهؤلاء الأفراد، قلّ عددهم أم كثر، انتقلوا من مرحلة التأهيل الإيماني في مكة إلى المدينة ليكونوا جندًا عند الله يدافعون عن الدين حق الدفاع، وهم حائط الصد الأول للدعوة وأهلها وللإسلام وأتباعه. كانت مكة مرحلة تأهيلٍ إيماني في داخل النفوس، فرأينا أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم ممن أخرجتهم مكة طاهرين قلوبًا وعقولًا. وذلك هو المطلوب أولًا: أن يكون الإيمان في داخلك محرّكًا وليس ادعاءً.

الإيمان الذي يُدّعى ولا يتحرك

اسمع قول الله عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14]. هل حاولنا التفكير في هذه الصياغة؟ كلنا يدّعي الإيمان على المستوى الفردي، وكلنا يعلم أن الصدق منجاة، ولكن ما مستوى الكذب في حياة الأفراد وحياة الأمة؟ كلنا يصدر عنه السوء والحسن، والخطأ والصواب. لكن أي خطأ يصدر مني وأنا موقن بخلافه؟ أكذب متعمدًا، وأدلّس متعمدًا، وأشهد زورًا متعمدًا، وأغشّ في بيعي وتجارتي متعمدًا، مع أنني أدّعي الإيمان! أقف في صف المصلين، وأستمع إلى القرآن، وأتلو الصفحات، وأردد سورة الكهف يوم الجمعة، وأسمع الأذان، وكل ذلك يحرّك بدني إلى المصلى لأقول: الله أكبر، ثم أعود إلى تجارتي فأعيد الغش والتدليس والتزوير والمخادعة. وكأنني أذهب إلى المسجد لأتناول مسكّنًا للضمير، ثم أعود بالبدن ذاته لأعمل ما شئت سعيًا وراء الدنيا التي أرجوها ولا أرجو سواها.

فأين الإيمان؟ كلنا يعلم أننا يوم تزوجنا أخذنا بنات الناس بأمانة الله وكلمته، فكم منا يتقي الله في أهل بيته؟ ونساؤنا يعلمن دينًا نظريًّا أن الرجل الذي في البيت أمانة عندها، له عليها حقوق ولها في بيتها واجبات، فمن منهن، كثرن أم قلّ عددهن، يتقين الله في رجالهن ويحسنّ العشرة؟ وكلنا يعلم أن أبناءنا في بيوتنا أمانة استودعنا الله إياها، والمطلوب منا أن نعدّ هذا الجيل ليحمل هوية الإسلام ورسالته إلى الغد وينشر دين الله في أرجاء الأرض. فمن منا يتقي الله في عياله ويعطيهم من وقته أكثر مما يعطي أصحابه ورفاقه، ويحسن إليهم بقدر ما يحسن إلى ذاته؟ ومن منا عمد إلى الآخرة وسعى لها سعيها؟

لا أريد أن أكثر الكلام اليوم، فالكلام كثير هنا وهناك وفي كل المواطن التي يعتلي فيها الناس المنابر. لكننا أمام أزمة تُسمى أزمة التفاعل مع ما نتحدث به. أسهل ما عندنا أن نخوض في أعراض الناس، وأن نتقفّى آثار الخلق، وأن نحصل على المال بالحرام أو بالشبهة، وأيسر ما عندنا أن نخون بعيوننا أو ألسنتنا أو أجسادنا. فأين الإيمان الذي الأصل فيه أن يسري في بدن المسلم كالدم في عروقه كلها؟ هذا أمر يحتاج إلى مراجعة.

بضع وسبعون شعبة

عباد الله، لا مناص لنا من الإيمان. لكن الإيمان الصامت لا يحرّك عقلًا ولا بدنًا، والإيمان المغشوش يؤدي إلى ما هو أسوأ منه. والنبي ﷺ يحدثنا في حديث مشهور: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ»[1]. فما الذي بين أفضلها وأدناها؟ ما الذي بين «لا إله إلا الله» و«إماطة الأذى عن الطريق»؟ تدوير المصانع في جملة مقتضيات الإيمان، وإدارة المتاجر في جملة مقتضيات الإيمان، والتربية الحقيقية لجيل صحيح من مقتضيات الإيمان، والعمل السياسي المحترم من مقتضيات الإيمان. العمل كله من مقتضيات الإيمان، فلا نهوّن ولا نضيّع، وإنما نعتبر ما بين أيدينا.

