خاطرة [ الحواميم ] 4
خاطرة [ الحواميم ] 4 — وقفات مع مؤمن آل فرعون
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ ٢٤ فبراير ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد الله ونبيّه ورسوله سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. كنا قد توقفنا عند قصة مؤمن آل فرعون، وأنا أشرتُ إليه إشارة بسيطة، ولا أدري أأكون موفقًا في هذا الاجتهاد أم لا.
من هو مؤمن آل فرعون في مسار القصة؟
من خلال التتبّع تدرك أن بني إسرائيل أصابهم على عهد موسى عليه الصلاة والسلام ما أصابهم؛ تقلّبوا من تمرّد إلى تمرّد، ومن حيلة إلى أخرى، ومن تمنٍّ إلى تمنٍّ، فلم يكن لهم في أمانيهم ولا في حياتهم أكثر من طلب الدنيا، واغتروا بكل ما فيها، وصنعوا لأنفسهم عجلًا ظنّوه إلهًا لهم من دون رب العالمين سبحانه، بتأثير المادية المقيتة المغموسة في نفوسهم، والتي لا يحسنون الفكاك عنها. وبناءً عليه فإن النتيجة الحقيقية التي تعطيك مؤشرًا على ثمرة دعوة موسى عليه السلام لعلها كانت هذا الرجل: مؤمن آل فرعون.
والقرآن حين يتحدث عنه يقول: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾.[1] وهي آية تأتي مناسبةً لما كنا نتحدث فيه بعد الفجر: أين الخير الذي في الناس؟ أنت لا تدريه إلا أن يأتي من الله تبارك وتعالى فيظهر للناس. فقد ترى بعض الأشخاص يبدو عليهم عدم الالتزام، أو أنه ليس مؤمنًا، لكنك تراه في بعض المواقف أصدق قولًا وأحسن موقفًا وأعظم نتيجة من الذين تراهم حولك ملتزمين يذهبون إلى الصلاة وغير ذلك. فتقول: سبحان الله! هذا يدافع عن الدين بهذه الشراسة وبهذه القوة! ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.[2]
«يكتم إيمانه»: عمّن؟ وهل الكتمان جائز؟
هذه الجملة: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ تثير سؤالًا: يكتمه عن مَن؟ وهل كتمان الإيمان مسموح به أم لا؟ الحكم فيها مبنيّ على ما يترتب على إظهار الإيمان من ضرر، وعلى ما يترتب عليه من مصلحة. فلو كان رجل إن أظهر إيمانه أسلم بإسلامه جمعٌ كثير، أو جُلّ الناس، فهذا غير رجل نكرة في وسط الناس يكتم إيمانه تفاديًا للأذى. ثم هناك القوة الذاتية عند الأشخاص: رجل يستطيع أن يعبّر عن ذاته وينطلق في الناس ويتكلم ويبوح، ورجل آخر خائر القوى ضعيف الهمة منزوع الإرادة لا يستطيع ذلك؛ فكفى به إيمانًا، وكفى به سلامةً أنه أسلم في بداية الأمر أصلًا.
يخاطبهم بما يعلنونه هم
يقول ربنا سبحانه: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾. لاحظ أنه لما عاتبهم لم يعاتبهم في قضية الإيمان والكفر، وإنما عاتبهم في قضية الحقوق الإنسانية، في «سِيفِل رايتس» كما يقال. عاتبهم بالمنطق الذي يتفقون على إظهاره للناس. فما من حاكم إلا وهو يريد، أو يحاول، أن يُظهر للناس أنه يقيم العدل، ويأمر بالمعروف، ويحترم الناس، وأن الحقوق الإنسانية موجودة، وهناك جمعيات حقوق الإنسان وقصص كبيرة جدًا، وكلهم يقولون ذلك على الشاشات أمام الناس، لكن في خبايا الأمر يختلفون؛ فمنهم من يعتبر ذلك ويحترمه، ومنهم من ينكره ويتجاهله.
