من المحن تأتي المنح
رمضان بلا مساجد: ثوابت الدين ومتغيرات الدنيا، وما كشفته الجائحة من أنفسنا، ودروس أم موسى ويعقوب ويوسف وأُحُد
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت عبر برنامج «زوم» بتاريخ 16 أبريل 2020م، قبيل رمضان 1441هـالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد الله ونبيه ورسوله، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد: حياكم الله ورضي عنا وعنكم، وأدام علينا وعليكم الخير والعافية في الدين والإيمان، ونسأله سبحانه عافيةَ القلوب والأبدان، ونسأله الرضا.
تدور محاور لقائنا اليوم حول استقبال شهر رمضان المبارك، وكيف أن رمضان هذا العام مختلف عن الرمضانات السابقة، وكيف يشعر الناس بأنهم في محنة، وكيف نستطيع أن نتحول من هذه المحنة إلى منحة، أو أن نشعر بذلك في حقيقة الأمر. ونريد في البداية أن نضع بعض الثوابت التي ننطلق منها، فنميّز بين الثوابت والمتغيرات: ما الأشياء الثابتة في حياتنا، وما الأشياء القابلة للتغيير؟
الثوابت
فمن الثوابت أن الله تبارك وتعالى واحد أحد فرد صمد قيّوم، غالب على أمره، فعّال لما يريد، يبسط الرزق لمن يشاء ويقبضه عمّن يشاء، يرفع ويخفض، ويعز ويذل، ويقبض ويبسط سبحانه. ومن الثوابت عندنا أنه لا يحصل شيء في كون الله عز وجل إلا بمراد رب العزة.
ومن الثوابت أننا ما خُلقنا في هذه الحياة لنتمتع فيها تلك المتعة البهيمية، ولا لتكون الحياةُ جنةً أولى لنا أو جنةً أخرى. هي جنة أولى مقدِّمة لجنة آخرة، ولا تحصل جنتنا فيها بما تحصل به جنةُ الناس الآخرين الذين لا يدينون بدين ولا يؤمنون بإله. وإنما دنيانا، كما أخبرنا رب العزة، نقطة في بحر النعيم الذي يشملنا به سبحانه، وما بعدها من أمر الآخرة أعظم وأكبر وأبلغ في النعمة مما في هذه الدنيا. وعلى هذا فنحن أمام مسألة مهمة، هي ما قاله الله تعالى: ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]،[17] وقد شرحنا ذلك كثيرًا في لقاءات سابقة، وكذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]. فالمحنة ألا ننظر تحت أقدامنا، وإنما ننظر إلى الآخرة، إلى محل رضوان رب العزة سبحانه.
المتغيرات
وأما المتغيرات فهي تقلبات الحياة الدنيا بناءً على ما ندركه فيها من تغيرات. ونسأل سؤالًا بمنتهى البساطة: متى كانت الحياة مستقرة مع أحد من الخلق منذ آدم عليه السلام إلى اليوم، ثم إلى يوم القيامة، مرورًا بكل الأنبياء وكل المرسلين وكل البشر؟ لا يوجد على ظهر الأرض أحد ليس عنده مشكلة أو قضية. ولو سألنا الحاضرين الآن أن يذكر كلٌّ منا مشكلة من مشكلاته، لبرز كلٌّ منا بقضية تختلف اختلافًا تامًّا عن قضايا من حوله. ولو أن كل واحد اختار أبسط ما عنده من المشكلات ليحدّث بها، لنظر الناس إليه في تعجب وقالوا: سبحان الله، ما أصبرك! كيف تصبر على هذه القضية؟ لأن تحمّلات الناس مختلفة.
فهذه مسألة متغيرة: التغيرات الحاصلة في حياتنا هي نحن؛ تقبّلنا للقضايا، واستيعابنا للمسائل، وطريقة تفكيرنا في آليات تدوير الله سبحانه للحياة الدنيا، وكيف يدير رب العزة كونه. هذه تتغير عندنا نحن، ولكنها ثابتة عند رب العزة سبحانه وتعالى.
ونضيف إلى الثوابت مسألة مهمة جدًّا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ [النساء: 28]، ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ [طه: 2]، «وإنما أنزلنا عليك القرآن لتسعد».[18] هذه ثوابت في حياتنا: أن رب العزة لا يريد شقاءً لأحد، ولا يعامل أحدًا بنوع من العَنَت أبدًا، جل في علاه. فإذا عرفنا هذه الثوابت عرفنا أننا في نعمة ما دمنا متصلين برب العزة سبحانه.
مواسم الطاعة: صيام وقيام
تأتي علينا مواسم الطاعة، وثوابتها في رمضان أن لنا صيامًا ولنا قيامًا. والمشكلة التي يذكرها الناس في رمضان هذا العام أننا لن نستطيع الذهاب إلى المساجد. كيف نعيش رمضان دون الذهاب إلى المساجد؟
وعندي على هذا تعليقان. الأول أن كثيرًا من الناس لم يكن يذهب إلى المساجد أصلًا في الرمضانات السابقة، والمساجد مفتوحة والإمكانات متاحة. وأحدّثكم بهذا لأني قريب منكم بما بيننا من روح الإيمان ورحم الدين، والحمد لله. كنا نرى بعض الأخوات يقذفن بالأولاد من السيارة وتنطلق إحداهن كأنها تتخلص منهم، ثم تذهب، وكأن المسجد بالنسبة لها «بيبي ستر» أو مكان يُلقى إليه الأولاد،[19] فيدخل الأولاد فيعبثون في المسجد ويفعلون كذا وكذا. وجميل أن يتربى أبناؤنا بيننا وفي أحضاننا، ولكن الشق الآخر المهم في التربية ليس موجودًا؛ شق المسجد وشق البيت. الولد يفعل، فالشيخ أو الإمام يوجّه، والأم تنصح وتقول: التزم بهذا الكلام أو كذا.
