الفجور: تجاوز كل الحدود دون خشية العواقب
الفجور: تجاوز كل الحدود دون خشية العواقب
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 2025-09-21م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم إنا نسألك لأهلنا في فلسطين نصرًا وعزًّا وتأييدًا وثباتًا، اللهم لا تحرمهم من أرضهم يا رب العالمين، وثبّت أقدامهم، اللهم ادفع عنهم بأسبابك وجنودك في الأرض والسماء، واربط على قلوبهم واهدهم الرشد وسواء السبيل. اللهم ارحم ضعفنا واجبر كسرنا وتقصيرنا، وألهمنا رشدنا واجعلنا من المهتدين.
لفظ الفجور
استمعنا في التلاوة إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾[1]. والأمر في منتهى الخطورة حين ترى رب العزة سبحانه يعبّر بألفاظ محددة؛ فلفظ الفجور في ذاته معبّر عن تجاوز كل الحدود دون خشية العواقب. أقولها مرة أخرى: تجاوز كل الحدود دون خشية العواقب. فصاحبه لا يفكر في شيء ولا في أحد، إلا في أن يتجاوز هو كل حدود رب العالمين سبحانه وتعالى.
والواقع الموجود الآن يُرينا نماذج من الناس هذا حالهم: لا يعبأ بأحد، ولا يفكر في بشر، ولا يميّز بينه وبين الآخرين، ويرى نفسه وحده هو المؤثر على الدنيا كلها، والفاعل لكل شيء، وبيده الزر الذي يمكن أن يفجّر به العالم ولا يبالي.
العلم أول الطريق
ومن المعروف أن سبب تقدّم بلد من البلاد الأول هو التنوع المعرفي فيه واجتلابه العقول المفكّرة من العالم كله. وهذا ما نعلمه إسلاميًّا من ضوابط التشريع؛ فإن الله تبارك وتعالى أمر نبيه ﷺ أول ما أمر بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾[2]، فأشار إلى أن العلم هو السبيل الأول والأوحد للتقدم في العالم. ثم ترى أن الله تبارك وتعالى في أول اقتران لآدم عليه السلام بشيء في الحياة كلها قرن بين آدم وبين العلم، فقال سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ …﴾[3]؛ فبدون العلم لا مكان لآدم، وبدون آدم ليس للعلم محلٌّ للتطبيق.
وأنا كما قلت لست الرجل الذي يحلل هذه الأحداث، لكنك ترى شخصًا يتجاوز كل شيء، يرى نفسه مهيمنًا على العالم. ورب العزة سبحانه وتعالى يتحدث بهذا فيقول: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾، وهي عبارة مزلزلة للنفوس التي تستمع إليها.
المشركون في أيام النبي ﷺ كانوا يتحكمون في قطعة من الأرض ويتجاوزون فيها بكل أنواع التجاوز والطغيان، المحتمل وغير المحتمل، لكن لم يكن بهذا البأس وهذه الشدة.
أمام نفسي
وربنا سبحانه وتعالى يحدثنا بقوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ﴾[4]. كأن ربي يوقفني أمام نفسي لأنظر تاريخ وجودي الشخصي: كيف كنت، وماذا كنت، وإلى ما تقدمت، وكيف بلغت أن أجلس في هذا المجلس. طفلٌ مثلي تربّى في القرية، أعزّكم الله، محاطًا بمجموعة من البشر يرعون الأنعام، وكان كل أملنا أن ننطلق إلى المعهد الأزهري ندرس فيه العلم ثم نعود إلى بيوتنا نرعى هذه الأشياء ونبذل جهدنا في الحرث. ثم يتطور بك الزمن وتتحول بك الأحوال لتكون جالسًا الآن وسط هؤلاء الكرام في هذه الدولة، معنا هذه الإمكانيات وأمامنا هذه التحديات. أين كنا وإلى أين صرنا؟ من الذي فعل ذلك في حياتنا؟ الله سبحانه وتعالى.
