خاطبوا الناس على قدر عقولهم ونفوسهم
خاطبوا الناس على قدر عقولهم ونفوسهم: الصبر على الخلق ومداراتهم عبادة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 5 أغسطس 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
افتتح الدكتور بدعاء: اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، وتغمّدنا برحمتك وأفض علينا من فضلك. اللهم إنا نسألك السلامة في الأولى والآخرة، والعافية في الأبدان والأديان، ونسألك ربنا أن تُخلي صدورنا من غِلٍّ أو حسد أو حقد أو بغض لأي من المسلمين، وأن تملأ قلوبنا يقينًا فيما وعدتَ يا رب العالمين.
خاطبوا الناس على قدر عقولهم ونفوسهم
كنا قد تناولنا حديثًا حول التعامل مع الناس وكيفية الصبر عليهم، ونريد اليوم أن نختم هذه المسألة. يُتداول في أثرٍ قولهم: خاطبوا الناس على قدر عقولهم[1]. وأريد أن أضيف: على قدر عقولهم ونفوسهم.
نحن متفقون على أن استيعاب العقول بين البشر ليس على حدٍّ سواء؛ ليس كل الناس أذكياء، وليس كل الناس أغبياء، وليس كلهم يلتقطها وهي طائرة، وليس كل الناس، أعزّكم الله، كالأنعام، وهناك تفاوتٌ عظيم جدًّا بين الناس.
بل المسألة المهمة أن الواحد منا قد يكون أحيانًا في منتهى الذكاء، يفهمك ويقرأ ما في وجهك؛ وأحيانًا، أعزّك الله، يكون كالطوبة، لا يفهم ولا يدري أين وضع الله عقله. فكيف يحصل ذلك؟ إنه اختلاف المزاج، واختلاف الطبع في ذلك التوقيت، واختلاف الحالة النفسية: أفي جيبي مال أم لا؟ أنا مبسوط أم متضايق؟ فساعاتٍ يلتقط منك الكلمة بسرعة وأكون معك في أحسن حال، وأحيانًا تقول له: لا تحاول معي، أخوك واقع.
هذا التقلب الحاصل داخل نفوس البشر هو في حد ذاته مؤثر في هذا التجاوب العقلي. فكيف تتجاوب معك امرأتك في موقف، وكيف لا تتجاوب في موقف آخر؟ كيف تجيبك بذكاء وسرعة وتعطيك فكرة، فتتعجب من أين جاءت بها؟ أما نحن فلسنا متعودين أن نقول لهم كلامًا حلوًا طبعًا، أستغفر الله! وأحيانًا تجد عندها فكرة طيبة، وأحيانًا صاحبك يكلمك فتقول له: ما بالك يا عم اليوم؟ أنت منفصل؟ هذا الدماغ غير شغّال؟ والشاهد في ذلك كله ما بعده.
الصبر على الخلق: عبادة أم اختبار؟
فلنقل: التعامل مع الناس، هل تعتبرونه نوعًا من العبادة؟ الصبر على الخلق، الصبر على البشر بحالتهم كما هم، هل تعتبرونه نوعًا من العبادة؟ إنه نوع من الاختبارات التي اختبرنا الله تبارك وتعالى بها.
وحكى أن إحدى الأخوات كلّمته تشكو من زوجها وطباعه. فقال لها: يا أختي، أراكِ بنت ناسٍ أصيلة، وتربّين أولادك في بيت، فسألها بالله: لو أن هذا الرجل الذي تقولين إنك تحبينه جدًّا، وجئتِ تشتكين منه ولا تصبرين عليه وتريدين أن ترميه من فوق العمارة، لو أنه أصيب بمرض عُضال، سرطان أو فشل، والعياذ بالله، ماذا ستفعلين؟ أتتركينه وتمضين؟ قالت: لا، بالعكس، أنا أفتديه بعنقي. فقال لها: يا بنت الناس! تفتدينه بعنقك وهو راقد، ولا تقدرين على الصبر عليه قليلًا وهو واقف على رجليه؟ استمتعي حتى بالحركة التي يتحرك بها رايحًا جائيًا، واصبري عليه قليلًا.