كلكم يعلم أن نصر الله لعباده المؤمنين حق، وأن من خذل دين الله خذله الله، وأن من انتصر لرسالته وأمانته حفظه رب العالمين. وكلنا يعلم قوله: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: 51]، وأن جند الله هم الغالبون. هكذا حدثنا القرآن الكريم، والمسألة منتهية. فما الذي يحصل؟ ما الذي يدور في نفوس الناس؟ لماذا كل هذا الخوف، وهذا الخور، وهذا الخنوع؟ لا سبب إلا أن الإيمان لا يحرّك قلوب هؤلاء الناس.

لقد وقف سحرة فرعون أمام فرعون، الملك الأعظم آنذاك، فكيف كانت عبارتهم حين أشهروا إسلامهم في أعلى مستويات الإشهار؟ قالوا: ﴿لَا ضَيْرَ ۖ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 50]. التفتت أعينهم عن نظرتهم المقدسة إلى فرعون الحاكم إلى رب العزة سبحانه، وتحوّلوا من عبودية شخصٍ ودنيا ومال ودولار ودينار إلى عبودية من يسبّب الأسباب ويخرق الأسباب ويفعل في ملكه ما يشاء.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

العبادات تدريب على الالتزام

الحمد لله رب العالمين، لا معقّب لحكمه ولا رادّ لقضائه، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ونبيه ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

لما أمر الله الناس أن يأتوا إلى المساجد خمس مرات في يومهم وليلتهم أراد أن يدرّبهم على الالتزام بعمل تصنعه أيديهم وإنتاج يخرج من عندهم. ولما أمرهم أن يصوموا ثلاثين يومًا متواصلة أراد أن يدرّب النفوس على أن تمتنع عما ليس لها، وألّا نخوض في الدنيا إلا بإيمان يحرّك أبداننا. ولما أمرهم بالحج، طوافًا حول الكعبة وسعيًا بين الجبلين، أراد منا أن نعود بذاكرتنا وجوارحنا وقبلتنا إلى الأصل الذي خرجنا منه، فإن أخطأ أحدنا عاد، وإن عصى تاب، ما بين ذهاب وإياب، لكن لا نخرج عن دائرة الإسلام ولا عن دائرة الانتساب لرب العزة سبحانه. إن الله يدرّبنا على أن نطبق الإيمان في حياتنا في كل قول وعمل، وطلب منا إسلامًا نؤديه وفرائض نلتزمها، فالتزموا عباد الله، ولا يكن الوقت حجة علينا بين يدي رب العالمين يوم القيامة. فإذا سهرنا على طاولة ورق أو دومينو فإننا نضيّع أزمانًا كان يمكن أن تُستثمر فيما ينفع الأمة وتنمّي العقول علمًا وعملًا وتنشئ ذرية وتحرّك جيلًا بأكمله. وإذا عبثنا بكلامنا وضيّعنا حقوق الآخرين من حولنا فإننا نهدر حقوقنا بين يدي رب العالمين.

عباد الله، أذكّر نفسي أولًا وقبل أي أحد، وأذكّر إخواني وأخواتي: الحياة التي نعيشها أمانة ائتمننا عليها رب العالمين، فإن ضيّعناها ضيّعنا أنفسنا يوم القيامة. والمطلوب اليوم شيء واحد فقط: أن نعيد استشعار أننا أصحاب هوية، وصاحب الهوية يحاول دائمًا إثباتها وإعلانها وإشهارها بين الناس. وما دون ذلك سيأتي. فلا نكن كاذبين في دعوى الإيمان، فإننا إذا وقفنا بين يدي الله يوم القيامة سألنا عن صدق ما ادّعينا.

اللهم انصر أهلنا في غزة وأعزّها، واربط على قلوبهم وثبّت أركانهم وأمدّهم بجند من جندك يا رب العالمين. اللهم هيّئ لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويهتدي فيه أهل معصيتك ويذل فيه كل جبار عنيد. اللهم اهدنا فيمن هديت، ويسّر لنا أسباب الطاعة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

--- [1]: رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». توثيق المحرر: أُثبت لفظ «فأفضلها» كما في الصحيح، وقال الخطيب «أعلاها»؛ ورواية البخاري «بضع وستون».

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