ورأينا في الرمضانات السابقة أناسًا كثيرين يأتون في أول رمضان بمنتهى الحرص والدقة والإتقان للصلاة، ما شاء الله، عددًا من الأيام، ثم بعد هذه الأيام يتناقص العدد: كان مئة شخص مثلًا في المسجد، بعد خمسة أيام صاروا ستين، وبعد سبعة أيام صاروا عشرين أو ثلاثين. أين ذهب الباقون؟ لا تدري، أخذتهم الحياة مرة أخرى. هذا حالنا في تجاوبنا مع قضايا الدين. كانت عندنا لعبة قديمة فيها مطاط وكرة ترميها في الأرض ثم تعلو من جديد، سبحان الخلّاق العليم، وكأننا نتعامل مع الدين بهذا المنطق: نرمي الكرة ثم نرجع. إذا جُذبنا إلى المسجد حينًا أخذتنا الدنيا حينًا آخر، ثم نُجذب إلى المسجد ثم نذهب مرة أخرى. أين قضية الانتماء المتواصل؟ لم تكن موجودة بشكل كامل عند كثير من الناس.
القيام في المسجد: فضل لا إلزام
أمرنا رسول الله ﷺ بالقيام، فقال: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر».[1] وحين تحدث الله عز وجل عن قضية الصيام قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ…﴾ [البقرة: 183]،[2] أما في قضية القيام فلم يأتِ أمر جامع من رب العزة بجمع الناس عمومًا في رمضان على صلاة التراويح باعتبارها فريضة. ليست فريضة، وإنما هي سنة مؤكدة عن النبي ﷺ.
وأنا هنا أتكلم عن القيام في ذاته، وهناك فرق بين القيام في ذاته والقيام في المسجد. القيام في المسجد فعله النبي ﷺ ثم أمسك عنه إشفاقًا على الأمة، أو بيانًا للإباحة، وإشارةً إلى عدم الإلزام. أقولها مرة ثانية: بيانًا للإباحة، أي إنه يجوز أن نجتمع في المسجد لنصلي التراويح، وإشارةً إلى عدم الإلزام، فالمسألة ليست ملزمة، ومن لم يصلِّ القيام في المسجد فليس عليه عتاب ولا تُسجَّل عليه مخالفة بحال من الأحوال. ولذلك جاءت نصوص النبي ﷺ نصوصَ تحفيز للناس لا نصوصَ إلزام. فهو ﷺ يقول: «من قام مع الإمام حتى ينتهي من صلاته فكأنما له كذا وكذا»،[3] حضًّا على أن نلتزم مع الإمام حتى ينتهي من صلاته. وهل كان هذا الكلام بخصوص شهر رمضان وصلاة القيام، أم هي صلاة يحضّ عليها النبي ﷺ على وجه العموم تحفيزًا للعمل الجماعي، وتحفيزًا على روح الجماعة في وسط مجتمع المسلمين؟
والذي يأتي علينا في الأيام القادمة هو رمضان، «أظلّكم شهر عظيم مبارك». والنبي ﷺ يوصي فيه بعدد من الوصايا، أولها: «أروا الله من أنفسكم خيرًا».[4] طيب، كيف نُري الله من أنفسنا خيرًا؟ كلٌّ على حسب ما يطيق. فمن الناس من بسط الله بين يديه المال فيبسطه للناس وينفق عليهم، ومن الناس من أطلق الله لسانه بالقول فيتحدث في الناس وينصح فيهم، ومن الناس من آتاه الله عافية فيعين الخلق ويمد يده بالمساعدة، ومن الناس ومن الناس. هي قضية التفاوت: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: 71]، وتفاوتِ الأشخاص في مجالات إعانة الناس ومساعدتهم. فتح الله هذا الباب، ورب العزة يقبل من كل إنسان حسبما يستطيع ويؤدي.
الصيام لا يطلع عليه إلا الله
فالقاعدة الأولى عندي أن بين أيدينا ثوابتَ في رمضان تسمى الصيام وتسمى القيام، فكيف سيؤدَّيان؟ الصيام يؤدَّى بشكل فردي بطبيعته؛ لا يستطيع أحد في الدنيا أبدًا أن يعرف أهذا الإنسان صائم أم لا، مفطر أم غير مفطر، ممسك أم غير ممسك. رب العزة وحده هو الذي يعلم ذلك. ولذلك نرى في كلام رب العزة في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به».[5] وأهل العلم يتكلمون حول هذا الحديث قائلين إنه لله لأنه لا يطلع عليه إلا الله سبحانه، فهو وحده ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]، ما تُضمره النفوس وما تحويه القلوب وما تُسِرّه العقول من الأفكار. وقد عرفنا أنه حتى وإن كان الإنسان ممسكًا عن الطعام فقد يكون مفطرًا بنيّته. فالصيام والفطر مسألة لا يعرفها إلا الله، ولا يطلع عليها إلا الملك سبحانه جل في علاه. فنحن إذن أمام ثابت اسمه الصيام لا يطّلع عليه أحد إلا الله.
القيام: الأصل فيه الفردية
والثابت الآخر قضية القيام. والأصل في قيام الليل أنه عبادة فردية. ألا ترون الصحابي حين يقول: وقفتُ بجانب النبي ﷺ فوقفتُ خلفه، فأخذني ووضعني عن يمينه، فرجعت فأخذني ووضعني عن يمينه، ثم علّمني كذا.[6] كان النبي ﷺ يقوم الليل وحده، ولم ينادِ على الناس ليأتوا خلفه فيكون قيام الليل جماعة، اللهم إلا في رمضان، كما سبق أن ذكرنا، لبيان الجواز وإباحة فعل هذا الأمر بهذا الشكل، حتى لا يفعله الناس بعد ذلك مبتدعين، وإنما يفعلونه مؤتمّين بما أمر به رسول الله ﷺ.
فعندنا إذن صيام في رمضان وقيام في رمضان. وهل القيام في رمضان سيكون في المساجد أم لا؟ تتفرع هنا عدة أسئلة: كيف سنذهب إلى المسجد؟ لن نذهب إلى المسجد إلا أن يشاء ربنا شيئًا، ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾،[7] ورحمته وسعت كل شيء سبحانه. فالشاهد أننا لن نذهب إلى المساجد. كيف سنصلي التراويح؟ نصليها في بيوتنا.
أول ما انكشف: أين قرآنك؟
وهنا تنكشف سوءاتنا، وينكشف عندنا كمٌّ كبير جدًّا جدًّا من الخلل. لماذا؟ لأني أجد من يقول: يا شيخ، أنا لا أستطيع أن أصلي التراويح في البيت. لماذا؟ لأني لا أحفظ من القرآن إلا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]. فنتساءل هنا: كيف لا تستطيع أن تقرأ من القرآن إلا «قل هو الله أحد»؟ كم عمرك؟ فيقول: عمري ستون أو خمسون أو سبعون أو ثلاثون، أيًّا ما يكون. وأتساءل عن هذا العمر: هذا العمر في حياتك، ثلاثون سنة أو أربعون أو خمسون، لم تحفظ فيه من القرآن الكريم إلا سورتين أو ثلاثًا؟ هنا يأتي بيان الخلل وكشف السوءة.