فهنا خاطبهم بما يُظهرونه للناس من حقوق الإنسان: ألستم أنتم الذين تقولون بحرية التدين؟ ثم ﴿وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾؛ يعني المطلوب منكم محض التفكّر، ولو قليلًا، فيما جاءكم به. وهذا شأن المعتدين أمثال فرعون: بمجرد أن يخرج من يخالفه في الرأي يبدأ بالاعتداء عليه مباشرة، ولا يتيح للناس الفرصة للتعبير عن آرائهم الحقيقية؛ فيقتل، ويبيد، ويعتقل، ويسجن. تلك وسيلتهم وهذه طريقتهم.
﴿وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾
يقول: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾. وما الذي فهمناه من هذا؟ أن الواقع نفسه سوف يكذّبه بعد حين. ولذلك نقول إن أي داعية غير مخلص في عمله يكشف الله تبارك وتعالى أمره بعد حين. ونحن لا نتكلم هنا عن الافتراءات والاعتداءات التي يُبتلى بها الناس ويُتَّهمون بها؛ فرسول الله ﷺ نفسه اتُّهم بأنه كاذب وساحر وشاعر. لكننا نتحدث عمّن يقع بنفسه في خطأ يفضح أمره من حيث لا يدري ولا يريد.
ثم: ﴿وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾؛ أي سيصيبكم خير، ولو قليلًا مما يدّعيه ذلك الرجل من الخير الموعود لمن يتبعه. فما جاء نبيّ إلا وعد وتوعّد؛ وعد قومه بالخير الكثير، كما قال نوح عليه السلام: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾،[3] وتوعّد قومه بأنهم إن خالفوا أمر رب العالمين عاقبهم بعقاب من عنده، وأنواع العقاب التي ساقها لنا الله سبحانه في القرآن كثيرة. فهنا يقول: إن موسى عليه السلام إنما وعد قومه بالخير الكثير إن أسلموا له وآمنوا برسالته واتبعوا ربهم واتبعوا نبيهم في عبادتهم لربهم سبحانه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾
ثم يستكمل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾. وأنا هنا أتساءل: هل قالها ذلك الرجل المؤمن الذي يكتم إيمانه بهذه الصياغة، فعبّر بلفظ الله سبحانه، عن أن الإله الذي تأتي منه رسالة لا يهدي من يكذب عليه ويسرف في أمر الدعوة إليه؟ لقد أطلقها على سبيل العموم. ثم قال: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا﴾؛ فهو يعبّر هنا عن انتمائه لله تبارك وتعالى.
وسؤالي بمنتهى البساطة: هل كان هذا الكلام مقبولًا في وسط هؤلاء الناس؟ أن يعبّر أحد من الخلق أن له معبودًا دون فرعون؟ ستقول لي: لا. لكن لا شك أن كل نظام لا بد له من معارضة، ولو كانت شكلية يرسمها، فتعبّر بلسان مختلف؛ قد يكون الواقع كمثل هذا، وقد يكون هناك من يعترض ولكنه لا يدعو جمهرة الناس إلى هذا الاعتراض.
«افعل ما شئت داخل الغرفة، ولا تخرج إلى الشارع»
أضرب مثالًا بسيطًا جدًا. في بداية الدعوة دخل رجل من عُتاة قريش إلى بيت أبي طالب، وكان يعيش مع أبي طالب رسول الله ﷺ وعليّ بن أبي طالب. فجالس أبا طالب وتحدث معه حديثًا طويلًا، وبينما هما يتحدثان نظر في ناحية فوجد شابين يفعلان شيئًا، فقال: ما هؤلاء؟ قال: هذا محمد وعليّ، يدّعي محمد أن له دينًا، فيصلّيان لربهما.[4] فكيف كانت ردة فعل ذلك الرجل؟ لم يفعل شيئًا أصلًا. لماذا؟ لأنهما لم يخرجا بعدُ من الغرفة؛ هو حرّ يصلّي ويفعل ما يريد.
