أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
المفاهيم الإيمانية

تزكية النفس ودورك في صناعتها وماذا بعد رمضان

تزكية النفس: من أين أتيت؟ وما دورك في صناعة نفسك؟ وماذا بعد رمضان

د. أحمد أبو سيف•٢١ مارس ٢٠٢٦•6 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 21 مارس 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

افتتح الدكتور خاطرته بدعاء أن يرزقنا الله خير هذا اليوم وخير ما فيه وخير ما بعده، ويعيذنا من شر هذا اليوم وشر ما فيه وشر ما بعده، وأن يصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، ويهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، ويبارك لنا فيما رزقنا، ويقينا عذاب النار ويصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة، ثم: اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل برّ، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.

ثم قال: لعل السورتين اللتين أُوردتا في صلاة الفجر، سورة الشمس وسورة الليل، من أحب السور إلى قلبي؛ سبحان الله، لا يكاد المرء يحبس نفسه على شيء يحبه. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهلهما. لكن محور القضية يكمن في تزكية النفس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾[1]. هذا المعنى، وهو تزكية النفس: تنقيتها من أعماقها، من داخلها، والعمل على تعديل اتجاهات السير الداخلية في أعماق هذه النفس.

من أين أتيت؟

قد علمتم، حفظكم الله تعالى، أن لكل إنسان مشارب وتوجهات؛ فله أصول ينبع منها، وله محاور تشكيل مرّ بها، وله مستخرجات تتبدّى منه بين الحين والآخر أو تظهر على سَمْت شخصيته ونمطها. فالأصول التي خرجنا منها هي ما تركه لنا من ربّونا، وهؤلاء تربّوا هم أيضًا بثقافات وطبائع وعادات وتقاليد وأعراف بيئة، إلى آخره، غرسوها فينا بما يملكون من قدرات.

لم أكن أطلب من أبي أن يفعل معي ما أرى ابنتي تفعله الآن مع طفلها، فهي تسير بمقدّرات وتكنولوجيا ودورات تدريبية. كان أبي يمارس «البركة» في حياته؛ فمرة يضرب، ومرة ينادي، ومرة يهدأ، ومرة ينفعل، والدنيا ماشية بقدر ما يملك من طاقة وصبر على أيامه وتحمّل للمواقف التي يتعرض لها. ينفّذ غضبه أحيانًا فينا، وأحيانًا يملك أعصابه، وأحيانًا يعيننا على أن نتجاوز المراحل. لم أكن أطلب منه أكثر من ذلك. تربّيت وخرجت إلى الدنيا لأربّي من بعدي بما ورثت وبما انسجم في داخلي وبما خرج مني.

فعندنا ثلاثة محاور أعيد التركيز عليها. ما الأصول والثوابت التي تركّزت فيك؟ من أين أتيت؟ ما الذي تعلمته؟ ما البيئة التي خرجنا منها؟ هل كان هؤلاء الناس يحافظون على دينهم بالقدر الذي يجعلني أخجل أمام نفسي إذا قارنت بين صلاتي وصلاة أبي، وبين صيامي وما كان يمارسه والدي؟ هل أنا أتكسّب الحلال بقدر ما كان يحرص عليه، والدقة في العمل والإتقان والجهد والبذل والسهر والليالي؟ هل أمارس المستوى نفسه من الأداء، أم أن الأمر بالنسبة لي مختلف ولو نسبيًّا؟ فمن أين أتيت، وما الذي تشكّل في داخلي، وهل لنا قدرة على إعادة تشكيل أنفسنا أم لا؟

لك يد في هذا المشروع

القرآن الكريم حين يتنزل بهذا الشكل ويقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾[2]، فقد يعطيك للوهلة الأولى أنه «قد تزكّى» بصنعة من صنعه وأعدّه. لكن حين أقول هنا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، فقد كان لك يد في هذا المشروع الإخراجي لهذه النفس البشرية. ومن هنا يمكنك أن تعالج بعض النفوس التي تعتذر عن الخطأ الذي تفعله بأننا هكذا رُبّينا. ونحن نعرف المصطلح: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾[3]. كان الناس يتحجّجون بما فعله آباؤهم وأجدادهم وبما ورّثوهم إياه. والقرآن الكريم يلغي هذه الفكرة. لماذا؟ لكي يعطيني القدرة، أو الإحساس بالصلاحيات المتاحة لديّ، أني أستطيع أن أصنع في نفسي.

وهنا أستطيع أن أستوعب بشكل ما دور العبادة. لماذا جاءت العبادة؟ لم تأتِ لتتعامل مع أبي الذي مات، فقد رحل، ولا مع أمواتنا جميعًا، ولم تأتِ لتتعامل مع من ربّى ومن كان قبل، وإنما جاءت تتعامل معي أنا، فتعيد صياغة شكلك، وتعيد مستوى استعداداتك للمستقبل، وتعيد هيكلة النمط والخرائط الذهنية الموجودة في العقل الإنساني.