كان الناس يذهبون إلى المساجد ليستمعوا إلى القرآن الكريم من السادة الأئمة الأعلام حفظهم الله. فيأتي سؤال آخر: هذه الأعوام كلها من الاستماع إلى الأئمة، وقد بسط الله عز وجل لنا الرزق في وسائل التعلم وأسبابه طيلة هذه الحياة، فلم تدرك من القرآن، ومما قرأه الأئمة، إلا هذا القدر؟ وكأننا كنا نذهب لنستمع فقط. والاستماع الذي يصاحبه تركيز يترك في العقل أثرًا. وأقسم بالله الذي لا إله غيره إنني لا أزال أذكر أن أبي كان يحدّث عن جدي أنه حفظ كثيرًا من سور القرآن الكريم سماعًا فقط من الراديو الذي خرج حينها كأنه شيء جديد في عالم القرى والنجوع والريف. حفظ من الراديو، من التكرار، ولم يكن عنده من يلقّنه ويعلمه القرآن الكريم، ولم يكن عندهم كل هذه التطبيقات على الآيباد أو الآيفون أو أندرويد وغيرها. أما نحن فقد بسط الله لنا الأرزاق وسخّرها، ومع ذلك لم نحفظ من القرآن الكريم ما يعيننا على أن نؤدي صلاة التراويح. فانكشفت لنا سوءة أولى، هي قضية القيام في رمضان: أداء هذه العبادة بكمٍّ من القرآن الكريم، أين قرآنك؟
طيب، عندنا بديل. عندنا بديل يتيح لنا فرصة أن نفتح المصاحف ونقرأ من القرآن الكريم في غير الفريضة، وهذه مسألة مفتوحة لن تجد عليها معقّبًا إن شاء الله في مثل هذه الأوقات.
ثم: أخشى أن أقرأ خطأً
ويخرج آخر فيقول: والله أنا لا أستطيع حتى أن أقرأ، أخشى أن أقرأ القرآن خطأً. كيف تخشى أن تقرأ القرآن خطأً؟ قلنا في الحفظ لعل الذاكرة لا تستوعب، أو إن الناس أرزاقهم في الحفظ متباينة، فكيف لا نستطيع حتى أن نقرأ القرآن الكريم؟
وقد عرفنا، بارك الله فيكم، أن علماء التجويد لما تكلموا عن حكم تعلّم التجويد ذكروا أن هناك تعلّمًا كفائيًّا، وهو تعلّم الأحكام بأسمائها ومسمياتها وصفات الحروف وما تستحقه، وأن ثَمّةَ تعلّمًا فرضه فرض عين على كل مسلم أن يتعلمه، مما يقيم به أصل قراءة الفاتحة التي لا تقوم الصلاة إلا بها، وما تقوم به صلاته من بقية السور التي يستعملها. فرمضان الذي يأتي هذا العام يكشف لنا سوءات متعددة، منها على سبيل المثال كمُّ التقصير الذي عندنا في حق كتاب الله تبارك وتعالى.
أبواب الجنة ليست للمساجد وحدها
يحدثنا النبي ﷺ أن من فضائل رمضان أن أبواب الجنة تُفتح.[8] فهل تُفتح فقط على المساجد ومن فيها، أم تُفتح للأرض ومن عليها؟ وأن أبواب النار تُغلق؛ فهل تُغلق إلا عمّن منع نفسه عن المعصية في أي موقع في الأرض كان؟ ولما حدثنا النبي ﷺ أن رمضان شهر يمنح الله فيه عطايا وخيرًا كثيرًا، وأن رب العزة يعتق فيه الرقاب من النار، فكل هذه مسائل ليست مرتبطة فقط برواد المساجد، وإنما هي مرتبطة بأصل القلب وعماد ما في العقل وما يرتكز في يقين المؤمن من ارتباطه بالله سبحانه، وممارسته أعمالَ دينه بالقدر الذي يسمح به جهده في حق رب العزة.
فنتحدث عن استقبال رمضان: إنه فضل شهر، والفضل والخير الذي يبسطه الله تعالى ويسوقه لكل خلق الله على حد سواء؛ فالمؤمنون ينالون فضل رب العزة الممنوح لأهل الإيمان، وبقية البشر قد ينالون من الخير الدنيوي الذي يبسطه الله عز وجل في الأرض. ويبقى بين أيدينا كيف نستطيع أن نقوم بحق الله عز وجل في رمضان. والجواب أن كلًّا منا سيصوم النهار وسيقوم الليل.
التراويح خلف الشاشة؟
وتأتي لنا في هذه المرحلة أسئلة، وأنا آسف أن أطرحها بين أيديكم الآن، فربما تخرج قليلًا عن سياق الحديث، لكنها من جملة ما نحتاج إليه: هل يمكن أن نؤدي صلاة التراويح خلف المذياع، أو خلف الإنترنت، أو خلف صفحة الفيسبوك، مع المشايخ الذين يؤدون صلواتهم في مساجدهم؟ أقف مع هذه المسألة وأتساءل، وربما لا يروق هذا الكلام للكثيرين، لكنه عصف ذهني فقط، نفكر معًا بصوت عالٍ. لم نرَ أحدًا من أهل العلم المعتمدين إلى الآن أباح ذلك بأي شكل من الأشكال، وعندنا من التعليقات على هذه المسألة أسئلة كثيرة جدًّا.
منها أن قضية المسجد، أو الإتيان إلى صلاة الجماعة، الأصل فيها اشتراك الناس في موطن واحد. والناس لما تكلموا عن المتابعة قالوا: نستطيع أن نتبع الإمام ونحن نراه ونسمعه. فنقول: لما قال النبي ﷺ في هذه القضية: «من غدا إلى المسجد أو راح»،[9] فعندنا غدوٌّ ورواح؛ ناس رائحة وناس جائية، فهناك انتقال حقيقي حسّي إلى المسجد حتى نشارك في صلاة الجماعة. فيقول البعض: يا شيخ، الله يرضى عليك، نحن في الحرم ونكون في الفندق ونصلي خلف الإمام، والمسافات هناك قريبة، والمشاهدة والحضور حقيقيان حتى في الفندق لمن لا يستطيع، أو أراد أن يخرج والدنيا مزدحمة. فهناك ما يسمى باتصال الصفوف، وهناك ما يسمى بالاستثناء الذي إذا عُمِّم لن نستطيع أن نغلق هذا الباب أبدًا بحال من الأحوال.