وقال: هذا الكلام أحتاج أن أقوله لنفسي وأنا أتعامل مع أخي وأختي وأمي وأبي وإخواني وأهلي وجيراني والناس في الشارع. الصبر هو جزء من العبادة. فحين أمر الله الناس أن يأتوا إلى المساجد ويتكلفوا هذا السعي وهذا المسير ويحضروا إلى الصلاة، فنصبر على الشيخ وإن طال، ولا يؤثر فينا صبر هذا، فهذا نوع من الصبر. فلماذا أصبر هذا الصبر؟ لأني أتدرّب من خلاله على الصبر على بقية الناس.
وتخيّل أن الله تبارك وتعالى يأمر نبيه ﷺ أمرًا مباشرًا تكليفيًّا: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾. هذا تكليف، هذا أمر من رب العالمين[2]. وربنا سبحانه وتعالى مع أنه يحدّثه بأنه يعلم أن ما يقولونه يحزنه[3] — فهو سبحانه عارف أن الكلام يُضيّقه ويُغيظه ويؤلمه — ومع ذلك يأمره بالصبر ومزيد من الصبر.
وهل هو صبرٌ على أقوال المؤمنين فقط، أم على أقوال المؤمنين والكافرين في الوقت نفسه؟ على أقوال المؤمنين والكافرين معًا. وتنظر إلى المحيط الذي حولك فترى أن منهم المخلص، ومنهم المنافق، ومنهم المرائي، ومنهم المُداري، إلى آخره.
مداراة الناس
عندنا مصطلح اسمه «مداراة الناس». فإن تكلمنا عن مداراة الناس سألنا: ما معنى المداراة؟ معناها في حدّها أن تتعامل مع الشيء على قدر طبيعته. تخيّل أننا قاعدون على مائدة مليئة بالخيرات المباركات، فأخذتَ لقمة طيبة، قطعة لحم ظريفة (والمشايخ يحبون اللحم كثيرًا)، فوضعتَها في فمك وهي ساخنة جدًّا. فماذا تفعل؟ تقلّبها، أعزّك الله، يمينًا وشمالًا حتى تستسيغها فتبلعها. والناس الذين يتقلّبون أمامك على الجمر ينبغي أن تحسن التعامل معهم كما تتعامل مع هذه اللقمة، فتهيّئ طبيعتهم حتى تحسن هضمهم واستيعاب ما عندهم.
ثم سأل: كم من الناس الذين يضايقونك في حياتك يتعمّدون ذلك؟ كم واحدًا منهم شرير؟ في الغالب الناس غلابى أصلًا، لكن كل واحد عنده من أدواء الزمان والمكان ما يكفيه، فلا يصبر على الآخرين. ولو عمّمتَ قاعدة الصبر بين البشر لانسجم الناس فيما بينهم وسعدوا في حياتهم ولم يتألموا بحال من الأحوال أبدًا. لماذا؟ لأنهم استوعبوا أن التعامل مع الأشخاص نوع من التعبد.
عقلية الشرطي والقاضي والطبيب
وهناك بعض النفوس تضيق بالخليقة أصلًا، فلا تصبر على أحد، لأن في معتقدها أن كل من حولها إما كفار، وإما فساق، وإما خارجون عن القانون، وكذا وكذا.
تخيّل مثلًا عقلية ضابط الشرطة. قد تعاملنا مع هذه العقلية من قبل. يقول لك: لماذا كنتَ تجري؟ فتقول: والله زوجتي في المستشفى، أو: عندي مغص. كم نسبة التصديق عنده؟ هو يوقفك ويقول: إلى أين أنت ذاهب؟ لماذا تجري؟ فتقول: والله أنا متألم جدًّا، عندي ألم في بطني. هل يصدّقك لأول وهلة فيقول: لا بأس يا حبيبي، تفضّل؟ عقلية ضابط الشرطة الأصل فيها الاتهام.
