الإنفاق شعور بالمسؤولية
الإنفاق شعورٌ بالمسؤولية: تأمل في آية من أواخر سورة المنافقون
المناسبة: خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٢٢ يناير ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
سورة المنافقون تحتاج إلى نظرة تأمّل لدراسة شخصية المنافق، وربنا سبحانه وتعالى يعطينا في هذه السورة المؤشرات كاملة لنفهم نمط المنافقين ونوعيتهم وسلوكهم وردود أفعالهم. لكن دعونا ننظر في آية من أواخر السورة، لأنها تمسّ حياتنا جميعًا، في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.[1]
الإنفاق أوسع من الأرقام
الحقيقة أن الناس يتكلمون عن الإنفاق باعتباره أرقامًا: فأنا أعطي قليلًا، أو أعطي كثيرًا، أو أيًّا ما يكون. لكنّ توسيع دائرة العطاء أو الإنفاق عمومًا يُري أنه شامل لكل أنواع العطاء: الاتصال بالهاتف عطاء ورزق وإنفاق، وبذل الوقت، والاطمئنان على فلان، هذا مثال؛ ورعاية الأولاد، ومصلحة الزوجة، والأقارب، ورعاية شؤون الخلق الذين يعيشون حولك.
مسألة أن تنفق هي شعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. وهذا الشعور في ذاته، إذا تملّك إنسانًا، لا يلحقه الندم يوم القيامة.
الندم هو النقطة المفصلية
وهنا النقطة الجوهرية المفصلية في المسألة: الشعور بالندم. ﴿رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾؛ هنا يندم على كل لحظة من اللحظات مرّت عليه دون أن يستطيع نفسيًّا أن ينفق. وكأني بربّ العالمين سبحانه وتعالى يعلّمنا كيفية الخروج من حال المنافق إلى حال المؤمن. المؤمن صاحب مسؤولية عن الدنيا؛ أنت مسؤول عن الكون بما فيه، جعلك الله تعالى فيه خليفة، وبناءً عليه فسؤالك عن القاصي والداني، ورعايتك للأول والآخر، وحرصك على مصلحة الناس جزء من تركيبتك الإنسانية التي خلقك الله عز وجل من أجلها.
والناس الذين يستثقلون أعباء الآخرين ويؤدّون ما عليهم بالكاد، أو بكراهية، كالمكرَه على النظر في مصالح عياله، لا يعلم أحدهم أنه يتصدق على ابنه بلقمته التي يأكلها، ويتصدق على امرأته برعايتها وسكناها وحفظها وصونها إلى آخره.
لا تدع فرصة للعطاء
خلاصة الكلام، حتى لا نطيل: لا تدع فرصة لعطاء أي شيء، في مكالمة هاتف، في السؤال عن الناس، في إرسال مبلغ من المال، في فعل شيء أيًّا ما يكون العطاء، ابذله. فكّر في الناس بقدر ما تفكر في نفسك ومصلحتك، ولا تفكر في أحوالهم وتسييرها فحسب، بل فكّر كيف تساعدهم وكيف تعينهم.
والله الذي لا إله غيره، لأن ينام المرء منا آخر النهار وقد أدّى بعض ما عليه تجاه الخلق، أكرم له عند الله تعالى من أن يكون صام وقام، وحتى لو كانت الصلاة تتجاوز ألف ركعة. فإن ربنا سبحانه وتعالى، كما كنا نذكر في بداية سورة المجادلة، جعل رعاية شؤون الخلق من مهام المؤمنين، فلا تفرّطوا في أهم وظيفة عندكم.
أسأل الله لنا ولكم السلامة والعافية والرضوان.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة المنافقون، الآية ١٠ (وهي قبل الأخيرة؛ إذ آخر السورة الآية ١١)، وقد وصفها المتحدث بأنها الآية الأخيرة فعُدّل التعبير في المتن.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.