فكيف نستطيع أن نتجاوز هذه النصوص النبوية؟ ثمّ أناس تخلفوا عن صلاة الجماعات التي كان يحضرها رسول الله والمسلمون معه، فأراد ﷺ أن يخرج إليهم فيحرق عليهم بيوتهم، لأنهم امتنعوا عن الصلاة.[10] أما إذا مُنعوا عن الصلاة فلديهم ذلك العذر الذي يحول بينهم وبين الإتيان إلى المسجد. وكما أخبر النبي ﷺ أنه في زمن الطاعون من حبس نفسه في بيته حفاظًا على نفسه وحفاظًا على الناس من نفسه فله أجر شهيد، حتى ولو لم يمت في هذا الطاعون.[11] وكذلك حدثنا النبي ﷺ أن من حُبس عن طاعة اعتادها فإن الله تعالى يعطيه أجرها كاملًا غير منقوص.[12] والشواهد على ذلك في سنة النبي ﷺ كثيرة.
لماذا هذه الدوّامة؟
فيبقى بين أيدينا الآن: هل يجوز أن نصلي خلف المذياع؟ أتساءل: أين بيتك؟ فيقول: بيتي هنا في المكان الفلاني. وأين الإمام الذي ستصلي خلفه؟ في المنطقة الفلانية. بيني وبين الإمام مدينة كاملة، بل مدن! طيب، أين بيتك هنا، وأين مصلى الإمام هنا؟ كيف تقف أمام الإمام وتصلي؟ أنا أصلي خلف التلفاز! هل نحن مضطرون إلى هذه اللخبطة؟ هل عندنا اضطرار إلى مثل هذه الاستثناءات الخارجة عن المعقول؟
وأنا لا أتكلم الآن بنوع من التقيد أو الجمود الفكري، بل بالعكس، أتمنى أن تنفتح بين أيدينا وسائل تيسّر على الناس، لكن من الذي يستحق أن يُيسَّر عليه؟ وأنا دائمًا أتكلم عن التيسير في وقت الشدة. فهل نحن في وقت شدة؟ نعم، كورونا فايروس، الموسم الوبائي الموجود. لكني لا أتكلم عن هذا، أتكلم عن العبادة: أمرني ربي سبحانه أن أصلي، ثم سنّ لي رسول الله ﷺ أن أصلي في المسجد، ثم سنّ لي رسول الله ﷺ، إذا لم أستطع أن أصلي في المسجد، أن أصلي في البيت. فهل أنا في أزمة؟ لست في أزمة، لأني سأصلي. ولكن الأمر الوسط هو الذي لن يكون موجودًا. فسأصلي في البيت، وليست عندي مشكلة، إذن فبدائل الإسلام المتاحة لي من رسول الله ﷺ أني سأصلي في البيت بأمره. لكن هل يمكن أن أصلي خلف مذياع أو خلف وسيط للفيسبوك أو غيره؟
أنا الآن أُذيع على الفيسبوك على الصفحة الخاصة، ومتأكد أن الكلام الذي أقوله الآن سيصل إلى الناس بعد عشر ثوانٍ أو خمس عشرة ثانية على الأقل. وفي هذه الحركات: الله أكبر، سمع الله لمن حمده، الله أكبر، فربما مع بطء الإنترنت عند بعض الناس يكون الإمام ساجدًا والمأموم خلفه لم يزل واقفًا، فينتقل الإمام حركتين دون أن يلحق به المأموم، فتبطل به صلاة الجماعة عند بعض الفقهاء. فما الذي يحملنا على أن ندخل في هذه الدوامة؟ فقط لمجرد متابعة الإمام!
ثم المتابعة عبر الفضائيات، وتعلمون، حفظكم الله، وأنتم جميعًا حضور معنا الآن على برنامج زوم، الأخوات (أعزكنّ الله ورضي عنكنّ جميعًا يا رب العالمين)، سؤال الآن: من منكن لا تصلي في البيت وولدٌ من أولادها يصنع مسألة أو «دوشة» في الحتة الفلانية، أو ينادي: ماما، فين الشرابات اللي مستخبية في الحتة الفلانية؟ فتوشك الأم أن تقول: بس لحظة بس يا ربنا، عندك في الدرج اليمين، الله أكبر، وكمّلنا. هذا على سبيل المثال، فإذا كنا سنأتم بالأئمة في البيوت فعندي مشكلة ثانية.
حضرتك، عندنا عدد من نماذج المشايخ أصحاب الأصوات الجميلة في المنطقة؛ واحد يقول: أنا أحب أصلي وراء أحمد، فيركب عربيته ويذهب يصلي وراء أحمد، وواحد ثانٍ يقول: لا، أنا سأصلي وراء رمضان، فيركب عربيته ويذهب يصلي وراءه. واليوم نحن موجودون في البيت، وأنا عايز أصلي وراء الشيخ أحمد، وحضرتك عايزة تصلي وراء الشيخ رمضان. طيب، نعمل إيه في هذه المشكلة؟ مَن فينا سيصلي وراء مَن؟ هل سنصلي في مكان واحد، أم سنتوسع، فيدخل كلٌّ منا بيته أو غرفته أو مكانه الخاص ليصلي خلف إمام يعجبه أن يصلي وراءه؟ وهل استطعنا أن نجمع الناس في البيت الواحد على صلاة، إذا لم نكن نستطيع أن نجمعهم في مصلًّى واحد؟
لقد أمرنا الله أن نأتي المساجد لغاية عظمى: أن نجتمع ونتساءل ونتشاور فيما بيننا ونتكلم، ويحصل بيننا ذلك اللقاء. فإذا مُنعنا عن المساجد بعذر شرعي يقبله رب العزة سبحانه، فالأصل أن نبقى على التزامنا بما سنّ لنا رسول الله ﷺ من البدائل. قضية التواجد في المساجد مسألة معتبرة شرعًا، لكن اتباع المساجد عبر الفضائيات في الصلاة هذه مسألة لا تزال تقف في حلقي، لا أستطيع أن أستسيغها إلى الآن. لا أحجر على أحد ولا ألزم أحدًا بما أتكلم به، لكنه محض قراءة للموقف وتفكير فيه.
