التخطيط للمستقبل في سياق سورة الحشر
ولتنظر نفسٌ ما قدّمت لغد: التخطيط للمستقبل في سياق سورة الحشر
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 20 يونيو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقِنا عذاب النار، واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة برحمة منك ورضوان وكرم يا ربّ العالمين. لا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك، وأفِض علينا من خيرك، وأكرمنا بمزيد عطائك، ولا تسلبنا بعد أن وهبتنا، ولا تحرمنا بعد أن أعطيتنا، واجعلنا من عبادك الذين أنابوا إليك وأخلصوا لك واتبعوا أمر نبيّك. اللهم آمين يا ربّ العالمين.
الآية في سياقها
عندما يقول لنا ربّنا سبحانه: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، فهذه الآية من جملة الآيات التي تُستلّ من سياقها فيُخاطَب بها الناس في عموم الكلام. لكن النظر إلى السياق يضبط لك حركة الكلمات القرآنية. فإذا بربّنا سبحانه يحدّثنا عن أناس من أهل الجنة وأناس من أهل النار، فما صفاتهم؟ لو اعتبرنا الآية خاتمةً للسورة فالأمر ليس على تمامه، لأنه لم تزل هناك آيات تأتي بعد ذلك لا بدّ أن نفهمها. هناك آيات تتحدث عن ربّ العزّة سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.[1]
فما وجه ارتباط عدم استواء أصحاب النار وأصحاب الجنة بما يأتي بعد الآية؟ يحدّثنا أن أصحاب الجنة تعلّقوا بالله تبارك وتعالى وحده في كل أسمائه وصفاته، ولم ينحرفوا عن ذلك بشيء. فتعلّقوا بالله الرزّاق، فلم يمارسوا شيئًا من الحرام. وتعلّقوا بالله اللطيف، فلم يُعسّروا الحياة على أنفسهم ولا على من حولهم، التماسًا للطف ربّ العالمين سبحانه. وتعلّقوا بالله الوهّاب، فلم يهبوا ما بين أيديهم فحسب، وإنما وهبوا أنفسهم لذات ربّ العالمين سبحانه ولدينه جلّ في علاه. فأصحاب النار وأصحاب الجنة لا يستوون.
ولتنظر نفس ما قدمت لغد
لكن هناك بُعدًا قبل ذلك، وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. هذا البعد في ذاته غاب عن مفاهيم أهل الإسلام في كثير من أحوالهم. فقضية التخطيط للمستقبل لم تعد موجودة إلا عند النَّذر اليسير، وإن وُجدت فإنما تخصّ الأعمال المالية المادية وحدها، لا تنصرف عن ذلك. كل من يخطّط للمستقبل في حياتنا الدنيوية اليوم يخطّط للدنيا، وهذا ليس ممنوعًا، ولكن بشرط أن يرتبط بالدين وأن يتقيّد بمنظومة الإيمان في أسماء الله وصفاته التي تأتي بعدُ. فكأن الآية حلقة في سلسلة: ما الذي قبلها؟ ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. وهذا النظر لا بدّ أن يسير في إطار الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ﴾. فما ينبغي أن يكون النظر إلى الغد متعلّقًا بالمادة وحدها، أو بالدنيا فقط، وإنما لا بدّ أن يرتبط بالدنيا التي تؤهّل لغدٍ أفضل، ليس لي وحدي، وإنما لي وللمسلمين الذين يأتون بعدي.
التفكير الاستراتيجي وأصله في القرآن
سمعنا مصطلحًا يقولون له «التفكير الاستراتيجي». وما هو؟ أن تنظر إلى ما بين يديك في مدة قصيرة، وأن تنظر إلى ما بعد ذلك في مدة طويلة، فيقال لك: عندي خطة قصيرة الأمد وخطة طويلة الأجل وخطة بعيدة، سنة وخمس سنين وما بعدها. فيقول القائل: هؤلاء الكفار، من أين جاؤوا بهذا الكلام؟ ولعلهم طابقوا بين ما ينبغي أن يكون وبين ما أُلهموه بالفطرة ففهموه، غير أن أساسه في القرآن الكريم. ألا ترى قول ربّ العالمين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾؟ ما أخذ الحذر؟ أخذ الاحتياط أثناء تنفيذ الخطط. لا أن تقعد في البيت وتُغلق عليك الأبواب ولا تتحرك. لا، فالآية تقول: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾. فإذا فهمتُ هذا أدركتُ أن الإسلام إنما أمرني بحركة دائمة، وهذه الحركة تتضمن أمرين: النظر فيما هو آتٍ من المستقبل وإقحام النفس في تفصيله، وفي الوقت ذاته أخذ الحذر في اتباع الخطوات؛ منهجية كاملة.
