﴿حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ﴾: ثمن الجنة ابتلاء يتكرر
﴿حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ﴾: ثمنُ الجنة ابتلاءٌ يتكرر، وبذلٌ يشمل العقل والقلب والبدن والمال
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 6 أكتوبر 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
في قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾[1]. هذه الآية حقيقةٌ تحدّد لنا مجموعةً من المشاعر، إذا استوعبناها أدركنا أبعاد السنن الإلهية لله عز وجل في خلقه وكونه.
سؤالٌ للراغبين في الجنة
السؤال مطروح للراغبين، أما غير الراغبين فلا حوار معهم أصلًا؛ فنحن نكلّم من يريدون دخول الجنة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، فما الثمن؟ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم﴾؛ أي إن أناسًا قبلكم مرّوا بما تمرّون به. وإذا كان الأمر كذلك فنحن أمام تجربة مُعادة؛ فالأحداث الموجودة في غزة أو في غيرها، في أي موضع من الأرض، أحداثٌ مكرّرة.
وأقرّب ذلك بمثال: أنت تجلس أمام مباراة كرة قدم تُعاد، وأنت تعلم أنك تشاهدها للمرة الثانية أو الثالثة، ثم ترى رجلًا منفعلًا جدًّا أمامها، فتقول له: على رِسلك، أنت تعرف النتيجة؛ ستنتهي بالتعادل مثلًا، فلماذا هذا الانفعال؟ ولماذا تشاهد المشهد نفسه مرة ثانية وثالثة؟ إما أنه يضيّع وقته، وإما أنه يتعلم التكتيك والحركات. وإن كان هناك مدرّب بارع فإنه يُحضر المباريات القديمة التي كانت فيها إنجازات عظيمة ويعرضها على لاعبيه. وهذا ينطبق على كل المجالات: على من يتعلم الهندسة، ومن يتعلم الحسابات، وغيرهم. فنحن عندنا مشهدٌ في غزة قد تكرّر من قبل، فاسمع الآية مرة أخرى.
«مستهم» و«البأساء والضراء» و«زُلزلوا»
﴿مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾: ما دلالة كلمة «المسّ»؟ نحن في مواضع كثيرة نتكلم عن مسّ الرجل للمرأة: هل يوجب الوضوء أم الغسل؟ ونتكلم عن دلالات الفقهاء في لفظ المسّ، فبعضهم يقول هو مجرّد اللمس، وبعضهم يقول دلالته الجماع. وهذا مجرد مثال أقرّب به المفهوم، لكنه يدل على التصاق الأجساد بعضها ببعض. فكأن البأساء والضراء التصقت بهم التصاقًا فلم تفارقهم حتى ينجلي الأمر.
وكلمة «البأساء» شديدة في وقعها على النفس، فإذا أُلحقت بها كلمة «الضرّاء» فإن هذا البأس الذي أصابهم لم يمرّ مرورًا عابرًا. ألا ترى أن شخصًا قد يصطدم بشيء فيقال له: هل أنت بخير؟ فيقول: الحمد لله، مرّت سليمة. وآخر يصطدم الاصطدام نفسه فيسيل دمه ويُجرح ويصير في مشكلة؟ وأحيانًا يكون الاصطدام نفسه على قدرٍ واحد، فتُصيب أحدَهم عاهة مستديمة، نسأل الله السلامة.
﴿وَزُلْزِلُوا﴾: اسمع هذه الكلمة؛ إنها زلزلة من الداخل. تخيّل إنسانًا يُبتلى بموقف تحدث له فيه زلزلة داخلية فينهار من داخله. ما أجمل هذا التشبيه وما أعبره عن حال مجموعة من الناس في مرحلة من مراحل الاختبار القوي جدًّا بالنسبة لهم.
«متى نصر الله؟»
ثم يقول ربنا: ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾. تصوّر نفسك في موقف تقول فيه: متى يا رب، متى ترفع عني هذا؟ أليس هذا حال أطفال غزة مثلًا؟ أو سجينٍ مظلوم، والعياذ بالله، يُساء إليه ويُسام سوء العذاب في سجنه، فيقول: يا رب، ولو إلى الجنة، حتى لو متُّ، لكن أخرجني من هنا. تأمّل من الذي يعبّر بهذا التعبير في هذا الموقف الذي بين أيدينا: ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ﴾.
أليس الرسول، صلوات الله عليهم أجمعين، أعلى الناس مقامًا في اليقين بالله، والفهم عن سنن رب العالمين سبحانه وتعالى، والإيمان بموعود رب العزة سبحانه؟ وفي الآيات تعبيرٌ بلفظ «النبي» وتعبيرٌ بلفظ «الرسول»، فما الفرق؟ الرسول يحمل رسالة ويعلم أن لها تبعات في تبليغها، فالقضية بالنسبة له مسلَّمة من البداية، منذ العهد الذي أخذه الله عليه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾[7]، ومنذ نزول الوحي إليه، وهو يعلم أن في الأمر ثمنًا.
