أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
التفسير المقاصدي

وقفات مع الربع المقروء من سورة البقرة

وقفات مع الربع المقروء من سورة البقرة: الأسباب، والتمرد على النعمة، وفرق الاختيار بالقلب والعقل

د. أحمد أبو سيف•٨ يوليو ٢٠٢٤•6 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٨ يوليو ٢٠٢٤م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

اللهم إنا نسألك دوام العافية وثباتنا على الطاعة، ونسألك مزيد الهداية والرحمة برحمتك يا رب العالمين. وبعد، حياكم الله تعالى ورضي عنكم. استكمالًا للحديث الذي كنا بدأناه، في محاولة اختصار الفهم للآيات التي نتلوها في صبيحة كل يوم، نسأل الله أن يديم علينا هذه النعمة وألا يحرمنا الخير.

في هذا الربع الذي قرأناه في صلاة الفجر يذكّر الله تبارك وتعالى بني إسرائيل بأنواع النعم التي بسطها لهم.

الماء، ولكل شيء سبب

من جملة هذه النعم أنه ساق لهم الرزق الذي طلبوه: ﴿وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ﴾[1]. فلمّا طلبوا منه الماء دعا ربَّ العالمين سبحانه، فمنحهم الماء بطريقةٍ تلفت أنظارهم من جديد إلى قدرة ربّ العزة: ﴿فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾[2].

السؤال الأول: هل كان لبني إسرائيل أن يحصلوا على الماء بشكل مباشر؟ نعم، فربُّ العالمين قدير سبحانه، بل إنه قادرٌ على أن يُشبع هذه النفوس فلا تعطش أصلًا. سبحان القدير، سبحان العلّام القدير. لكنه أراد أن يعلّمهم ويعلّمنا أن لكل شيء في الحياة سببًا، وأنك لا تستطيع أن تسير في مجالٍ إلا إذا اتبعتَ أسبابه. فلستَ عالمًا من علماء الجغرافيا وتريد أن تكون مهندسًا في الميكانيكا مثلًا، ولستَ أستاذًا في الفقه وتريد أن تكون عالمًا في الفضاء؛ هذا لا يعمل. فلا بد لكل شيء من سبب، فقال: اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا.

التمرد على النعمة وتربية الأبناء

مسألة التمرد على النعمة مسألةٌ مهمة جدًّا، خاصةً فيما يتعلق بتربيتنا لعيالنا هنا في هذه البلاد، فهم يتربّون على النعمة دائمًا. فهؤلاء قالوا: ﴿يَـٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَٰحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا﴾[3]. أن تترك أولادك يأكلون فقط، ويشربون فقط، ويتمتعون فقط، ويلهون فقط، فهذه مسألةٌ ليست جديرةً بالاحترام أصلًا. ولا بد أن يُمارَس الأبناء الحياةَ من داخلها، فيتعلموا كيف يكسبون أموالهم، وكيف يتعاملون مع الخلق، وكيف يديرون شؤون البيوت، وكيف ينصاعون لأوامر الله تبارك وتعالى في الوقت نفسه.

الاختيار بالقلب والعقل

ثم تأتي مسألةٌ ذكرها لنا ربُّ العالمين سبحانه: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾[4]. الخيارات الإنسانية على أي شيء تقوم؟ تقوم في الغالب على الشهوة؛ فإذا أراد الإنسان أن يختار شيئًا اختار ما يحب، ولذلك لا يصلح له الصواب إلا إذا جمع بين قلبه وعقله. ومن ثَمّ، حين ننصح بناتنا أو أولادنا في الزواج نقول لهم: لا نختار بالقلب قبل العقل، بل نختار بالعقل ونزن أنفسنا، ونرى إمكاناتنا وقدراتنا، وبناءً عليه نختار الكفءَ الذي يناسبنا بقية الحياة. والقلب لا بد له من نصيبٍ من الراحة والطمأنينة، ولذلك شُرعت في تعاليم الإسلام مسألة الخِطبة.

والشاهد أن الله تبارك وتعالى لمّا حدّثنا عن هؤلاء أخبرنا أنهم اختاروا ما تشتهيه أنفسهم، ومعه اللعبُ بتعاليم ربّ العزة سبحانه وتعالى.

أعذار الشيطان

وبعدها مسألة الأعذار التي يمليها الشيطان على الناس. فإذا قلتَ لأحدٍ: تعالَ لصلاة الفجر، قال: والله أنا أذهب إلى العمل مبكرًا ولا أستطيع أن أصبر طوال اليوم، مع أن الفرق نصف ساعة فقط. وهو طبيعيًّا سيصحو لعمله، وإذا كلّفه رئيسه في العمل أن يستيقظ قبل ذلك بساعة فسيفعل، وإذا قُدّرت له زيادةٌ في الراتب مقابل أن يستيقظ قبلها بساعتين فسيفعل أيضًا. لكن تأتي الأعذار من داخل النفس البشرية، والإنسان يمنّي نفسه بها.

الإيمان بالله واليوم الآخر

ثم أخبرنا ربُّ العزة سبحانه أن كل من سار على الهدى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[5]. وسنجد بعض الأقوال في هذه المسألة، لكن جملة القول ألّا يقول أحدٌ: والله، الذين هادوا والنصارى والصابئون كلهم داخلون الجنة إذا آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحًا. وإنما يُسأل: أين محمد ﷺ في هذه العلاقة؟ انظر هنا، ليس في الآية ذكرٌ لمحمد ﷺ أبدًا في هذا الموضع.

