الحلال بيّن والحرام بيّن: ميزان العقل وميزان القلب في الأمور المشتبهة
الحلال بيّن والحرام بيّن: ميزان العقل وميزان القلب في الأمور المشتبهة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 3 مايو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
حديث اليوم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الحلالَ بيِّنٌ، وإنَّ الحرامَ بيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهاتِ فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمى يوشكُ أن يرتعَ فيه. ألا وإنَّ لكلِّ مَلِكٍ حِمى، ألا وإنَّ حِمى اللهِ محارمُه. ألا وإنَّ في الجسد مُضغةً إذا صلحت صلح الجسدُ كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب»[1].
إيقاظ العقل وإعادة بناء الوعي
في الحديث دلالة تربوية مهمة جدًّا؛ فالنبي ﷺ يبدأ بأن يُثير عقل المسلم ويعيد بناء وعيه، فيتأمل العبد ما بين يديه: أحلالٌ هو أم حرام؟ وعند الوقوف أمام جملة «الحلال بيّن والحرام بيّن» أشعر كأن رسول الله ﷺ يحدّثني ابتداءً عن الثوابت الكلية في هذا التشريع: فهناك صلاة وصيام وزكاة وحج، وهناك مطعوم يتناوله البدن، ومال يدخل إلى الجيوب أو الحسابات، ومعاملات وعلاقات بين الإنسان ومن حوله؛ فيها ما هو حلال تام، وفيها ما هو واضح الدلالة في حرمته.
وتبقى مسألة الشبهات، أو ما يسمّونه المنطقة الرمادية. وأقول: ليس هناك منطقة رمادية، ولكن الفكرة في استبصار العبد لما بين يديه؛ فإذا اجتهد أن يستبصر، واجتهد أن ينتقي الحلال من الحرام ويتخيّر أزكاهما، بقيت مسائل لا يحسن فيها أن يقطع بنفسه، فلا يدري ماذا يفعل؛ هي تلك المساحة التي لا يستطيع أن يقول فيها أبيض هي أم أسود، وهي ما نسميه الرمادي. وهنا يستثير النبي ﷺ ضمير الإنسان الحي: ما الذي تقبله على نفسك وما الذي لا تقبله؟ ما الذي ترتضيه لذاتك وما الذي لا ترتضيه؟
الراعي حول الحمى
من الناس من يأكل الحرام الصريح، هو حرّ يفعل ما يشاء، يلقى الله يوم القيامة فيحاسبه رب العالمين سبحانه. لكن من لا يريد أن يأكل الحرام الصريح ويختلط عليه الأمر، فالنبي ﷺ يعطينا هنا تشبيهًا: «كالراعي يرعى حول الحمى». تخيّلوا راعيًا معه دوابّه أو غنمه، وهو يعلم أن هذا حِمًى لا يُدخل فيه؛ فإذا اقترب من الحد فلا شك أنه سيصيب شيئًا من الطرف الآخر، لأنه يتعامل مع دواب.
وقد يسأل أحدنا: كيف ينطبق هذا التشبيه عليّ وأنا إنسان عاقل؟ أنا أحوم حوله ولن أمسّه! لكن رسول الله ﷺ في هذا المقام لا يخاطب فيك عقلك، وإنما يخاطب فيك غريزتك التي تغلب عليك وإن اجتهدت في مقاومتها. ولذلك ترى رب العزة سبحانه حين تكلم عن قضية الزنا، هل قال: لا تفعلوا الزنا؟ أم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ﴾[2]؟ لماذا؟ لأنها نفس بشرية إذا تُركت إلى شهوتها كانت أشد في تناول الشهوة من البهيمة؛ إذا انطلقت إلى ما تريد بغير تفكير ولا تمييز ولا توجيه ولا تفريق فهي بهيمة تنقضّ على مرادها مهما كانت التبعات. ولذلك يقولون: إن الشهوة عمياء لا ترى، صمّاء لا تسمع؛ إذا تلبّس العبد بها مارس أمره كبهيمة وقعت على شيء بين يديها، لا يحسن أن يفكر حتى في التبعات. ونعوذ بالله تبارك وتعالى من الفتن.