وهذا هو المنطق نفسه الذي يقال لك: أتريد أن تكون مسلمًا؟ أن تكون مسيحيًا؟ أن تكون يهوديًا؟ افعل ما تشاء، لكن لا تخرج إلى الشارع، لا تخرج لتقول هذا صواب وهذا خطأ، لا تُعلِّم عليّ. افعل كل ما تريد داخل هذه الغرفة، أغلق على نفسك الباب وسوِّ ما تريد، لكن لا تخرج إلى الطريق فتعدّل على الناس مساراتهم أو تقول هذا صواب وهذا خطأ.
متى اشتدّت الحملة على الإسلام في الغرب؟
متى بدأت الحملة القوية الشرسة على الإسلام والمسلمين في الغرب، أو في أمريكا عمومًا؟ في فرنسا مثلًا لما ظهرت قضية الحجاب بشكل مكثّف. وسمعتُ خبرًا من عدة أيام أن ألمانيا لا تريد مزيدًا من المجنَّدين في الجيش، مع أنها في ورطة كبيرة هذه الأيام؛ فلما سألوهم: لماذا؟ قيل لهم: لأن أغلب الشباب الجاهزين للتجنيد من أبناء ألمانيا مسلمون.[5] وهذا لأن مجتمعاتنا تتعبّد لله بالإنجاب: أن تكون لك ذريّة تباهي بها وتكثّر بها الأمم وتأتي بهم يوم القيامة شفعاء بين يدي الله سبحانه؛ كل هذه مؤثّرات، لا أقول في الصحة الإنجابية، بل في النية الإنجابية أصلًا.
وحين أمشي اليوم في الجامعة هنا، ترى نسبة التبرّج عالية في بعض المناظر، أكثر مما تجده في جامعة القاهرة مثلًا، لكن الغالب الأعمّ عندك مثلًا أربعون في المئة محجبات وستون في المئة كاشفات الشعر. ومع ذلك تلقى فيهم محجبات بفضل الله سبحانه، وأنت تمشي في الجامعة فلا تنتهي من السلام والردّ عليه، «السلام عليكم، السلام عليكم»؛ أنت ماشٍ في الطريق.
فلما بدأت المسألة تنتشر هذا الانتشار، وبدأ الدين يؤثر في أتباعه... فقد كان عندنا في زمن قديم تديّنٌ سلبيّ الأثر في أصحابه: فالبنات مسلمات في المسجد وفي البيت، مسلمة تعرف أن عندها دورة شهرية ثم تغتسل لتبدأ الصلاة، لكن هذه مسألة لا تغيّر الخُلُق؛ فإذا خرجت من البيت خرجت مكشوفة مثل بقية الناس، ولباسها أقرب إلى لباس غيرها، وهي مع ذلك مسلمة. وبناءً عليه، لما بدأت طفرة الحجاب في فرنسا تحديدًا رأينا هذه الهجمة الشرسة. لماذا؟ لأن الإسلام بدأ يخرج من مكانه لينتشر في أعماق الحياة ويؤثر فيها.
حتى وصل بهم الأمر أنك وأنت ماشٍ في نيويورك ترى لافتة ضخمة جدًا على إحدى الشاشات الكبيرة، تقول إن الناس الذين هناك، بحماسهم، ليسوا خطرًا عليكم فقط... ولافتة كبيرة جدًا أُنفقت عليها مبالغ طائلة. فالذي يحمله على أن ينفق كل هذه الأموال فيه دلالة على أنه صار متخوفًا من هذا الانتشار الذي حدث بين طلاب الجامعات، مسلمين وغير مسلمين.
