جامع العلوم والحكم ٢٠: الحياء خجلٌ من الباطل وجرأةٌ على الحق
الحياء: خجلٌ من الباطل وجرأةٌ على الحق، وصمّام أمانٍ في القلب
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت في أكاديمية الأئمة بأمريكا (AIA) بتاريخ 11 أكتوبر 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم إنا نسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه وخير ما بعده، ونعوذ بك من شرّ هذا اليوم وشرّ ما فيه وشرّ ما بعده، اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا. وبعد، حياكم الله ورضي عنكم وأدامكم بخير وستر وعافية وأمن وطمأنينة وسكينة.
نحن اليوم على موعد مع الحديث العشرين من كتاب «جامع العلوم والحكم»، يرويه لنا أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ». رواه البخاري.[1]
حياءٌ يبدو سلبيًّا
هذا حديث يجعلنا نقف عنده وقفاتٍ متأنّيةً بسيطة في التفكير، وفي دلالات الأخلاق الإيمانية. فعندنا كلام لرسول الله ﷺ قد يحمله بعض الناس على أن فيه نوعًا من السلبية: يمرّ النبي ﷺ برجلٍ يعاتب أخاه، فيسأله: لماذا تعاتبه؟ فيقال: إن فيه من الحياء. فإذا بالنبي ﷺ يقول: «دَعْهُ، فإنَّ الحياءَ ما كان في شيءٍ إلا زانَه».[2] فهنا تصوّرٌ عند الناس، وتصوّرٌ آخر عند رسول الله ﷺ. فكيف نُحسن الجمع بين الأمرين؟ وكيف نفهم الأمر كما أفهمنا إياه رسولنا ﷺ؟
المعروف عند الناس أن الحياء مرتبطٌ بشكلٍ ما بالفتاة في خِدرها، كما ورد.[3] فما دلالة ذلك؟ أنها تستحي، فلا تظهر للناس ولا تتكلم معهم ولا تخالطهم. فكأن الأمر في ظاهره خُلُقٌ سلبي يجعل العبد يستحي من أصل وجوده. غير أن الأمر على خلاف ذلك.
ما الذي يقابل الحياء؟
ولو أردنا أن نتبيّن دلالة كلمة «الحياء» لتساءلنا: ما الخُلُق المقابل له؟ إنه الفجور، والجرأة المقيتة على سبيل المثال. فالجرأة في ذاتها خُلُقٌ إيجابي، فلا يمكن أن تكون في مقابل خُلُقٍ سلبي، والشاهد أن الفجور، أو الجرأة المقيتة السلبية، هي المقابل للحياء. فما الذي يعنيه الفجور؟ اقتحام المواقف بغير حقٍّ ولا داعٍ، بجرأةٍ أو بنيّة الاعتداء، ويصحبه لفظٌ سيّئ. ففهمتُ أن الحياء لا يمنع التحدث، ولكن التحدث يصحبه أدبٌ وطمأنينة وهدوء.
والحياء مرتبطٌ بشكلٍ ما بـ«الحياة». فما الذي يستوجبه الحفاظ على الحياة؟ أن تعرف ما لك وما عليك، وألّا تعتدي وألّا تتجاوز وألّا تتهوّر، وأن تحافظ على بدنك وعقلك وإيمانك، وأن تحافظ على مالك وعلى من حولك. إنها كلمةٌ تستوجب من الإنسان مزيدًا من التنبّه والوعي والإدراك.
فنحن إذن أمام الحياء، وهو أيضًا خجل، ولكنه خجلٌ يحدث في داخل الإنسان من أن يظهر في مظهر السوء. وانظر إلى الفتاة في خدرها: هل تستحي من أبيها مثلًا؟ نعم، تستحي، ولكنه حياءٌ له دلالةٌ ومفهومٌ مختلف؛ فظهورها أمام أبيها على حالٍ ليس كظهورها أمام الناس الذين لا علاقة لهم بها. كأنها فعلت الفعل نفسه، ولكنها ميّزت بين ما ينبغي وما لا ينبغي، بين ما يكون وما لا يكون.
إذا أبغض الله عبدًا
وكأني في خلاصة الكلام أقول: حين يحدّثنا النبي ﷺ في حديثٍ فيه ضعف، قال ﷺ: «إذا أبغض الله عبدًا نزع منه الحياء، فإذا نُزع منه الحياء لم تلقه إلا بغيضًا مُبغَضًا، فإذا نُزعت منه الأمانة نُزعت منه الرحمة، فإذا نُزعت منه الرحمة نُزعت منه رِبقة الإسلام، فإذا نُزعت منه رِبقة الإسلام لم تلقه إلا شيطانًا مريدًا».[4]
وهذا الكلام منسوبٌ أيضًا إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه، يقول: إن أراد الله بعبدٍ هلاكًا نزع منه الحياء، فإذا نُزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتًا؛ فإذا كان مقيتًا نُزعت منه الأمانة فلم تلقه إلا خائنًا مخوَّنًا؛ فإذا كان خائنًا نُزعت منه الرحمة فلم تلقه إلا فظًّا غليظًا؛ فإن كان فظًّا غليظًا نُزعت رِبقة الإيمان من عنقه، فإذا نُزعت رِبقة الإيمان من عنقه لم تلقه إلا شيطانًا لعينًا مُلَعَّنًا.