غير أن رب العزة إنما يحدثنا أن المحور الأساسي في تفكير أمثال هؤلاء أنهم لا يفكرون في الآخرة بأي شكل من الأشكال، وذلك هو المحك حقيقةً. فربنا سبحانه علّق أعمال البشر الحسنة بكونهم ينظرون إلى الآخرة أو لا ينظرون، وعلّق نتائج أعمالهم بحسن ترقّبهم لما عند رب العالمين أو إهمالهم له.
طغيان كبير وطغيان صغير
وكما تكلمنا عن الطغيان الكبير الذي نرى أمثلته، يفعل صاحبه ما يشاء الآن ويصول في الدنيا ويجول كما يحب، ليس له رادع ولا أحد يقول له: توقف عندك، فعندنا أيضًا في حياتنا البسيطة أنواع من الطغيان. فترى رجلًا يفتري على امرأته أيّ افتراء، وترى إنسانًا يفتري على إخوته، وترى إنسانًا يتجاوز حدوده مع شركائه في العمل، وترى إنسانًا لا يحترم وجوده كإنسان وسط الناس، فيفتري بالقول والكذب، وباللسان والعمل واليد.
والنزعة البشرية التي يتحدث عنها رب العالمين نزعة إنسانية موجودة. فهو سبحانه يقول: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾[5]، كأنه يقول: اعقل قليلًا، ثم أولى لك فأولى. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾[6]؛ أليس له من ينظر أعماله ويرقبها ويعلمها ويحيط بأسبابها ويوقفه في الوقت المناسب؟
وهذا متفق جدًّا مع قول الله تبارك وتعالى حين يصفهم بأنهم يقولون: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾[7]. أتعرفون دلالة هذه الجملة؟ دلالتها أنه لا يوجد أحد مثلي، ولا يرتفع أحد إلى مكانتي، ولا يوجد من يستطيع أن يناهضني، وأنا وحدي في هذه الحياة وكل البشرية الموجودة إنما هي لخدمتي. هذه العقلية، سواء على المستوى الصغير أو الكبير، على المستوى الأسري أو الدولي، عقلية يحرّكها «الإيجو»، هذا الطغيان الداخلي، هذا الفوران النفسي الذي يحصل في داخل نفوس البشر، وهو ما يحرك أمثال هؤلاء الناس على كل حال.
بلى، إنه قادر
ونرى أن الله تبارك وتعالى يحدثنا بقوله: ﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ﴾[8]. والمثال المضروب في الآية يحدثنا به رب العالمين سبحانه أنه قادر على فعل كل شيء. فعلى المؤمن أن يديم وصل صلته بالله، وعلى العاقل أن يحسن خطاه، وعلى المتدبّر أن ينظر موطن قدمه. وعلينا أن نفكر بعمق في مسألة في غاية الأهمية ليس لنا غيرها ولا سواها، وهي مستقبل الإسلام في هذه البلاد وفي الأرض كلها عمومًا. ليس لنا همٌّ أكبر من أن نتعلق برب العالمين سبحانه، بحيث لا نُسأل عن تقصيرنا في هذه الدنيا.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا ممن تواضعوا لله عز وجل فرفع شأنهم، ومن أحسنوا الخطى في سبيله سبحانه فسدّد خطاهم، ومن فهموا أدوارهم في هذه الأرض فوفقهم الله تعالى وألهمهم. اللهم آمين يا رب العالمين، جزاكم الله خيرًا.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة القيامة، الآية ٥. [2]: توثيق المحرر: سورة العلق، الآية ١. [3]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٣١. اقتصر الشيخ على قوله «وعلّم آدم» وتتمتها في المصحف «الأسماء كلها». [4]: توثيق المحرر: سورة القيامة، الآية ٣٧. [5]: توثيق المحرر: سورة القيامة، الآية ٣٤. [6]: توثيق المحرر: سورة القيامة، الآية ٣٦. [7]: توثيق المحرر: سورة آل عمران، الآية ٧٥. [8]: توثيق المحرر: سورة القيامة، الآية ٤٠. جواب الآية في المصحف «بلى».
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.