الرجل في القصر
فلما يقول: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا﴾،[12] فاحتمالية وجود هذا الرجل متكلمًا بكلام رب العالمين، أو معبّرًا عن هويته، كانت موجودة لأنه لم يكن له بعدُ تأثير. تصوّر القصر كله متبعين لسيدهم وكبيرهم فرعون الذي يزعم أنه يملك مُلك مصر وهذه الأنهار تجري من تحته، وواحد فقط يمرّ فيقول له: يا ريس، الموضوع فيه منطق، والإله يكون كذا، وأنت لم يأتك هذا الكلام بعدُ، ولما تكبر قليلًا يا حبيبي... فيعتبره معارضًا سلبيًا، معارضة موجودة منه هو أصلًا، سلبية لا أثر لها في تحريك المياه الراكدة في المجتمع ولا في تحريك الشعب. فإذا خرجت الأصوات إلى الخارج: لا! أمسكوه، هاتوا هذا الرجل. تمام؟ متى ظهرت بوادر التخوف من شخص أُمسك به.
فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ﴾
ثم يقول الله: وقال فرعون ماذا؟ ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾.[6] انظر: كان يمكن أن يقول: ائتوني بهذا الرجل لنناقش هذه البيّنات ونفنّدها، وهو يأتي بما عنده، ونحن نجمع علماءنا وننظر في القضايا ونحلل النتائج ونخرج للناس بنتيجة. لكن فرعون قال: «My way or the highway»، ما أريكم إلا ما أرى. يا رجل، استحِ على دمك.
ولماذا استخدم هذه الكلمات: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ﴾؟ الأصل في الهداية أنها تأتي من عقل متّقد مفكّر مستنتج لما يترتب على الأشياء، عقل قادر على الهداية؛ فالذي يهدي يعرف بصائر الأمور قبل ظواهرها، ويعرف بواطن المسائل وخباياها قبل ما يظهر منها. فهنا تأتي مسألة الهداية: أنا الذي أهديكم؛ فإن التمستم في موسى نوعًا من الاهتداء فالهداية كلها عندي، هذا ما يدّعيه. ﴿سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾: الرشاد هو الطريق الأنجع في بلوغ الغايات. فكأنه يقول: أنا الذي أوصلكم إلى برّ الأمان. ولكن أي برّ أمان يقصد؟ برّ الأمان الذي عنده، لأن الجميع يعلم أنه إذا غضب سلّط سياطه وسيوفه على رقاب الناس وأعناقهم. فإذا قال لهم ذلك فهل فيه نوع من التلطف والترفق بهم في الحوار، أم أنه نوع من التهديد المبطن؟ هو تهديد مبطن: اسمع كلامي أنا الوحيد الذي أحميك، وابقَ إلى جانبنا فتكون بخير، وإلا فالموضوع خطر عليك. تسمعها أول مرة فتظن أنك إذا خرجت عن هذه الحماية ستكون في خطر، لكنه في الحقيقة يهددك بأنه هو سيسبب لك المخاطر.
﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾
ثم ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾.[7] كانت بداية الدعوة الصادرة من مؤمن آل فرعون أنه بدأ يُشعل فتيل التفكير في عقول الناس. ذِكرُه لكلمة القتل في ﴿أَتَقْتُلُونَ﴾ بدايةٌ للتذكير بأن هذه التصرفات نوع من الاعتداء على الحق العام، حق الحياة عند كل فرد. ثم إنه نسب الرجولة إلى موسى عليه السلام حين قال ﴿رَجُلًا﴾؛ فهو ليس نكرة، بل معروف في أوساطهم بهمّته وشدّته وقوته وعزمه وإرادته وتنفيذه للأشياء وتحمّله للمسؤولية. ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، لمجرد أنه يقول ذلك. فالرجل لم يُرد منكم أن تنقلبوا على أنفسكم، وإنما حمل رسالة من رب العالمين سبحانه: ﴿هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ﴾.[13]
لم نأتِ لتخريب الدنيا بل لإعمارها
لم نأتِ لنخرّب الدنيا. وهذه الرسالة الكبيرة التي نريد أن نحملها للمجتمعات اليوم: أننا لم نأتِ لتخريب الدنيا وإنما أتينا لإعمارها. وذلك ما يغيظهم منا؛ لأنهم يعرفون تمامًا أن المنصفين منا إنما جاؤوا لإعادة هيكلة الحياة على النحو الذي يبتغيه العدل والإحسان والإنصاف والمروءة والعفة والطهارة والنقاء، لكنهم لا يريدون هذا. فيَنسبون إليك ما تُعيَّر به، حتى ولو لم يكن أصلًا من قاموس حياتك. وربما تُصيّدوا بعض المخطئين فضُخِّمت أعمالهم حتى تُصدَّر للشاشات أن هذا هو الإسلام، لأنه منسوب إلى واحد منهم.
