عزّة الله ورحمته ومنطق «أنطعمُ مَن لو يشاء الله أطعمه»
عزّةُ الله ورحمته، ومنطق «أنطعمُ مَن لو يشاء الله أطعمه» في تعاملنا مع الفقراء
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 16 سبتمبر 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
حين تسمع قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ تجد أن عزّة الله تنفي وجود أي خبث في حياتنا، خشيةً منه سبحانه ومن عزّته، وأن رحمته تحملنا على فعل كل طيب في الحياة، رجاءً في رحمته.[1]
حين يُقال لهم: أنفقوا
استوقفتني هذه الجملة بعينها، وكأنها قفزت بي إلى مواضع متعددة في القرآن الكريم تُرينا تصرفات الناس وردَّ فعلهم تجاه الله. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾.[2]
فلنقرأ الآية في سياقها مرة أخرى: «أنفقوا مما رزقكم الله»، أي أن ما بين يديك ليس من عندك، وإنما هو من عند الله. فماذا يفعلون؟ يستخدمون المنطق نفسه ليردّوا عليه: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟ وانظر ماذا يقول لك هذا الكلام: إنك تريد أن تتعدّى على قدر ربّ العالمين! تريد أن تغيّر قدر ربنا يا رجل؟ حرام عليك! لو أراد ربنا أن يطعمهم لأطعمهم. وإن كان ربنا يريد أن يُجيعهم، فنحن نُجيعهم! هذا هو المنطق.
ونحن، بالطبع، لسنا من هؤلاء في تعاملنا مع النص بهذه الطريقة. لكننا في كثير من الأحيان منهم في تعاملنا مع الفقراء بهذا المنطق، فلا نعطيهم لأسباب لا نعلمها، غير أن الغريزة التي تحكم قلوب الخلق هي التي تجعل هذا الأثر هو المتحكّم، فلا نمنح ما في جيوبنا.
نصف تمرة
يقول النبي ﷺ: «اتقوا النار ولو بشقّ تمرة».[3] وهذا التعليق العادي الذي أقوله دائمًا وأكرّره وأفرح به جدًّا: أين الشقّ الآخر؟ أنت تأكله، صحيح؟ فتخيّل شخصًا معه تمرتان فقط، يأكل إحداهما، وأمامه من يريد أن يتصدّق عليه. هل يعطيه نصف ما في يده أم يعطيه التمرة الثانية السليمة؟ إن كان معه تمرتان أعطاه السليمة. أما إذا أعطاه شقّ التمرة فذلك يدلّ على أنه لا يملك إلا شقّ تمرة. فكأن رسول الله ﷺ يقول: تصدّق على المحتاج، وخاصة الجائع، بما تملك، حتى لو لم يبقَ معك في الحياة إلا شقّ تمرة: تأكل نصفها وتعطي نصفها الآخر للفقير المحتاج. ذلك هو المنطق.
بين الكاسبين والساجدين
وحين نسمع من رب العالمين سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾[4] نتأمل: الناس يتقلّبون في الكاسبين للأموال، الساعين يمينًا وشمالًا، المتابعين للبورصة هنا والسندات هناك والأسعار كذا، فما كل هذا؟ أما أنت فتقلّبك في الساجدين، لك غاية مختلفة تمامًا.
وحين تقارن بين أنواع الدخول التي كانت لرسول الله ﷺ ترى أنه لو ادّخر منها شيئًا يسيرًا لصار من أصحاب الثروات بعد قليل. غير أنه ﷺ كان يبيت وليس في بيته شيء. أين ذهبت هذه الأموال؟ إلى المساكين. تلك دابّته وسنّته وصنيعه وحاله في كل الأيام الطبيعية: لا يبيت وفي بيته شيء. ثم تراه يُحدَّث عنه أنه في رمضان أجود من الريح المرسلة.[5] فكيف يكون أجود من ذلك وهو في الأيام العادية لا أجود منه؟ يخرج كل ما عنده، ولا يبقى في بيته آخر النهار شيء، فكيف يكون في رمضان أجود؟ إنه يبذل كل ما عنده، ويُحدَّث بذلك. بأبي هو وأمي ﷺ.
الفقر حولنا
والشاهد عندي: كم من الفقراء في السجون بسبب ثلاجة، أو لأنه كان يجهّز ابنته فاشترى شيئًا ولم يستطع أن يسدّد ثمنه؟ وكم من الناس تحت خط الفقر المدقع لا يملكون شيئًا مطلقًا؟ القصص التي نسمعها كل يوم عن أحوال الناس، سواء في مصر أو في الأردن أو في أي مكان، في بلادنا عمومًا التي أتينا منها، وفي غيرها ممن لا نعرفهم أصلًا من البلاد التي الأصل فيها الفقر، أحوال يندى لها الجبين. لكن غالب عموم المسلمين يجري على أحوالهم منطقٌ ليس من الإيمان، هو قولهم: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟ نحن لا نتكلم بهذا لسانًا، لكن واقع الحال يصرف التصرف وردّة الفعل إلى هذا المنطق.
لا أريد أن أكثر القول في هذه المسألة، ولكننا نُحاسَب على ما أوتينا، ونُحاسَب على ما أوتينا من العلم أكثر مما أوتينا من المال. وربنا سبحانه يعطيك هذا المثال، فبدّل المقامات وتخيّل أنك مكانه: ماذا تتوقع من أخيك أن يعينك به إن كنت في موطن الحاجة وأخوك في موطن العزة والمَنَعة؟
ولذلك فالصرخات والنداءات التي نسمعها من أهل فلسطين وغزة وغيرهم: أين المسلمون؟ هم يتحدثون عن شعورهم كأبناء مِلّة واحدة، كأبناء أمة، يستشعرون من خلاله نصرة واجبة على إخوانهم. هو لا ينتظر منك أن تتفضّل عليه، ولا أن تتصدق، بل ينتظر منك أن تؤدي واجبك. هذا هو الأصل، ولا نقاش فيه، ينبغي أن تقوم به بطبيعة الحال. نحن ننكر على والدٍ يهمل عياله، وننكر على أخٍ يتنكّر لأخيه من الدم، وقد علّمنا ربنا أن علاقة الإيمان أقوى من علاقة الدم. فبأي عقل نعمل؟ وبأي منطق نتصرف؟
دعاء
أسأل الله سبحانه أن يرينا آثار أعمالنا في حياتنا، وألّا يُذلّنا للئيم في الدنيا ما حيينا، وأن يجعل نصرة ديننا في قلوبنا، تغلب نصرةَ أيدينا على أي شيء في الحياة. وأسأله أن يثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويوم يقوم الأشهاد.
--- [1]: توثيق المحرر: المقصود قوله تعالى في سورة الشعراء، الآيات ٢١٧–٢١٩، وتمامها أورده المتحدث لاحقًا في الخاطرة. [2]: توثيق المحرر: سورة يس، الآية ٤٧. [3]: توثيق المحرر: الحديث بهذا المعنى مخرَّج في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه. والتعليق على «الشق الآخر» من كلام المتحدث. [4]: توثيق المحرر: سورة الشعراء، الآيات ٢١٧–٢١٩. [5]: توثيق المحرر: يشير إلى حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان؛ وقد أورده المتحدث بالمعنى.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.