تعالوا نرَ: يقول ربّ العالمين: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾. كيف أنساهم أنفسهم؟ أنساهم أنفسهم بأنهم تمادَوا في التخطيط للغد الدنيوي دون التأمل في الآخرة واستيعاب مآلات العمل هناك، فانخرطوا في الدنيا. فترى الرجل ينغمس في حياته من فجره إلى عشائه دون أن يرد على لسانه ذكر الله، أو أن يتفكر في الآخرة بشكل ما، أو أن يكون جزءٌ من التخطيط أن عندي واحدًا في المئة لربّنا، وخمسة لأهلي، وثلاثة لهؤلاء المحتاجين في كذا. هذا الدمج بين عمل الدنيا وعمل الآخرة هو المراد في الآيات.
بُعد السياق: سورة الحشر
وفي بُعد آخر مهمّ (أعتذر إن أطلتُ قليلًا) هو: أين وردت هذه الآيات، وفي أي سورة؟ في سورة الحشر. فما الذي تعنيه بالنسبة لنا؟ ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾. هؤلاء كانوا يتّبعون الأسباب، عاملين حصونًا وموانع، يتترّسون وراء ما عندهم من عدّة وعتاد. فهو في المقابل يعمل كل هذه الاستعدادات ويُعدّ لنفسه ويقوّي ذاته، وأنت لا تُحسن حتى مجرد النظر إلى الغد. ويأتي ختام السورة متسقًا مع بدايتها. ثم إني آمنتُ بالله أن الأساليب التي سخّرها ربّ العالمين سبحانه لغزو هؤلاء في عُقر دارهم خارجةٌ عن إطار التصرف البشري. طيب، فأين تصرفاتك أنت؟ أين استعدادك؟
تطبيق: تربية ولد للجنة
وحتى ننزل إلى أرض الواقع ويكون الكلام مفيدًا: النظر إلى الغد في تربية ولد صالح للجنة، وليس صالحًا للعيش الدنيوي فحسب. انتبهوا: كلنا، إلا من رحم الله، يريد أن يتأكد من صلاحية أولاده ليعيشوا عيشة كريمة، صحيح؟ كلنا نريد أولادنا أصحاب مراسم ومراقٍ ومستويات وأموال ودخل ثابت إلى آخره، وكلنا يحرص على ذلك. لكن يبقى السؤال: من الذي يحرص أن يربّي ولده ليكون من أهل الجنة؟ أنا أربّي ولدي ليكون من أهل الجنة، لا فِصال في ذلك بالنسبة لي: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
ما في اليد مضمون
يا أحبابي، الذي يُقدِّم شيئًا لا بدّ أن يملكه، صحيح؟ حين أقدّم لك شيئًا فمعنى ذلك أني أملكه، هو في يدي. ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾: فكأن ما في يدي مضمون. والأشياء التي ستكون في يدك مضمونة. ماذا تحتاج في الدنيا؟ تحتاج مالًا، تحتاج زوجة، هذه أشياء مكفولة لك، لا تشكّ في هذا. كل الناس حين يتزوجون يفكرون أنه سيُنجب، إلا من استثنى الله واختبره. كل الناس يدخل على مشروع الزواج وهو مؤهَّل نفسيًّا وجسديًّا، عارفٌ أنه سيمارس كل المواهب المطلوبة وسينجب. فالدنيا وعطاؤها بأمر الله مكفولة لكل الخلق. ونحن تركنا المطلوب وراء الدنيا وانشغلنا بما هو مكفول لنا أصلًا. تخيّل: أقول لك تفضّل، عندك عشاء موجود هنا، ستدخل فتأكل؛ فانشغلتَ بالتفاصيل دون أن تنشغل بكيف تشكر هذا الطعام الذي أُعدّ لك.
اتقوا الله
يقول ربّنا سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾. حين تأتي «اتقوا الله» بهذا الشكل فهناك أمر عظيم جدًّا يأمر به ربّ العالمين. كيف نعرف ذلك؟ تعرف ذلك من مقارنة الأمر بأمثاله وما يشابهه، فترى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ترى اللغة شديدة قليلًا، شديدة. فلمّا يقول لي: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله»، فدلالة ذلك أن هناك أمرًا خطيرًا جدًّا يأتي بعد ذلك.
الخلاصة
خلاصة القول: ماذا أعددتَ لغد؟ وما الذي بينك وبين الله تتركه لمن وراءك في هذه الحياة الدنيا؟ ولا أقول محض المال، وإنما أقول مؤسسة، وأقول مشروعًا، وأقول خطة عمل، وأقول استراتيجية لمن يأتي بعدي يسير عليها. ما الذي هيّأتُه لولدي: دنيا أم آخرة؟
أسأل الله العليّ القدير أن يبصّرنا بما بين أيدينا، وأن يحفظ علينا عافية الإيمان كاملةً غير منقوصة.
--- [1]: توثيق المحرر: آيات [الحشر: 22–24]، والآية المستشهد بها في صدر الخاطرة [الحشر: 20]، ثم [الحشر: 18] (ولتنظر نفس)، و[الحشر: 19] (ولا تكونوا كالذين نسوا الله)، و[الحشر: 2] (هو الذي أخرج). وآية «خذوا حذركم» في [النساء: 71]، و«اتقوا الله حق تقاته» في [آل عمران: 102]. تلاوة المتحدّث لآيات الأسماء مضطربة في التفريغ، فضُبطت على رسم المصحف المعروف.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.