شوف الحالات الموجودة في أمريكا: لما يعمل مسلم غلطة، نحن أول من يتبرأ منه، كدين وكقواعد وتنظيمات؛ فالأسس الربانية التي وضعها رب العالمين تجعلنا أول من ينكر. فلو أن واحدًا قتل الناس في الشارع، هل يرضى أحد منا عن هذا الكلام؟ مستحيل طبعًا، نحن أول من ينكر ذلك. ومع ذلك يأتون فيقولون: الإسلام يعبّر عن ذلك ويأمر أتباعه به، هذا مسلم. لكن لو كان واحد من فئة أخرى قالوا لك: هذا مختلّ عقليًا، أو عنده مشكلة. يا جماعة، خلونا بميزان واحد! لا، ما ينفع؛ لأنك إذا خرجت للناس بما عندك من مقاييس الإسلام التي تضبط حركة الحياة، قلبتَ عليهم كل نُظُم الظلم التي يمارسونها، أو العِوَج الذي يبتغونه بحال من الأحوال.
ذكرى الأحزاب، ولماذا «يا قوم»؟
نقول مرة أخرى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾. وكنا في صدر السورة، قال الله سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾.[8] فهنا يذكّرهم بالأحزاب الذين سبقوهم، الذين أهلكهم الله سبحانه بما كان من كفرهم واعتدائهم على دين رب العزة جل في علاه.
وتكرارُ كلمة «يا قوم» في القرآن الكريم على ألسنة الرسل: القوم هنا مسلمون أم كافرون؟ كافرون باتفاق. فلماذا ينسبهم إلى نفسه ويقول «يا قومي»؟ ليشعرهم بأننا واحد. وبصياغة أخرى: الداعية لا يقتلع نفسه من أهله وإن أساؤوا، ولا يقتلع نفسه من قومه وإن أساؤوا. ونسبتُه إياهم إلى ذاته كأنهم منبثقون مما عنده؛ فإن كنت صاحب خطأ فأنتم أصحاب خطأ، وإن كنت صاحب صواب فالأصل فيكم أن تكونوا أصحاب صواب. وقد يقول قائل: أليس في قوله «يا قومي» نوع من الرفعة له؟ بل على العكس، هو تمتين لأواصر العلاقات التي تخفى على أعين الناس: نحن قوم، نحن مع بعضنا.
المواضع الأربعة التي ذُكر فيها اسم الله
ثم قال: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾.[9] فكم مرة تكرر لفظ الله سبحانه إلى الآن؟ الأولى: ﴿أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾. الثانية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾. الثالثة: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا﴾. الرابعة: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾. وفي كل مرة تجد لفتة مختلفة.
في الأولى ﴿أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ إشارة إلى أن الإنسان الذي أراد أن يختار اختار من له صفات الألوهية. وفي الثانية: هذا الإله الذي تم اختياره ليكون معبودًا لا يهدي من هو مسرف كذاب. والرابعة: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ لأنه لم يأمر بالظلم، ولا يرضى لأتباعه أن يكونوا على هذا النحو. وتلك هي القاعدة الأم التي ستسري في نفوس هؤلاء الخلق كما يقرّرها مؤمن آل فرعون. والله تعالى أعلم.