وهل نبثّ التراويح؟
يبقى الأمر الآخر: هل يمكن أن نبثّ صلاة التراويح لمن أراد أن يتابعها؟ فلا بأس أن أفعل ذلك، لكني أبثها لمن؟ للناس حتى يتابعوني؟ هل ألزم الناس أن يبقوا في بيوتهم بدون صلاة حتى يشاهدوا صلاتي ويتفرجوا عليها؟ ما اتفقنا أنهم لما أبثّ الصلاة، لايف ستريم، سيتابعونني، فيبقون جالسين ينظرون: هاه، يقرأ أين؟ أما إن كان الأمر قاصرًا على من يعجز عن إتيان الصلاة، أو من يحب أن يتأخر في الصلاة ويفتح المصحف ليتابع مع الإمام ما يقرؤه، فلا بأس في ذلك. ويبقى السؤال: هل المصلحة هنا أكبر أم المفسدة أكبر؟ وهي قضية ترتبط باختلاف المجتمعات فيما بينها، ويحكم في كل واحدة منها كل إمام في مسجده بما يعلم من أمر جاليته.
وعرضت لنا مسألة أخرى ونحن نناقش مسألة الصلاة خلف البث مع السادة العلماء حفظهم الله جميعًا: أن يقول أحدنا مثلًا: عجبني أن أصلي وراء شيخ معين في نيوجيرسي أو نيويورك، فيبقى فرق التوقيت، ويبقى اختلاف الإمام مع مأمومه في أحواله، إلى آخر ما يمكن أن نتحدث عنه بإذن رب العالمين.
اصنعوا إمامًا في البيت
وعندي مسألة أخرى هي مسألة الأدوار المطلوبة داخل رمضان، داخل البيوت. ما الذي سنفعله حقيقة؟ قضية جمع الناس على فعل واحد مسألة في غاية الأهمية. هل لديكم إمام في البيت أم ليس لديكم إمام في البيت؟ بسم الله، إذا لم يكن لديكم إمام في البيت فاصنعوا إمامًا في البيت. بمعنى أن يكون أحد الأبناء يؤذّن للصلاة، وأحدهم يقيم الصلاة، والآخر إمامًا لهذه الليلة، وأن يكون الثالث أو الثاني أو الأول، أو هو نفس الشخص، هو الذي يؤمنا في هذه الصلاة، حتى وإن كانت قصيرة أو بسيطة، ثم يعطينا خاطرة أو يتحدث فينا بموعظة.
وربما أراد الله تبارك وتعالى أن نتأدب ونحن نتعامل مع المساجد حين يحبسنا عنها حبسًا كاملًا، لعل الله عز وجل أراد أن يعيد إلينا قيمة هذه البيوت لله سبحانه في حياتنا. تعلمون أننا كثيرًا ما ندعو الناس أن يتبرعوا للمساجد وأن يعطوها أموالًا، ويدّخر الناس، حتى ظهر عندنا في مصر مثل ظريف جدًّا يقول لك: «اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع». وأنا دائمًا أقول إن بيوت الله تعالى أولوية أولى، وكنا ندّخر عنها لا لها. فالآن نشعر بقيمتها ونتمنى لو بذلنا الكثير والقليل في مقابل فقط أن تُفتح. لكن رب العزة سبحانه يريد أن يعلمنا الأدب.
أم موسى: المحنة التي حملت المنحة
تعالوا بنا، حفظكم الله، لننظر إلى مسألة كيف تكون المنحة في المحنة. وأنا أتكلم الآن مع الأمهات: تخيلي أنك أُمرتِ أن تلقي ولدك في اليمّ، أن تلقيه في البحر. ومن التي ابتُليت بذلك؟ أم موسى عليه السلام، أُمرت أن تلقي بابنها في اليم. تخيلوا حال الأم وقلب الأم وهي تمسك بولدها في يدها وتلقيه في التابوت ثم في اليم، يعني ستضعه في صندوق صغير، يا دوب، الله أعلم ما الذي ستفعله به الأمواج، وتضعه في الماء، تخيلوا، ستضعه في الماء والماء سيأخذه ويمضي. أنا أترقب هذا المشهد وأنظر إلى وجيب قلب هذه الأم وهي تلمح ولدها، كيف تجرؤ أن تضعه في هذا الوعاء، ثم يبدأ الوعاء في الحركة وقلبها يخفق. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا﴾ [القصص: 10]. والمسألة مهمة جدًّا، متعلقة بقضية القلب؛ فثبّت رب العزة قلبها. تأملوا كيف كانت المحنة التي وُضعت فيها هذه المرأة في ذلك التوقيت، وكيف بها لو لم تضع ولدها في اليم.
فعندنا والله منحة كبيرة جدًّا أن أبناءنا في أحضاننا، خلّيه في حضنك. ثم يأتي جنود الملك ليأخذوه أو ليقتلوه، كما كانوا يفعلون: يستحيون النساء ويقتلون الأطفال أو الأبناء. فكانت محنة عظيمة جدًّا لهذه المرأة المسكينة التي أُمرت أن تلقي بولدها في التابوت ثم في اليم: اقذفيه في اليم. ثم بعد ذلك يمضي هذا التابوت، أو هذا الوعاء الصغير، حتى يبلغ قصر فرعون. يعني نحن الآن الأم ترمي التابوت في اليم وتقول: يا رب، يا رب، الماء يمشي به إلى أي ناحية بعيدة عن جنود فرعون، لا عن فرعون وحده، بل بعيدًا عن جنود فرعون. فإذا بالتابوت يأخذه ويذهب به مباشرة إلى معقل من يصدر الأوامر بقتل الأطفال. فإذا ورد هذا الطفل على هذا القصر في هذه الظروف، فإن الهلكة مؤكدة بنسبة مئة في المئة، لا شك في ذلك. وسيأتينا خبر هذا الولد بعد حين، لكن رب العزة سبحانه يدبّر للخلق ويدبّر للعباد.