موازين نسألها لأنفسنا
هذه أسئلة نسألها لأنفسنا بين الحين والآخر إذا اختلط علينا قرار أمر ما:
الميزان الأول: عندما تفعل هذا الشيء، أيًّا كان، هل يغلب على ظنك أنه حسنة أم سيئة؟ فإذا قلت: لا أعرف، فأقول لك: هل هو مكروه؟ وكنت أطبّق هذا المثال دائمًا عند من يأتيني يسألني عن حكم التدخين، فأقول له: أنت الآن حين تفعله تشعر في ضميرك أنك تفعل حسنة أم سيئة؟ فإذا قال: لا أدري، مكروه؟ قلت: مكروه عند مَن؟ تأمّل مقام من كَرِه ذلك؛ فإذا كان للإنسان عزيزٌ عليه لا يحب أن يغضبه، حتى لو كان يفعل شيئًا مباحًا لكن صاحبه لا يحبه، فإنك تجلس مع حبيبك فتمتنع عن الدخان مثلًا. لماذا؟ لأنك لا تريد أن تضيّق عليه ولا تزعج مزاجه. فما بالك إن كنت تعامل رب العزة سبحانه جلّ في علاه، فلا تريد أن تفعل شيئًا يكرهه؟
الميزان الثاني: وإن لم يتضح لك الأول فاسأل: إذا فعلتَ هذا ترى حولك مَلَكًا فرِحًا بما تفعل أم شيطانًا فرِحًا بما تفعل؟ فإن كان ملكًا وكنت تشعر بذلك فبها ونعمة.
الميزان الثالث: إذا فعلتَ هذا الأمر، هل أنت على يقين بإذن الله أنك يوم القيامة ستجده في ميزان حسناتك، أم تخشى أن يكون في ميزان سيئاتك؟ فإن علمت أنه في ميزان حسناتك تناولته، وإن علمت أنه في ميزان سيئاتك قلت: لا، لا أستطيع أن أفعله. وهكذا تتباين الأمور بين أهل العزائم.
على مَن تشتبه الأمور؟
وتأتيني مسألة أتساءل فيها: يقول النبي ﷺ «وبينهما أمور مشتبهات»، فمشتبهات على من؟ هذا الشبه أو التشابه الحاصل في بعض الأمور عندك، كمعاملة لا تدري كيف تتخذ فيها قرارًا: أتعامل معها أم لا؟ أسئلة كثيرة جدًّا. فأقول: هي مشتبهة على من؟ مشتبهة على الناس من حيث بلوغ الدليل إليهم. أي: دليل الحرمة هذا، هل وصلني أصلًا أم لم يصلني؟ فإذا وصلني، هل فهمتُه أم لم أفهمه؟ فيقولون: إن الشبهة التي تحصل على الناس في الفصل بين الحِلّ والحرمة إنما تحصل بسبب بلوغ دليل الحرمة إليهم أو فهمهم لدلالة الدليل أو عدمه.
أتذكرون المرة الماضية حين كنا نقول في حديث «من أحدث في أمرنا» إن للحديث بقية؟ والشاهد هنا لمن يعاجلون في الحكم على الخلق: هذا فاسق، هذا زنديق، هذا مجرم، هذا كافر، هذا مبتدع! افهم، ولكن بالراحة: الذي تحكم عليه، هل بلغه الدليل؟ فإن بلغه، هل فهمه كما فهمتَ أنت؟ ربُّ العالمين أعطاه من الوعي ما أعطاك. ومن هنا رأينا علماء ورأينا مقلّدين، فالتقابل هو بين مجتهد ومقلّد. المجتهد بلغه الدليل، فاستوعبه واستنبط منه وفهم تبعاته واتخذ قرارًا. والمقلّد يرى مولانا الشيخ فلانًا ويمشي وراءه، فإن دلّه على يُمنٍ أو دلّه على يُسرٍ فهو يسير في الركاب. ورسولنا ﷺ في هذا الحديث يوقظ فيك العقل الذي لا بد أن يُميّز.
زمنٌ اختلطت فيه الشبهات
والمشكلة أننا صرنا في عالم ودنيا اختلط فيها الحلال بالحرام، واختلطت فيها الشبهات. وتخيّل أنه رُوي عن رسول الله ﷺ، فيما ذكره المتحدث «في الأثر»، أنه يأتي على الناس زمان من لم يأكل فيه الربا أصابه من غباره[3]. متخيّل؟ الربا الصريح، أن يأخذ الرجل مالًا ويردّه بزيادة مشروطة، حرامٌ صريح. فمن لم يأكله أصابه من غباره. فمن الجالسين الآن يستطيع أصلًا ألّا يكون له حساب بنكي؟ ومَن منا لا يتعامل بالكريديت كارد مثلًا؟ ومن منا يستطيع أن يبتعد عن كل أنواع المعاملات؟ يقول لك قائل: أنا سأتجنب المصارف! فإذا ذهبت لتشتري شيئًا لن تستطيع أن تقوم بأسباب حياتك كلها إلا إذا اختلطت هذه المسائل بعضها ببعض.
