قابلية الناس للفساد وتقلّب القلوب
من قصة بني إسرائيل بعد عبور البحر: قابلية الناس للفساد وتقلّب القلوب
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 10 يونيو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
الآيات التي تُليت علينا في صلاة الفجر يبدؤها ربنا سبحانه بقوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾[1]، وهي نعمة كبيرة جدًّا؛ فمخاطر البحر معلومة، وعبورهم له لم يكن عبورًا عابرًا كعبور سائر الناس، وإنما كان معجزة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ ودلالات، إذ نجّاهم الله وأغرق غيرهم بالأداة نفسها وبالمكوّنات الكونية نفسها؛ جاوز بهؤلاء البحر وأغرق فرعون في الوقت ذاته.
إيمان يُنتظر أن يتضاعف فينتكس
والأصل أن يتضاعف عندهم مستوى الإيمان، وأن يوقنوا بأن الذي يحرّك الكون كله بأسبابه ومسبّباته هو الله سبحانه وتعالى. غير أنهم أتَوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا: يا موسى ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. وهنا نسأل: أين إلهكم الذي تحركتم معه؟ أين إلهكم الذي أقنعكم بمعجزاته وآياته على يد موسى فأسلمتم بين يديه؟ لقد تبخّر هذا الإله من أذهانهم في أقل من لحظة حين رأوا إلهًا يُعبد من دون الله تبارك وتعالى.
قابلية الناس للفساد
واللقطة التي نريد أن نتذكرها معًا، أو التي تخطر بالبال، هي قابلية الناس للفساد. فالإمام في الغالب يتحدث إلى قوم سنوات ويظن أنهم بلغوا من الإيمان مبلغًا، غير أن القلوب تتقلب في أقل من ثانية. وهكذا رأى موسى عليه الصلاة والسلام في قومه أناسًا آمنوا وأسلموا، ولعله ظنّ أن ما بين أيديهم كافٍ ليكونوا صالحين.
وأحيانًا تأتي الموعظة باللسان، وتأتي بالموقف. فواحدٌ من الناس يمرّ بأزمة قلبية شديدة، ويدخل المستشفى وتُجرى له العمليات الجراحية، وكل من حوله يقول: سبحان الله، أحياه بعد موت! وهذا يحصل كثيرًا في حياتنا. فما المتوقع من هذا الرجل الذي خرج من المشفى لتوّه وقد نجّاه الله من الموت بمعجزة؟ المتوقع أن يكون ذاكرًا لله، شاكرًا لنعمه، ممتنًّا لربّ العزة، عارفًا لحقّ الله عليه، مؤدّيًا لزكاته وصلاته، عارفًا بالجنة والنار، عارفًا بقدر الله وقدرته سبحانه. غير أنك قد تراه متفلّتًا! فتقول: كيف هذا؟ إنها النفس البشرية، التي يصدر منها الصواب ويصدر منها الخطأ.
الدرس: لا أحد فوق الخطأ
والدرس الذي أتعلّمه، باختصار، أنه لا يوجد أحد فوق الخطأ، ولا يوجد أحد يستحيل أن يُسلب منه الإيمان. فمن تراه أشدّ الكفرة عتوًّا قد يكون يومًا أول المؤمنين في الصف، ومن تراه أتقى الأتقياء قد تراه تحوّل في لحظة ما. فأتعلم شخصيًّا أنني لا بدّ أن أتابع ضميري وإيماني بقدر ما أتابع الهواء الذي يدخل أنفي ويخرج منه في كل ثانية: هل سيحصل نوع من التقلّب أم لا؟ وأتعلم أنه ليس أمامي قدّيس ولا معصوم من الخطأ، وإنما هم أناس؛ وليس أمامي شيطان من البشر، وإنما هم أناس. هذا قد يتحوّل، وذاك قد يتحوّل.
وقد ورد عن النبي ﷺ أن الرجل ليُمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، والعياذ بالله[2]. كيف ذلك؟ يُمسي: أي أتى عليه المساء وهو مؤمن، بمعنى أنه مارس أدوات الإيمان كلها خلال يومه. ويُصبح كافرًا! سبحان الله، قد بات ليله كله فيه مواصفات الإيمان الكاملة، غير أنه يتحوّل في لحظة. وهنا يتعلّق قلب المؤمن بشيء واحد فقط، هو لفظ الجلالة؛ يتعلّق بالله عز وجل وحده، الذي بيده مقاليد الأمور، والذي رُوي أن «القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء»،[3] يضع فيها الرحمة والقسوة.
مثالان من مجتمع الصحابة
لقد شاهدنا مجتمع الصحابة رضوان الله عليهم، وفيهم من يخطئ خطأً كبيرًا حتى يبدأ الصحابة في تعييره، غير أن النبي ﷺ يحدّثهم بأنه قد تاب توبةً لو وُزّعت على أهل المدينة لوسعتهم. وهناك من يبقى على إيمانه حتى يراه الناس معجزة في العطاء، فيتحدثون عن إنجازاته في الغزو، ولكن النبي ﷺ يقول إنه من أهل النار. فكيف تستقيم هذه المعادلات؟ لا بشيء إلا أن الله عز وجل هو الذي يأذن في إيمان العبد حتى يكتمل، وهو الذي يأذن لهذا الإيمان أن يُخترق فيتحوّل صاحبه من الإيمان إلى الكفر.
ما نخرج به
فإن كان لنا من درس فيما استمعنا من تلاوة في هذا اليوم، فالدرس أن يعضّ الإنسان على إيمانه بنواجذه، وأن يجتهد في متابعة مؤشّرات قلبه كما يفعل الأطباء في غرف الإنقاذ العاجل، حيث يتابعون الشاشات ثانيةً بثانية خشية أن يموت القلب فجأة. فتنبّهوا إلى ما بين أيديكم من خير أودعه الله فيكم، وسلوا الله عز وجل تمام الحياة مع الإيمان؛ فإن العبد ضعيف، وإن القوة كلها لله سبحانه.
--- [1]: توثيق المحرر: الأعراف: 138، وفي الآية نفسها طلبهم: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. [2]: توثيق المحرر: عبارة «لو وُزّعت على أهل المدينة لوسعتهم» بمعنى ما في صحيح مسلم في توبة ماعز («لو قُسمت بين أمة لوسعتهم») وتوبة الغامدية («لو قُسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم»)، ولم يسمِّ المتحدث صاحبها. أورد المتحدث حديث الإمساء والإصباح بالمعنى، والحديث في هذا المعنى مرويّ في صحيح مسلم بلفظ «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا…»؛ وكذلك القول في قصة التائب وفي المجاهد الذي حُكم له بالنار، فقد ذكرهما المتحدث بلا تسمية ولم يُعيَّن الصحابيان هنا. [3]: توثيق المحرر: في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرّفه حيث يشاء»، وبنحوه عند الترمذي وأحمد من حديث أنس.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.