من أسرار الدعاء النبوي
استمداد الشعور من الألفاظ: وقفة مع «الحمد لله كثيرًا» و«سبحان الله بكرةً وأصيلًا» في افتتاح الصلاة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 17 يونيو 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
أقف في هذه الخاطرة عند موضوعات من كتاب «فن الذكر والدعاء وحقيقة سبحان الله»، وأحرص على أن أستكمل هذا الكتاب وإن كنا نقتطف من موضوعاته، فالكلام فيه مهمٌّ جدًّا؛ لأنه يعين على مزيد من التعلّق بالله تبارك وتعالى.
ثلاثة أمور نشتغل عليها
صدّرتُ الكتاب بكلام أقول فيه: استمداد الشعور من الألفاظ، وديمومة التكرار، وفهم دلالات الكلمات. وعندنا ثلاثة أمور نحتاج أن نشتغل عليها بشكل بسيط جدًّا: كيف أستنطق الكلام، أي كيف يكون الكلام بين يديّ نصًّا يحدّثني أنا في الوقت نفسه؟ ثم كيف ولماذا؟ ثم كيف أفهم دلالات الألفاظ النبوية التي كان رسول الله ﷺ يكرّرها؟
كان النبي ﷺ إذا دخل الصلاة قال: «اللهُ أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للهِ كثيرًا، وسبحانَ اللهِ بكرةً وأصيلًا، وجّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السماواتِ والأرضَ حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إنّ صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي للهِ ربِّ العالمين، لا شريكَ له، وبذلك أُمرتُ وأنا أولُ المسلمين»[1].
«الحمد لله كثيرًا»
الأصل في الدنيا ما حدّثنا به ربّ العالمين سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾[2]. ثم أقول: «الحمد لله كثيرًا». لماذا أقول «كثيرًا»؟ لأني أُلزم نفسي القناعةَ بأن هذا هو أحسن ما ينبغي أن يكون لي، وأنني في أفضل ما يمكن أن يُتصوَّر من حالات البشر.
بالأمس كنا نتحدث عن القضاء والقدر، وهل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر. وتحدثنا مع بعض الإخوة أن في حياتنا أشياء خُلقنا بها ولا اختيار لنا فيها: لوني، وطولي وقِصَري، وأبي وأمي، والمرض أحيانًا يُبتلى به المرء من غير قصد منه ولا تعمّد ولا تقصير. وفي مثل هذه الحالات يُلهم الله العبدَ الرضا التامّ بهذا الخَلق. فعندما أقول: «الحمد لله كثيرًا» فإنما أعلن هذا الرضا.
«وسبحان الله بكرةً وأصيلًا»
الصباح والمساء عماد اليوم: ففي أوله وفي آخره، وما بينهما مندرج فيما يذكره العبد من التسبيح والحمد. وعندما نقول: «سبحان الله» فكأن في النفس نوعًا من القناعة الذاتية بأن الله سبحانه لم يعطني أحسن حال فحسب، بل زادني مما لا أستحق.
وعندما أقول: «سبحان الله» فكأنني أنظر إلى ربّ العزة على أنه لم يعطني وحدي، بل أعطاني وأعطى الجميع. فنسبة الغضب التي عندي كمّلها سبحانه بنسبة الصبر التي عند صاحبي أو صاحبتي في البيت، زوجتي، ونسبة الكرم التي عندي كمّلها ربّ العالمين بما عند غيري. وهذا التسبيح لربّ العالمين يتجاوزني ليشمل عطاءات الله عزّ وجل لكل من خلق.
«وجّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض»
ثم يقول النبي ﷺ: «وجّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السماواتِ والأرض». وعندما نتذكر أنه فطر السماوات والأرض، أي خلقها، فقد خلقها بما فيها من مشكلات ومن حلول، وبما فيها من مكوّنات لا أستطيع أن أخرج عنها بحال من الأحوال؛ فهو الذي خلقها.
«إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله»
ثم يقول ﷺ: «إنّ صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي للهِ ربِّ العالمين، لا شريكَ له، وبذلك أُمرتُ وأنا أولُ المسلمين». وفي ذلك إشعار بأنني لستُ المختارَ لما بين يديّ من خير، وإنما ربّ العالمين سبحانه أمرني به، فأفعله التزامًا وأداءً للواجب الذي عليّ.
أسأل الله سبحانه أن يعلّمنا دلالة ما بين أيدينا من كلمات، وأن يرزقنا فهم ذلك، وأن يجعله زادنا بين يديه. سلّم الله لكم يومكم، وبارك الله فيكم، جزاكم الله خيرًا.
--- [1]: توثيق المحرر: أورد المتحدث افتتاح الصلاة مجموعًا في سياق واحد بلا عزو؛ وألفاظه واردة في روايات متفرقة، منها «وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض…» في صحيح مسلم، و«الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا» عند أبي داود وغيره. [2]: الانشقاق: 6. توثيق المحرر: أورد المتحدث الآية في سياق متقطّع في التفريغ، ولم يظهر نصّ الجملة التي سبقتها.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.