وتخيّل أن بعض أهل العلم رضي الله عنهم كان يُسأل في بعض المسائل فيقول: هذا مما عمّت به البلوى[5]. وعبارة «عمّت به البلوى» أي صار الناس كلهم يتعاملون بهذا الشكل. ولذلك إذا أردت اليوم أن تصلح شأنًا أو شيئًا أو شخصًا، قال لك: الناس كلها تفعل ذلك، أفأنت ستصلح الكون؟ فقل له: والله صدقتَ، أنا لن أصلح الكون، لكن على الأقل أجتهد فيما بين يديّ.
بعد العقل: القلب
والشاهد أن رسول الله ﷺ أراد في هذا الحديث أن يوقظ العقل، فندبك إلى ما يسمى بالتفكير: يا أخي، فكّر قليلًا قبل أن تتخذ قرارًا فيما تفعل. فإن لم يستطع العقل أن يُميّز فهناك وازع آخر ينبغي أن يكون متيقظًا دائمًا، وهو القلب. هو المستشعِر، أشبه بالرادار الموجود في داخل الإنسان؛ إذا أضاء فيه الضوء الأحمر فجأة فاعلم أن عندك مشكلة. وما هذه المشكلة؟ قلبك غير مستريح.
ولذلك قال النبي ﷺ لمن جاءه يستفتيه: «استفتِ قلبك»[4]. تخيّل أن شخصًا في الدنيا كلها يذهب حتى يقف عند باب رسول الله ﷺ ويسأل مَن؟ الرائد الذي لا يكذب أهله، يسأل مَن يتلقى الوحي، ومن يعلّمه ربه سبحانه مباشرة، فإذا بالنبي ﷺ يعلّمنا صناعة هذا المؤشر، الضمير الحي، فيقول: استفتِ قلبك. وهنا يقول ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله».
فالترتيب: قبل أن نتصرف نفكّر؛ فإن لم نحسن اتخاذ القرار بالتفكير انتقلنا إلى مرحلة الشعور والإحساس. فإن كان الإحساس ناحيةَ الفعل، فاسأل واستشر ثم توكّل على الله. وإن كان الإحساس ناحيةَ الترك، فاترك مباشرة حتى دون أن تسأل؛ لأنه ﷺ أمر بالانتهاء عما نهى عنه وبالإتيان من المأمور به بقدر الاستطاعة[6].
--- [1]: توثيق المحرر: الحديث رواه البخاري ومسلم، كما ذكر المتحدث؛ والرواية كما أوردها المتحدث، وفيها الشك «لعرضه ودينه أو لدينه وعرضه»، وقد أثبتنا أحد الوجهين. [2]: توثيق المحرر: سورة الإسراء، الآية ٣٢؛ وأثبتنا موضع الشاهد بلفظه من الآية. [3]: توثيق المحرر: أورده المتحدث بقوله «في الأثر» بلا عزو؛ والمعروف في الحديث (عند أبي داود وابن ماجه وأحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه) لفظ «ليأتينّ على الناس زمانٌ لا يبقى أحدٌ إلا أكل الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره»، وفي إسناده مقال عند أهل الحديث، فلم يُنقل في المتن بصيغة الجزم. [4]: توثيق المحرر: الحديث عند أحمد والدارمي من حديث وابصة بن معبد رضي الله عنه، وتمامه «البرّ ما اطمأنّت إليه النفس…»، وحسّنه جمع من أهل العلم؛ وقد اقتصر المتحدث على قوله «استفتِ قلبك». [5]: توثيق المحرر: نسب المتحدث العبارة إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وهي من مصطلح الأصوليين المتأخرين «عموم البلوى»، فلم يُتحقق من نسبتها إليه بعينه فعُمّمت. [6]: توثيق المحرر: أصله في الصحيحين، ولفظ مسلم: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم»؛ ولم يُنقل لفظ المتحدث لأنه مزج فيه بين الحديث وآية الحشر (٧).
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.