العفو سمتُ ربّ العزة بين المكر والمؤاخذة
بين «أفأمن الذين مكروا السيئات» و«ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم»: العفو سمتُ ربّ العزة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 13 أغسطس 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
افتتح الدكتور خاطرته بدعاء أن يقضي الله حوائجنا برحمته ولطفه وكرمه، ثم عاد إلى ما تُلي في الصلاة من قول ربّ العالمين سبحانه: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾.[1]
قوةُ الإنسان وقوةُ الله
قال إن الإنسان يتصرف أحيانًا بنوع من استشعار القوة الذاتية، وهو لا يدري أن قوة الله فوقه، تغلبه وتغلب الكون كله، الذي هو في الأصل بعض صنعه سبحانه. والذي خلق أولًا يخلق ثانيًا وثالثًا وأخيرًا إلى أن يشاء سبحانه. غير أن غرور الناس يجعلهم في نوع من البَطَر، والعياذ بالله، والبطر يحمل العبد على الطغيان على غيره.
وأمثلة ذلك على مدار الدنيا كلها: ترى أناسًا يتجبرون في الأرض، ويظنون أن القوة بأيديهم، ويستهينون بأحوال البشرية، فيريهم ربّ العالمين سبحانه بأسه. وكأنّ الله عز وجل خلق الخلق على نوعين: أحدهما يتلقى فضله ونعيمه وبركته في الدنيا والآخرة، والآخر يتلقى عذابه في الدنيا والآخرة. فإذا قال سبحانه: ﴿مِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾،[2] فإنه يرينا جزءًا من النماذج التي يمكن أن يهيمن بها على خلقه.
بين العذاب والعفو
والتجبر في الأرض ليس سمتًا لأهل الإيمان؛ بل أهل الإيمان هم الذين يتعاملون مع ما سيأتي. وقد تم التوقف عند قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾،[3] فعفو الله تبارك وتعالى يشمل ما بين النص الأول، ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ … أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ﴾، وبين النص الثاني، فتتساءل: أيّ فريق هؤلاء؟
أنت أمام أناس يمكرون السوء. والمكر في الحقيقة ليس مجرد ورود الشر إلى ذهن الإنسان، وإنما هو ترتيب وتدبير وإنفاذ ومتابعة للآثار، إلى آخره. أما الفريق الآخر فهم أناس إذا أخطؤوا التمسوا العفو من الله، فيعفو عنهم.
وقد ربط بين هذه الآية وبين قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، وما هو شعار هذه النفس التي لا يؤاخذها الله ولا يكلفها أكثر من وسعها: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾.[4] فقد كان مما فرضه ربّ العالمين سبحانه على هؤلاء الناس أن الواحد منهم إذا أخطأ أُخذ بخطئه، فجاء العفو، وهو سَمْتُ ربّ العزة سبحانه وسَمْتُ المتعبّدين له كذلك.
الخلاصة
وخلاصة القول في هذه المسألة، أو فيما ورد إلى الخاطر، ونسأل الله أن يردّ إلى خواطرنا الخير وأن يباعد بينها وبين الشر ما حيينا: أننا بين يدي رحمة الله. فمن التمس نجاة التمس رحمة الله، وسأل الله العفو، وأناب إليه في كل موطن وكل حين. ومن استشعر في نفسه كبرًا وتولّى إثمًا، فعاقبة أمره بين يدي ربه إهلاك؛ فلم يكن قوم عاد أو ثمود، ولم يكن فرعون وجنوده، بأعصى على ربّ العزة سبحانه من أن يذيقهم بأسه وعذابه. غير أن رحمة الله تعالى تتلطف بالضعفاء المساكين المستغفرين المنيبين اللاجئين إليه سبحانه جلّ في علاه.
وختم بدعاء أن يجعلنا الله منهم، وألّا يرفع رؤوسنا عن السجود بين يديه، وألّا يبتلينا بكبر يتولى أمر هلاكنا في دنيانا وآخرتنا. آمين يا رب.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة النحل، الآية 45، ولم يتلُ المتحدث تتمتها في الخاطرة. [2]: توثيق المحرر: من سورة العنكبوت، الآية 40، نقلها المتحدث على هذا القدر. [3]: توثيق المحرر: سورة النحل، الآية 61. [4]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية 286.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.