وكم من مرة يشعر الأولاد في البيت، كم من مرة يشعرون، أنهم في محنة عظيمة جدًّا لا يستطيعون النفاذ منها بحال من الأحوال، ولكن أباهم أو أمهم يرتبون أمورهم بشكل يخرجهم من الأزمة. يشعر الأولاد بأننا في محنة، ليس هناك مصروف، ليس هناك نفقات كبيرة، ليس هناك الطعام الذي ندّعيه، لكن ما يُخرجه الأب أو الأم من المخزون الذي يعلمان وجوده ولا يعلمه الأولاد يجعل العيال يمرون بالأزمة مع شيء من العسر، لكنهم يمرون منها إلى انفتاح كبير بعد ذلك.
ولو تخيلنا حجم المأساة التي كانت فيها المرأة حين ألقت ولدها، ثم كيف كان موسى بعد ذلك، لأدركنا أن المنحة إنما أتت من محنة كانت عظيمة جدًّا. وقد حرّم الله عليه المراضع، فجاءت أخته فقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ [القصص: 12]، ثم قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ…﴾ [القصص: 13]. فحقق الله تعالى لها العلم بعد قليل من الأيام أو الأسابيع، إن صحت المعلومات، فالوقت قليل: قد تكون ساعات، قد تكون أيامًا، ولا يُعقل أن تكون أسابيع. قالت لأخته: قصّيه، فتتبّعته الأخت، ورأت ما يكون، فقالت: هل أدلكم على أهل بيت؟ فجاءت المرأة لترضعه فرضع، وانتهى الأمر، وأصبح الولد في أحضان أمه، لا تستطيع أن تفصح أنه ولدها، لكن على الأقل تراه ليل نهار وترضعه بنفسها ويبقى أمام عينها، وصارت هي المرضعة. لا بأس في ذلك.
يعقوب ويوسف: محنة تفتح بابًا للعالم
لكن كيف كان حال يعقوب عليه السلام حين لم يعلم أين ذهب ولده، ولا من أخذه، ولا ما مصيره، ولا إلى أين ذهب؟ والله كان أمر أم موسى أهون. هذا رجل يكاد يجن، سبحان الله، أنّى له أن يعرف أين ذهب ولده، في عالم الصحراء الموجود في ذلك التوقيت، والإمكانات محدودة جدًّا بمنتهى البساطة، والأرض كلها كذلك؟ أين ذهب الولد؟ لا يستطيعون إدراك أين ذهب الولد. والإخوة قد رتبوا أمورهم، وهو يعلم أن إخوته قد رتبوا قتله، وجاؤوا على قميصه بدم كذب، ويعلم ما حصل بالفعل لولده من أنه قُتل أو ذهب.[20] ولكن يقينه في الله تبارك وتعالى يبقى متعلقًا.
لو لم تكن هذه المحنة في حياة يعقوب عليه السلام، هل كنا سنرى هذه المنحة؟ ليس فقط لبيت يعقوب، وإنما لبيت يعقوب ولإخوة يوسف ولمصر كلها وللعالم المحيط كله. لقد كان من خلال هذه المحنة أن جاء هؤلاء الناس فأخذوا ذلك الولد بعد أن أدلى أحدهم بدلوه، فأخرج معه يوسف عليه السلام فانتقل به إلى مصر فبيع. ثم يذهب أيضًا إلى قصر العزيز ليتعلم هناك كيف تكون إدارة شؤون الحكم وتدوير أمور الدولة، ثم يكبر بعد ذلك.
وكيف كانت محنة يوسف عليه السلام ذاته، عندما كان يدافع عن العفة والشرف، ومع ذلك أُلقي في السجن بضع سنين أو عددًا كبيرًا من السنوات، الله تعالى أعلم كم كانت، ولا يستطيع أن يمنع خيره عن الناس، ولا يستطيع أن يحبس أنفاس الألم التي يتألم بها مع ذلك الظلم البيّن من هؤلاء الناس: ﴿بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ [يوسف: 35]. خلاص، ليريحوا أنفسهم منه، يرمونه في السجن، والمعتقلات مفتوحة واسعة للناس كلها. ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: 36]، إلى آخر ما تقول القصة كما رواها لنا رب العزة سبحانه. ثم كيف كانت النتائج؟ كان السجن سببًا مباشرًا للصعود على العرش، وكان الإلقاء في اليم، في البئر، السبب المباشر في ذهابه إلى هذا القصر الأول. فمن قصر إلى سجن إلى قصر أعلى، تتداول الأمور بين أيدينا.
أُحُد: الخلل فينا
وكم كانت المحنة التي عاشها المسلمون في غزوة أحد، حين لم ينتصروا على أعدائهم! ورب العزة سبحانه يقول: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152]. إن ثَمّةَ خللًا في نفوسنا نحن، إذا أصلحناه أصلح الله لنا الحياة كلها.
لو اعتبر كل واحد منا نفسه كأنه جهاز الكمبيوتر هذا، أو هذا التليفون، وأن فيه عطلًا داخليًّا، فإذا صُلح هذا العطل استطاع هذا الجهاز أن يتصل بالسماء، فتحصل فيه الإشارة أو الإرسال المباشر،[21] فيستطيع أن يتواصل ويدخل على يوتيوب ويفعل ما شاء، بشرط أن يُصلَح الخلل الموجود في داخلنا. إن ثَمّةَ خللًا قد اطلع الله عز وجل عليه فينا، فأراد لنا أن تتوقف معالم الحياة إلى أن نصلحه لنخرج إلى الدنيا مرة أخرى من جديد. والمريض الذي يحصل له خلل في ذاته يحبسه الأطباء في غرفة الإنعاش حتى يسترد عافيته كاملة، فإذا ما خرج إلى الحياة خرج إليها أقوى وأقدر على أن يصنع ما لم يكن يستطيع فعله قبل ذلك.
قدرنا أمام قدرة الله، وقيمة الحياة
أراد الله عز وجل أن يوقف لنا الحياة كلها حتى نتعرف على قدراتنا الحقيقية أمام قدرة رب العزة سبحانه. فثمة ما لا يُرى بالعين المجردة، ولا يستطيع العالم أن يتعرف على حقيقة نموّه وتطوره المفاجئ بدون أي مقدمات، وهذا الذكاء الموجود عنده كما يدّعون، أمام القدرة البشرية. لا، هناك من هو أقوى منك، حتى ولو كان غير مرئي لك. أراد رب العزة أن يعرّفنا قيمتنا الحقيقية في هذه الدنيا.