فترى الصلوات تجعلك على نمط منضبط من الحركة والانتظام، ولمّا تجمع النصوص الواردة حول الصلاة ترى أنك تتعلم فيها الانضباط، وتتطهر فيها داخليًّا، وتنسجم فيها مع نفسك، وتزكو نفسك لتصل إلى ربّ العزة سبحانه وتعالى: السجود والركوع والذكر وكل هذه الأشياء، وفي النصوص تشبيه الصلاة بنهر يغتسل منه المرء في اليوم خمس مرات[4]، نصوص كثيرة وإيحاءات كثيرة. ثم تأتي إلى الصيام، ومسألة الامتناع الاختياري لا الإجباري، لأنك تعبد أصلًا باختيار، فتتعبّد لله اختيارًا؛ أن تكون لديك القدرة على التحكّم. فإن كان من ربّاني سارقًا أو معتديًا أو متجاوزًا للحدود أو أيًّا كان، فإن لديّ الفرصة الآن أن أمسك زمام نفسي وأقيّدها، فلا أقلّد من كان في موضع سوء، وإنما لا بد أن أنضبط أنا على الصراط المستقيم.

الفلاح لا النجاح

يلفت نظرك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾؛ لترى أن التزكية، التي هي نوع من تطهير النفس، إنما ترتبط بالفلاح. وكلما ذكرنا هذه الكلمة فرّقنا بين الفلاح والنجاح: فالنجاح تجاوز مرحلة، لكن الفلاح هو الوصول إلى القمة. والقمة عندنا ليست محض الراحة التي ستكون في الجنة، وإنما القمة عندنا كلما اطّلع عليك ربّ العزة سبحانه وتعالى، وهو العليم الخبير، وجدك وهو راضٍ عنك. ذلك هو الفلاح، ذلك مبتغى الأمل. ولن يكون ذلك في الآخرة إلا إذا توفّر في الدنيا. ومن ثم فمن أراد الفلاح هناك فليكن محلّ رضا الله في دنياه.

فالتمسوا ذلك مرة أخرى: عندنا ثلاث مراحل؛ مرحلة التأسيس، ومرحلة التشكيل، ومرحلة الإنتاج. أين نحن من هذه المراحل الثلاث؟ مرة ثانية وثالثة: ما الذي خرجنا به من الشهر الكريم؟

بعد رمضان

أردت اليوم أن أذكّر نفسي أن طريق تزكية النفس لم يكن قاصرًا على التوقيت الزمني المؤقت برمضان، وإنما كان رمضان فرصةً للانطلاق إلى ما هو آتٍ بعد ذلك: دورة تدريبية محددة بأوقات ومواعيد وضوابط رسمية، فإذا فرغت منها كنت جاهزًا لأن تتعامل مع المجتمع.

من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ هذا سؤال ينبغي أن نسأله لأنفسنا، إلا إذا كنا مرتبطين بإكرام عوائلنا ولقاءات، فيكون الإفطار نوعًا من إكرام غيرنا؛ وإلا فأمسِك، ولا تزال نفسك حديثة عهد بصيام، ولا تنطلق مع شهوة للطعام تنسينا أو تشغل بالنا عمّا هو آتٍ. أما الأسئلة المتفرعة في قضية صيام الستة أيام، والأيام البيض، وهل ينفع أن نصوم الاثنين والخميس، وهل نصوم فريضة أم نافلة، فكل هذه الأسئلة نجيب عنها، لكن لعلها نوع من التسويف يأتي به الشيطان لبعضنا، لا للكل، فننسى مسألة الصيام بعد حين، ولا نكمل سنة سنّها لنا رسول الله ﷺ.

فمن أصبح منكم اليوم صائمًا فبها ونعمت؛ ومن لم ينوِ قبل الليل فنحن في نافلة، ويمكننا أن ننوي صيامنا إذا لم نكن قد تناولنا شيئًا بعد أذان الفجر.

وأسأل الله تبارك وتعالى أن يتم لنا هذه الأيام المباركات، وأن يزكّي نفوسنا، وأن يزيدنا فهمًا لذواتنا، وأن يلهمنا رشدًا حتى نسير على صراطه المستقيم. اللهم آمين يا ربّ العالمين.

--- [1]: سورة الشمس: 9. [2]: سورة الأعلى: 14–15. [3]: سورة الزخرف: 23. توثيق المحرر: في التفريغ «مهتدون مقتدون»؛ ونظيرها في الآية السابقة (22) «مهتدون»، وأُثبتت «مقتدون» بلفظ الآية 23. [4]: توثيق المحرر: أشار المتحدث إلى نصوص كثيرة دون تعيين، وما ذُكر من النهر الذي يغتسل منه المرء في اليوم خمس مرات أصله حديث رواه مسلم بلفظ قريب؛ والتفريغ في موضعه مضطرب فأُثبت بالمعنى دون اقتباس.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