من الماضي إلى المستقبل: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾
ثم: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.[10] لفتَهم لفتةً كبيرة من النظر إلى الوراء إلى النظر إلى الأمام: فبعد أن ذكّرهم بذكريات حصلت قبلهم وعرفوها بما ورثوا من التاريخ، فتح عقولهم على الماضي، ثم فتحها مرة أخرى على المستقبل المنتظر لكل واحد منهم إن خرج عن سياق الإيمان والعدل. وهو اليوم المنشود عند كل من يخشى الآخرة.
وقد نقلهم إلى مشهد درامي رائع في وصفه، وفخّم المسألة وهوّلها في أعينهم، فصوّر لهم الحال كحال ناس يهربون هروبًا عشوائيًا: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾، لكنهم مكشوفون، يسيرون في أرض واضحة المعالم مسطّحة لا شيء فيها يختبئون خلفه. تخيّل المشهد: ناس تجري في كل مكان، لكن في أرض مكشوفة، إلى أين تذهبون؟ ولك أن تتخيل مثلًا أنك وضعت حبتي سكر في موضع على المكتب، فجاء النمل من كل مكان، يروح ويجيء، كلٌّ يحمل حبة السكر ويتوارى كأنه يخفيها، كأنه يقول: أنا ما أخذتُ شيئًا، وأنت تراهم كلهم. فتضع إصبعك هنا فتوقف النملة، فترى الباقين كلهم يرجعون إلى الخلف، وتحدث الإشارات بينهم، فأول واحد يجري والناس تجري وراءه، فتضع الإصبع في الجهة الأخرى... هكذا: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾
ثم: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.[11] يعني إن كانت مسألة البيّنات التي جاء بها موسى بعيدة عن أذهانكم في تصوّركم الحالي، فليس مطلوبًا منك إلا أن تفتح عقلك لذاكرة تلحّ باستجلاب ما مضى من ذكريات يوسف عليه السلام. فإذا بيوسف عليه السلام الذي تنتسبون إليه وتفتخرون به، هو الذي أتى إلى هذه البلاد وأتى بقومه إلى هذه البلاد، وفتح الله تبارك وتعالى على يديه صمّام أمان هذه البلاد فأمّنها من الجوع وكذا وكذا؛ وأنتم تعرفون كل هذه القصص، وقد جاء بالبيّنات من قبل.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾، وهذا يبيّن نسبة الجحود عندهم: أنهم يتمنون ألا يوجد رسول أصلًا، لأن قضية التذكير بالله في ذاتها تؤلمهم. فلا تغرّنكم تلك الشعارات: ﴿كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾.[14]
نتوقف هنا ونكمل إن شاء الله.
--- [1]: توثيق المحرر: غافر: ٢٨. تمام الآية: ﴿...أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾، وقد نطق المتحدث بأجزائها تباعًا في الشرح. [2]: توثيق المحرر: الأنعام: ١٢٤. [3]: توثيق المحرر: نوح: ١٠–١٢. [4]: توثيق المحرر: الخبر منقول بحسب ما أورده المتحدث، ولم يُذكر له مصدر في التفريغ. [5]: توثيق المحرر: الخبر منقول بحسب ما سمعه المتحدث، ولم يُحدَّد مصدره في التفريغ. [6]: توثيق المحرر: غافر: ٢٩. [7]: توثيق المحرر: غافر: ٣٠. [8]: توثيق المحرر: غافر: ٥. [9]: توثيق المحرر: غافر: ٣٠–٣١ (والجملة تتمة قوله ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ في الآية ٣٠). [10]: توثيق المحرر: غافر: ٣٢–٣٣. [11]: توثيق المحرر: غافر: ٣٤. [12]: توثيق المحرر: غافر: ٢٩ (أول الآية). [13]: توثيق المحرر: النازعات: ١٨، وهي من خطاب موسى عليه السلام لفرعون: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ﴾، وقد نطق المتحدث بقدر منها. [14]: توثيق المحرر: غافر: ٣٤ (تتمة الآية).
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.