ثم أراد أن يعرّفنا قيمة الحياة في ذاتها. فحين تكون حدود حريتي هي حدود البيت، فما هي قيمة الحياة إلا أن أخرج من هذا البيت؟ فتتغير مفاهيم الطموحات في حياة البشر. كنا نرتع في الأرض ونفعل ما نشاء، فلما وصلت الأمور إلى هذا الحد الذي نحن فيه، ونرى الخوف من أن يلمس أحدنا أخاه، وبعض الناس يتكلمون معي ويقولون: أنا أخاف أن ألمس زوجتي، أو أخشى أن يأتي الأولاد فيحتضنوني،[22] حالة من حالات الرعب، عرفنا قيمة الحياة: إنها في الدفء الأسري، وفي العلاقات المتضمنة للخير بين الناس. وعرفنا أن تطلّع الأعين إلى الخارج لم يعد مفيدًا لأنه لن يأتي بنتيجة أصلًا، وعرفنا أن القلوب ما ينبغي أن تتعلق بشيء دنيوي لأنها قد تُحبس عنا أو نُحبس عنها، لا ندري ما الله تعالى صانع بنا. فعرفنا قيمة أنفسنا، وعرفنا قيمة الحياة الدنيا في ذاتها، وأدركنا: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.[23]
أن يخلو الإنسان بنفسه
ثم انطلقنا إلى أمر آخر في غاية الأهمية، هو أن يخلو الإنسان بنفسه فيدرك كم كان عاصيًا لله سبحانه وتعالى. وهل أنا على أبواب الموت مثلما مات فلان وفلان وفلان؟ هل عليّ الدور، ولا إيه الموضوع؟ الله أكبر! فيخاف ويخشى، ويراجع حساباته مع نفسه ويستغفر الله تعالى من كل ذنب فعله. كتبتُ بوستًا منذ عدة أيام: ترقّب الموت كترقّب الصبح، ما أنت عارف مَن منهما جاي أول؛ لا تدري أيأتي الصبح أولًا أم يأتي الموت. وقد تعلمنا ذلك من النبي ﷺ، لكننا ما كنا ننتبه له، لما كان يقول ﷺ: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح».[13] من غير كورونا ولا حاجة، من غير فيروس ولا غيره، كان ذلك شعار النبي ﷺ. «الموت أقرب إلى أحدكم من شراك نعله»،[14] لا من أن الفيروس يدخل وأروح المستشفى وأقعد على الجهاز يومين أو ثلاثة وبعدين يقولوا: فلان مات.
عرفنا أن الموت لا سبب له. أحد إخواننا في نيويورك، يعلم أن بعض الناس مرضى، فيأخذ جهاز التنفس ويذهب إليهم، فهم يُعافَون بفضل الله وهو يموت بعد ثمانٍ وأربعين ساعة، شخص قوي ما شاء الله. الله أكبر! ما الذي يحدث في عالم الكون؟ فعرفنا قيمة أنفسنا أمام قدرة رب العزة سبحانه، وتعرّفنا على قيمة الدنيا في ذاتها، وتعرّفنا على أن لنا أخطاء يجب أن نتوب منها.
مراجعة الحسابات
قضية مراجعة الحسابات، أخواتنا وإخواننا الكرام: مراجعة الحسابات فيما بيننا وبين أزواجنا، فيما بيننا وبين عيالنا، فيما بيننا وبين أهدافنا الدنيوية التي نسعى لها. مراجعة الحسابات: أنت عايز إيه من الدنيا؟ نحن عايزين إيه بالضبط؟ ما الذي يمكن أن نأخذه؟ لو تخيلنا الآن أن أحدنا يملك مليون دولار في مكان لكنه لا يستطيع أن يخرج من بيته، مش قادرين، مليون دولار، بس لا نقدر أن نشتري، أعزكم الله، ورق للحمام مثلًا!
الخلاصة
فمرة أخرى نعود: رمضان بين أيدينا، ثوابته صيام وقيام وذكر وتسبيح لله سبحانه، وقيام لرب العزة، وذكر لله عز وجل. هذه الثوابت الموجودة في حياتنا، وقد قصّر الله سبحانه الحياة الدنيا، والمطلوب مني جهدٌ بشري في هذه الدنيا.[24] وننتقل إلى أمر آخر: المتغيرات في هذه الحياة هي ما يأتي به الله، لا ما تأتي به الأحداث ولا ما يأتي به الزمن، وإنما ما يأتي به الله تبارك وتعالى. وبقدر يقينك في الله عز وجل تستطيع أن تعبر.
أسئلة الحاضرين
ثم انتقل المحاضر إلى الأسئلة التي وردت أثناء اللقاء.
حكم قراءة الحائض للقرآن الكريم في رمضان. قال: نحن نتكلم في هذه المسألة، وعندنا فيها رأي يقول: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]، إن المراد به المطهَّر طهارةً كاملة من الناس، وهؤلاء يشترطون لقراءة القرآن الكريم ولمس المصحف الوضوء الكامل والتطهر التام. وبعضهم قال: لا يمسه إلا المطهرون، المراد بهم الملائكة، ومن ثَمّ أباح. لكن القراءة في ذاتها القول فيها أيسر من قضية مسّ المصحف. فلا بأس أن تقرأ الحائض القرآن الكريم كنوع من الذكر لله سبحانه في رمضان، ولا تُحبَس عن الخير المراد لها بإذن رب العزة. وهذا أيضًا من باب التوسيع والتفريج عن الناس في مثل هذه الأحوال إن شاء الله.
لماذا أجد صعوبة في أداء النوافل والتوقف عن فعل المعاصي؟ قال: نحن نتكلم الآن عن شيئين يتزاحمان في القلب: فعل المعاصي يحتل مكانًا كبيرًا في القلب، فلما تأتي النوافل لا تجد مكانًا تدخل فيه. فلا بد من التوبة حتى نستطيع أن ندمج معها النوافل، أو أن نقول: لندع النوافل تتزاحم مع المعاصي الموجودة حتى تغلب عليها. ويأتي الرجل، أو الشاب، إلى النبي ﷺ فيقول: يا رسول الله، دلّني على عمل لا أعمله، فيقول له: لا تكذب،[15] خلاص، فلا يكذب، فإذا هو يترتب عليه أنه لا يكذب، ثم لا يزني، ثم لا يسرق، ثم لا يفعل كذا. فاستعيني بالله سبحانه فيما تعجزين عنه، واسألي الله سبحانه أن يعينك على فعله. فإذا لم تستطيعي أن تكثري من فعل النوافل فابدئي بالمرحلة الأولى، وهي الإكثار من الدعاء لله سبحانه أن يعينك، فإن «من داوم قرع الباب يوشك أن يُفتح له»، ومن أدام الطلب من رب العزة لبّى له الله عز وجل.