والقاضي، كيف عقليته؟ لا يتهم مثل ضابط الشرطة، ولكنه لا يصدّقك؛ فهو لا يتهمك لكن لا يصدّقك، لا يكفيه أن تُخرج له الورقة، يريد الدليل. القاضي يتعامل معك على أنك محتاج إلى دليل حتى تبرّئ نفسك بين يديه، فالأصل عنده أنك ما دمتَ قد وصلتَ إلى هذه الحال فلا بد أنك قد فعلت.
والطبيب، كيف يتعامل مع الناس؟ ينظر في وجهك فيقول: ما بال عينيك اليوم؟ ما الحكاية؟ فتقول: أنا بخير والله، واقف أمامك كاملًا. فيقول: طيب، مرّ عليّ، أريد أن أنظر في بعض الأمور. فتقول: اذهب، الله يسهّل عليك. لماذا؟ لأن هذه عقليته، وهي هكذا مركّبة.
لو أني تعاملتُ مع الطبيب على أنه طبيب، ومع القاضي على أنه قاضٍ، ومع الشرطي على أنه شرطي، ومع الشيخ على أنه شيخ (الله يعينكم علينا)، لاستطعتُ حينها أن أتفهّم نفسية الناس.
أن نعامل الناس كما نتوقع من أنفسنا
لكن المشكلة التي تحصل عندنا، وسأختم بها الآن، أني أعامل الناس كما أتوقع من نفسي: لو كنتُ أنا في هذا الموقف فماذا سأفعل؟ سأفعل كذا وكذا، فإذا لم يفعل فأنت غبي، أنت لا تستطيع، ما بالك يا عم، لا تفهم! لا، هو يفهم، لكنه يفهم على قدر تصوّره للموضوع. وكثير من المواقف، لو راجعنا حياتنا، حكمنا فيها على الناس وأصدرنا فيها قرارات، وبعد عشر سنين أو خمس عشرة سنة اكتشفنا أننا كنا مخطئين؛ أنا الذي كنت مخطئًا وهو كان على صواب، لكني كنتُ مستغبيًا إياه، وكنت ساعتها أقول عنه غبي لا يفهم.
فقضية الإدراك العقلي واختلاف مستويات البشر فيما بينهم تجعلك مستريحًا جدًّا. فالذي أمامك جمرة نار، وهذا ليس معناه أنه جاء ليعاديني، بل هو متضايق من شيء، ومحتاج إلى من يعطيه مُسكّنًا. فكيف يكون المُسكّن؟ كلمة طيبة، نصيحة حلوة، ابتسامة في وجه الآخر، تطفئة للخاطر، أو هو محتاج مالًا فتتفضّل عليه على قدر السعة والقدر.
فتعاملوا مع البشر على قدر عقولهم. وعندما ترى مثل هذا الأثر فإنه ينمّي عندك القدرة على تقييم الخلق وتقييم مستوياتهم، فأنت العاقل، أنت الكبير يا حاج. واستعن برب العالمين سبحانه وتعالى.
--- [1]: توثيق المحرر: لم ينسب المتحدث الأثر إلى أحد. ويُروى في معناه عن علي رضي الله عنه: «حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يُكذَّب الله ورسوله؟» في صحيح البخاري تعليقًا؛ أما اللفظ الذي ذكره المتحدث فلم يتحقق المحرر من ثبوته، فلا جزم بنسبته إلى النبي ﷺ ولا إلى صحابي. [2]: توثيق المحرر: سورة المزمل، الآية ١٠. ولم يعيّن المتحدث الموضع. [3]: توثيق المحرر: يظهر أن المتحدث يشير إلى قوله تعالى في سورة الأنعام، الآية ٣٣: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ — والتفريغ في هذا الموضع مضطرب («لا يحسونك»)، فلم تُثبت الآية في المتن.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.