فقالوا لنا في تأويلها وجوهًا. أحدها: أن الإيمان بالله يستوجب الإيمان برسله، وهؤلاء جميعًا بلغهم خبر محمد ﷺ من خلال رسلهم، فمن لم يؤمن بمحمد من خلال رسوله فقد كفر برسوله من بداية الأمر. والآخر: أن الإيمان بالله مستوجبٌ للإيمان بمحمد ﷺ لأنهم جميعًا بلغهم القرآن. والتأويل الثالث: أن الله تبارك وتعالى حدّث عن كل فئةٍ بما يناسب زمانها.

الميثاق ورفع الطور

وتأتي مسألة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ﴾[6]. هذه نعمةٌ متجددة من رب العالمين سبحانه، لكنها تعبّر عن بداية الحديث الحقيقي عن الجحود الحاصل عندهم. وقد فاتتنا مسألةٌ مهمة جدًّا: أن الله تبارك وتعالى قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾[7]. انظر كم نوعًا من أنواع العقاب ضُرب عليهم: ضُربت عليهم الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضبٍ من الله، أي استحقوا هذا الغضب من رب العالمين سبحانه وتعالى.

طيب، ماذا فعلوا؟ ليس لأنهم طلبوا المال، وليس لأنهم طلبوا الماء، وليس لأنهم طلبوا الطعام؛ ولكن لأنهم تمرّدوا على الله بعدما أجابهم عمّا طلبوا. أجابهم رب العالمين في كل ما سألوا، لكنهم في كل مرةٍ يتمردون عليه. وكان من أبرز صور التمرد تمرّدهم على الأنبياء وقتلُهم النبيين بغير الحق، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ﴾[8]. فعندنا جريمتان أساسيتان ينبني عليهما كل أنواع الجرائم التي أتت والتي تأتي بعد ذلك.

فقال ربي سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ﴾. ومن المشهور جدًّا أن الله تبارك وتعالى رفع فوقهم الطور، وهو الجبل، عندما عصوا أمر الله، عصوا رسولهم موسى عليه السلام، فرفع الله تعالى فوقهم الجبل: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[9]. ويتلوها قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ﴾[10]؛ الآيات يتبع بعضُها بعضًا.

الشاهد: تخيّل أن أناسًا لا يُسلمون إلا عندما رُفع فوق رؤوسهم الجبل، حتى ظنّوا أنه واقعٌ بهم، كأنه فوق رؤوسهم يوشك أن يدكّهم دكًّا؛ فعندئذ قالوا: آمنّا. فأنت تتعامل مع أناسٍ لا يتقدمون خطوةً إلى الأمام إلا إذا كان لهم مثل هذا؛ لا يكفي أن تريهم العين الحمراء، بل تُريهم كل أنماط القوة والبأس حتى يستجيبوا لك في أمر. سبحان الله القدير.

قصة البقرة، وحدّ المجاملة

وربنا سبحانه جل في علاه يخبرنا عن قصة موسى عليه السلام مع قومه، وأن واحدًا منهم قتل إنسانًا. ثم جاؤوا إلى موسى عليه السلام يبكون: الحقنا، أدركنا. فأمره الله تبارك وتعالى أن يأمرهم بذبح بقرة، فيأخذ جزءًا من البقرة فيضرب به هذا الإنسان، فيُخرج الله تبارك وتعالى النتيجة.

والشواهد عندنا نقاطٌ بسيطة جدًّا. قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾[11]. في الغالب في القرآن كله نجد موسى يكلّمهم بأنهم قومه: «يا قومِ»، أما في هذه الآية فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾، ولم يقل لهم «يا قومي». فكأنهم بلغوا كل حدود التجاوز حتى صار موسى عليه السلام لا يناديهم بأنهم قومه، لا يصلحون أصلًا. ومن هنا نتعلم مسألة: إلى أي حدٍّ تكون المجاملات لأهل المعصية؟ إلى أي مستوى نجامل أهل المعصية؟ إلى حدٍّ نتوقف عنده فتنتهي المسائل.

قال ربي سبحانه وتعالى: ﴿فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾[12]. وهذه القصة تحديدًا لو تكلمنا فيها لأطلنا، لأنها محور السورة عمومًا وحولها كلامٌ كثير، لعلنا نفصّله فيما هو أتمّ بإذن الله تبارك وتعالى.

ويختم لنا رب العالمين هذا الربع الكريم بقوله عز وجل: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾[13]. أي إلى هذا الحد، إلى قوله: «وإذ قال موسى إن الله يأمركم»، كان في الاحتمال إصلاحٌ، لكن انعدمت عندهم هذه الأسباب.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، جزاكم الله خيرًا. سلام الله عليكم.

--- [1]: توثيق المحرر: البقرة: ٦٠. [2]: توثيق المحرر: البقرة: ٦٠؛ نقل المتحدث الجزأين متفرقين. [3]: توثيق المحرر: البقرة: ٦١؛ ذكر المتحدث الآية إلى قوله «وفومها». [4]: توثيق المحرر: البقرة: ٦١. [5]: توثيق المحرر: البقرة: ٦٢. [6]: توثيق المحرر: البقرة: ٦٣. [7]: توثيق المحرر: البقرة: ٦١. [8]: توثيق المحرر: البقرة: ٦١. [9]: توثيق المحرر: الأعراف: ١٧١. [10]: توثيق المحرر: الأعراف: ١٧٢. [11]: توثيق المحرر: البقرة: ٦٧. [12]: توثيق المحرر: البقرة: ٧٣. [13]: توثيق المحرر: البقرة: ٧٤.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