ورقة بن نوفل وإخراج النبي ﷺ
تذكرون قصة النبي ﷺ لما التقى بورقة بن نوفل، ابنِ عمّ السيدة خديجة، وعرض عليه ما رأى، فقال له ورقة ما معناه: ليتني أكون فيها جذعًا حين يُخرجك قومك. أي: يا ليتني أكون شابًّا قويًّا فأدافع عنك حين يأتي الوقت الذي يُخرجك فيه قومك من مكة إلى غيرها. فنظر إليه سيدنا النبي ﷺ متعجبًا: أَوَمُخرِجيَّ هم؟ أيبلغ الأمر هذه الدرجة، وتصل العداوة إلى أن يُخرجوني؟[2]
وأقرّب لك الصورة: قد يكون لك جارٌ بينك وبينه خلاف، ولستما على وفاق، يؤذي أحدكما الآخر. لكنك تسمع يومًا صوتًا عاليًا وصراخًا من بيته، فتجري إليه: ما الذي يحدث؟ وتذوب الخلافات في لحظة حتى يُنقَذ الموقف. فإذا انتهى الإنقاذ وعادت الأمور طبيعية قال كل منكما: ما زلنا متخاصمين! لكن قد يبتلى الإنسان بجارٍ يظل يؤذيه حتى يضطره إلى ترك بيته. وتذكرون ذلك الصحابي الذي جاء إلى النبي ﷺ يشكو جاره الذي يؤذيه، فماذا أوصاه النبي ﷺ؟ أن يحمل متاعه فيضعه أمام بيته، فيمرّ الناس فيسألون: ما بالك وقد أخرجت متاعك إلى الطريق؟
والشاهد أن الإنسان قد يتحمّل الجوار والتجاور، أما أن يصل الأمر إلى الإخراج فيقول: أَوَمُخرِجيَّ هم؟ فقال له ورقة ما معناه: إنه ما جاء أحدٌ بمثل ما جئتَ به إلا أُوذي. فنحن متفقون من الأول على أن ثمة ضريبة سوف تُدفع في مقابل هذه الدعوة.
لماذا يقول الرسول؟
فعبارة «حتى يقول الرسول» لا يستوعبها عموم الناس نظريًّا. أما قوله «والذين آمنوا معه» فطبيعي. لكن ذكر الرسول ليس لبيان ضعفٍ عنده، وإنما لبيان شدة ما يُبتلى به أهل الإيمان، وأنه يبلغ حدًّا يستغيث فيه حتى رسول الله، أيًّا كان هذا الرسول على مراحل التاريخ، لأن المسألة كما سبق متكررة: ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾؛ يا رب، أخرجنا مما نحن فيه، بأي شكل وبأي صورة وبأي ثمن.
الربط بآية الإنفاق
وعندما نستوعب هذا ننظر في الآيات التي تأتي بعد ذلك: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ﴾[3]. فما وجه الارتباط؟ أن الأذى لن يزول عن أمة الإسلام إلا بنفوسٍ تنفق. وما الذي ننفقه؟ هل هو المال، من دولارات ودراهم ودنانير؟ اسمع: قضية الإنفاق لا تنحصر في الأرقام. تخيّل إنسانًا يظل خادمًا لأمه تحت قدميها إلى أن يلقى الله سبحانه وتعالى؛ أليس ذلك إنفاقًا؟ وآخر يسعى في قضاء مصالح الناس وليس معه شيء من المال، أليس هذا إنفاقًا؟ ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ فعمّمت الآية أنواع الإنفاق.
ثم، وعلى رأس هذا الإنفاق، تأتي الآية التي بعدها: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾[4]، ثم قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وتوطين الأنفس على البذل لله عز وجل جزءٌ من الصفقة التي عُقدت بين كل مؤمن وبين رب العزة سبحانه وتعالى.
الصفقة
يا جماعة، من البداية، لما عرض علينا ربُّ العالمين سبحانه وتعالى قضية الإيمان عرضها على أنها صفقة. أليست هذه بنود الصفقة؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾[5]. فمن أراد الجنة فليعلم أنه باذلٌ لا محالة؛ فإن لم تدفع فلا تنتظر أن تأخذ المقابل. وسيدنا النبي عليه الصلاة والسلام يحدثنا بقوله: «أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ»[6]. فمن أراد الجنة فليوطّن نفسه على مثل هذه الابتلاءات، وليستوعبها على أنها سنّة من سنن الحياة، وليعلم أنه بغير دفع الأثمان لا تُقبَل البضائع ولا تُستقبل.
لماذا علّمنا ربنا ذلك؟
علّمنا ربنا سبحانه وتعالى ذلك لأحد أمرين: إما أن يكون لدينا مزيد من اليقين ومزيد من الدعاء لربّ العالمين أن يستنقذ المستضعفين، وإما أن نكون نحن أصحاب الاستضعاف أو أصحاب هذه المواجهات، فيكون لدينا ذلك الجهد الذي يُبذل. فلا تدّخروا عندكم شيئًا؛ ابذلوا لله يبذل الله عز وجل لكم. أنفقوا عقولًا وقلوبًا ومشاعر وأبدانًا وأموالًا؛ أنفقوا أيديًا تعين، وعقولًا تفكر، وقلوبًا تبثّ الأمل والإيمان في نفوس الخلق الذين يعيشون حولكم، لنكون في هذا العقد مع رب العالمين سبحانه وتعالى على أتمّ درجات الاستعداد للإنفاق بكل ما نملك من طاقة.
أسأل الله العلي القدير أن يجعلنا من أهل اليقين، وأن يثبّت قلوبنا وأقدامنا على الحق.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢١٤. وقد وقف المتحدث عند «متى نصر الله» ولم تُتمَّ الآية في المتن؛ وتتمتها في المصحف: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. [2]: توثيق المحرر: القصة في حديث بدء الوحي في الصحيحين، وقد نقلها المتحدث بالمعنى ولم يلتزم لفظ الرواية؛ وقول ورقة في آخرها منقول بحسب ما ذكره. [3]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢١٥. [4]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢١٦. [5]: توثيق المحرر: سورة التوبة، الآية ١١١. [6]: توثيق المحرر: الحديث أخرجه الترمذي وغيره، ولم يتكلم المتحدث على درجته. [7]: توثيق المحرر: سورة الأنعام، الآية ١٢٤.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.