أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
الإمامة والقيادة

ربٌّ واحد أم شركاء متشاكسون

ربٌّ واحد أم شركاء متشاكسون: كيف تتنازع الدنيا قلبَ من عبد غير الله

د. أحمد أبو سيف•٢١ أغسطس ٢٠٢٥•3 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 21 أغسطس 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

افتتح الدكتور خاطرته بدعاءٍ يسأل فيه الله أن يهدينا سبله، وأن يأخذ بنواصينا إلى ما يرضيه، وأن يدلّ عقولنا وقلوبنا إليه، وأن يُطوّعنا لطاعته ما حيينا. ثم استعاذ بالله من العجز والكسل، ومن قلّة الحيلة وانعدام السبيل، وسأله الثبات على الهداية والرشد في الأمر كله.

مثَلٌ مضروب في عبادة الله وعبادة غيره

ثم تلا قول الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾[1]. وقال إن هذا المثل مضروبٌ في عبادة الله وعبادة غيره.

فإذا عبدتَ الله أسلمتَ نفسك له؛ لك ربٌّ واحد، وإلهٌ واحد، وآمرٌ واحد، وناهٍ واحد، وفي الأمر راحةٌ ويُسر. فإذا أخطأتَ في حق هذا الإله فما عليك؟ توبةٌ واستغفار ورجوع؛ أبوابٌ مغلقة تطرقها فتُفتح لك فتدخل. والأمر يسير بإذن رب العالمين ما دمتَ متخذًا إياه إلهًا، معترفًا له بالألوهية والربوبية، مؤمنًا بما عنده مما وعد وتوعّد. فنفسٌ طيبة، وربٌّ كريم غفور؛ وأنا إذا تعاملتُ مع الله فإنما أتعامل مع من يدرك أبعاد نفسي ويعلم خبايا ذاتي، فيتعامل سبحانه مع النفس المقصّرة العاجزة الضعيفة الواهنة إلى آخر ما يعلمه منها.

بل إنه سبحانه يعرّفك بنفسك في القرآن: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾[2]. فإذا نحن أمام منهج يضع يدك على نقاط الضعف عندك، ثم يضع لك الطريق الذي تتبعه لتتفاداها. وإذا أخطأتَ فليس أنه يقبلك فحسب، بل يعلّمك كيف تستغفر وكيف تتوب: ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾[3]؛ ولولا هذه الكلمات لما اهتدى إلى كيفية الاستغفار وسبيل الرجوع، فمن رحمة الله أنه علّم آدم كيف يرجع إليه. ثم يقول سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، ثم يعلّمك: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا﴾[4]، إلى آخر ما يحدّثنا به رب العالمين.

الذين عبدوا غير الله: دنيا موزَّعة

أما الذين عبدوا غير الله سبحانه فقد رأوا الدنيا تتوزّع بهم إلى نواحٍ عدة. فهناك جانب المال، وهو من أخطر الجوانب التي تأخذ بلبّ البشر قلوبًا وعقولًا، فيجعلك في تمام الانصياع له.

وضرب لذلك مثلًا قديمًا: رجلٌ يُقسم بالله أنه كان يخرج من بيته في السادسة صباحًا ولا يرجع إلا في ساعة متأخرة من الليل. فلما سُئل: ما هذا يا عم؟ قال: كنتُ بدأتُ عملي التجاري وأؤسّسه، وفي البدايات يُؤخذ منك كثير، لكني اعتدتُ ذلك، وقلتُ إني لا أرجع إلا وقد أقفلتُ حساباتي. ثم يقعد بعد ذلك ثلاث ساعات يراجع كل المخرجات وكل المدخلات والباركود وما إلى ذلك. فقال له: متى كنتَ تجلس مع امرأتك؟ وكيف تعرف أولادك؟ فقال: كل ستة أشهر أو نحو ذلك نخرج يومين معًا، ثم نعود. فعلّق الدكتور: ما هذه حياة؟ كيف له أن يعيش إحساس الحياة الدنيا؟ وكيف له أن يستمتع بزوجة أو أولاد؟ لم يُحسن أن يفعل ذلك.

كلُّ ما يُتعبَّد له يضادّ غيره

ثم ختم بالنقطة الأخيرة: أن مشكلتنا في أبعاد الحياة وجزئياتها التي يتعبّد لها الناس. يقول رب العالمين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾[5]. فالمال والمناصب والأولاد كلها ضد بعضها: إذا انشغل أحدٌ بالمنصب ضاع من بين يديه المال الذي ينفق عليه؛ وإذا انشغل بالمال ضاعت منه العافية لأنه يبذل حياته كلها له؛ وإذا انشغل بالأولاد أخذوه عن طموحاته وأهدافه، وهكذا. سبحان الخلّاق العليم! لا يسلم لعبدٍ حالٌ إلا أن يكون لله تابعًا، ولا يسلم حال عبدٍ إلا إذا كان الله هو الذي يُصلح هذا الشأن كله.

وختم بسؤال الله لنا ولهم البركة في هذا اليوم الكريم، وأن يأخذ بنواصينا إلى ما يرضيه، وأن يسلّم خطانا.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة الزمر، الآية ٢٩. وتتمتها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ولم ينطق بها المتحدث. [2]: توثيق المحرر: سورة المعارج، الآيات ١٩–٢٢. توقّف المتحدث عند «إلا المصلين». [3]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٣٧. [4]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢٨٦. قطع المتحدث الآية عند «ما لا طاقة لنا» وأحال على ما بعدها. [5]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ١٦٥. توقّف المتحدث عند «أشد حبًّا لله».

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