الصلاة خلف إمام صغير في العمر لا يتقن القراءة كما يجب: هل تُقبل؟ قال: عندنا السادة الأحناف يجيزون الائتمام بالصبي المميز،[16] فإن كان الصبي يدرك ما يفعل فيجوز الائتمام به بإذن الله، حتى ولو لم يكن قادرًا على القراءة التامة، لكنها فرصة لتشجيعه وتعليمه. ولا بأس أن نربطه بأحد الأئمة أو المشايخ أو معلمي القرآن فيضبط له حركة القرآن الكريم. والأولاد، كما تعلمون، إنما ينجذبون إلى كل ما هو محفز لهم، فيمكن أن نصنع لهم مكافأة في آخر الشهر: إذا استطعت أن تحفظ مثلًا هذا القدر، أو أن تقرأ بهذه الطريقة، أو أن تتعلم من الشيخ فلان، أو يقول الشيخ إنك الآن تستحق، فآتيك بهذه الهدية.
ختام
وبعد أن أجاب عن الأسئلة، قال: هذا ما أراه والله أعلم. وأنا أعتذر إن كنت قد أطلت عليكم، حفظكم الله ورضي عنكم، وأرجو أن تجعلونا في دعائكم. ثم ختم بالسلام عليكم ورحمة الله.
--- [1]: توثيق المحرر: رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». أما زيادة «وما تأخر» التي قالها المحاضر فليست في رواية الصحيحين، وقد أثبتناها هنا كما قالها. [2]: توثيق المحرر: ذكر المحاضر «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم» في سياق الحديث عن الصيام والقيام ولم يتم الآية، وتمامها ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. [3]: توثيق المحرر: يشبه ما رواه أبو داود والترمذي: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة»، وقد ساقه المحاضر بالمعنى. [4]: توثيق المحرر: «أروا الله من أنفسكم خيرًا» جزء من خطبة النبي ﷺ في استقبال رمضان «أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك»، وفي إسنادها مقال عند أهل الحديث، فيُراجع قبل الاحتجاج بها. ولم يعزه المحاضر. [5]: توثيق المحرر: رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه، وقد ساقه المحاضر بالمعنى. [6]: توثيق المحرر: الظاهر أنه حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قيامه إلى جنب النبي ﷺ وإدارته له إلى يمينه، وهو في البخاري ومسلم؛ ولم يسمّ المحاضر الصحابي. وأما صلاته ﷺ التراويح جماعةً ليالي ثم تركها خشية أن تُفرض فحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين، ولم يعزه المحاضر. [7]: توثيق المحرر: تكررت الجملة في القرآن، ومنها الأعراف: 89 وطه: 98، ولم يحدد المحاضر الموضع. [8]: توثيق المحرر: رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة وغُلقت أبواب النار وصُفّدت الشياطين»، ولم يعزه المحاضر. [9]: توثيق المحرر: يشبه حديث «من غدا إلى المسجد أو راح أعدّ الله له في الجنة نُزُلًا كلما غدا أو راح» (متفق عليه من حديث أبي هريرة)، وقد اكتفى المحاضر بالإشارة إلى لفظ الغدو والرواح. [10]: توثيق المحرر: يشير إلى حديث الهمّ بتحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة (البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه)، وقد ساقه المحاضر بالمعنى. [11]: توثيق المحرر: يشبه ما رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها في الطاعون «فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا ... إلا كان له مثل أجر الشهيد»، وساقه المحاضر بالمعنى. [12]: توثيق المحرر: يشبه ما رواه البخاري من حديث أبي موسى رضي الله عنه: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا»، وقد ساقه المحاضر بالمعنى. [13]: توثيق المحرر: رواه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولم يعزه المحاضر. [14]: توثيق المحرر: نقل المحاضر العبارة هكذا، ولم أتبيّن أن هذا لفظ حديث بعينه؛ والمروي في البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك»، فيُراجع. [15]: توثيق المحرر: القصة بهذا الشكل (قول النبي ﷺ «لا تكذب» لمن طلب عملًا) تُروى في الرجل الذي سأله أن يدله على ما يتركه، وقد ساقها المحاضر بالمعنى ولم يعزها، فلم أتحقق من أصلها بهذا اللفظ؛ فتُراجع قبل الاعتماد عليها. [16]: توثيق المحرر: نسب المحاضر هذا القول إلى الحنفية، والمعروف في المذهب الحنفي أن إمامة الصبي للبالغين في الفرض لا تصح، وأن الذي يجيزها في الجملة الشافعية؛ فتُراجع نسبته قبل الاعتماد عليها. والتراويح والنفل قد يكون لهما حكم غير الفرض عند بعض الفقهاء. [17]: توثيق المحرر: لم ينطق المحاضر بالنداء، وتمام الآية ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]. [18]: توثيق المحرر: ساق المحاضر هذه الجملة موصولةً بالآية كأنها منها، وليست تمام الآية؛ وتمامها ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾ [طه: 3]. [19]: توثيق المحرر: في التفريغ «سياو اليه»، وهو مشوّش، وهذا أقرب معنى له. [20]: توثيق المحرر: هكذا في التفريغ، وظاهر القصة القرآنية أن يعقوب عليه السلام لم يُخبَر بما صنع إخوته، وقد قال لهم ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: 18]؛ فيُراجع بسماع الصوت. [21]: توثيق المحرر: في التفريغ «السجن»، ولعلها «السيجنال»، وهو غير مجزوم به. [22]: توثيق المحرر: في التفريغ «فيح ونون»، وهذا أقرب معنى له. [23]: توثيق المحرر: لم يذكر المحاضر موضع الآية، ولفظها في [آل عمران: 185] و[الحديد: 20]. [24]: توثيق المحرر: عبارة التفريغ هنا مضطربة («قصر الحياة الدنيا المطلوب مني كجهد بشري»)، فصيغت بحذر.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.