ما هذا الكلام؟ عندما تنظر في تبعات الموقف تدرك أن نزع الحياء يقود إلى كل هذه الأوصاف. فالحياء كأنه صمّام أمان.
ما الحياء؟
الحياء شعورٌ داخلي يحول بينك وبين فعل الخطأ. فكأنك لا تستحي من الناس بقدر ما تستحي من نفسك؛ تستحي من أن تظهر أمام الخلق بموقفٍ مشين، وتستحي أن تكون أمام ربّ العالمين سبحانه وتعالى في موضعٍ لا يليق، لا بكرامتك ولا بنفسك. والحياء من وجهة نظري استشعارُ الإنسان أن لديه كرامةً، وأن هذه الكرامة حريّةٌ بأن تُصان، وأن هناك تصرّفاتٍ تُهدر هذه الكرامة على أرض الواقع، فلا بدّ من حفظها.
فإذا أردنا أن نطبّق على أرض الواقع: رجلٌ استحيا أن ينام والناس يصلّون في المسجد، أليس هذا حياءً محمودًا؟ ورجلٌ كان يستطيع أن يردّ بلفظةٍ سيئة وأن يجرح من أمامه بكلامٍ فظّ، لكنه استحيا أن يخرج منه مثل هذا اللفظ فامتنع. ورجلٌ بينه وبين أهل بيته خصومة، ويمكن أن يأخذهم بكل ما عندهم أمام المحاكم ويُهدر كرامتهم، لكنه استحيا أن يُظهر أهل بيته أمام الناس بهذا المشهد.
أرأيتم كيف أن الله تبارك وتعالى إذا أبغض عبدًا نزع منه الحياء، وإذا أحبّ عبدًا أودع قلبه ذلك الحياء؟ فما يُوضع في القلب والنفس يستقرّ فيهما، وخشية العبد من أن يصدر منه الخطأ هي تمام الحياء.
الحياء زينة
ورسولنا ﷺ يحدّثنا بأن الحياء ما كان في شيءٍ إلا زانه. لماذا؟ لأنك تتخيّر خطاك. تخيّل شخصًا يستحيي أن يوقفه أحدٌ أمام الناس لأن سيارته تجاوزت السرعة؛ فإذا هو يسير بهدوءٍ وانضباط، قادرًا على الحركة ولكنه يضبط نفسه، فيزيّن نفسه ويزيّن مركبه ويزيّن المكان الذي يصل إليه، ويزيّن من يحفظ مالهم من دفع الغرامات وغير ذلك.
والشاهد أن النبي ﷺ لما مرّ على رجلٍ يعاتب أخاه في الحياء، وهو يقول له: إنك لتستحي، كأنه يقول: قد أضرّ بك ذلك، قال النبي ﷺ: «دَعْهُ، فإنَّ الحياءَ مِنَ الإيمان».
«إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»
وفي حديثنا اليوم: «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى». والحديث هنا عن الحياء تحديدًا، فهو حديثٌ متوارَث، ليس عبر الأجيال فقط، وإنما عبر النبيين والمرسلين.
«إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»: ما دلالة هذه الجملة؟ العلماء يتحدثون عن وجهين. الأول أنها من باب التهديد. يقول النبي ﷺ: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوّأ مقعده من النار»؛ فكيف وردت جملة «فليتبوّأ مقعده من النار» إلا على سبيل التهديد والتوعّد؟ فمن سمحت له نفسه أن يكذب عليّ متعمدًا، من سمحت له نفسه ألّا يستحي، فهناك في الأولى «فليتبوّأ مقعده من النار» مهدِّدًا إياه، وفي الرواية الأخرى، أو فيما بين أيدينا: فليفعل ما يشاء، فإنه ملاقٍ عقابه بين يدي ربّ العالمين سبحانه وتعالى بأشدّ ما يكون.
والوجه الثاني أن الجملة وردت على سبيل الخبر، وأن النبي ﷺ يخبر أن تلك هي الحال التي تحصل للناس إذا نُزع الحياء من شخص: فإنه سيفعل ما يشاء. فدلّ ذلك على أنه لن يقيس نفسه بمقاييس المجتمع الذي يعيش فيه، ولن يقيس نفسه بمقاييس الحياة التي يتحرك فيها، ولن يقيس نفسه بضوابط المسجد الذي يدخله.
مثالٌ على ذلك: حين تدخل مكانًا عند الكاشير، في أي مكان هنا، تجد نفسك بطبيعة الحال تسأل شخصًا واقفًا: هل أنت في الدور؟ فيقول: نعم، فتذهب وتقف وراءه، ولا كلمة ولا نَفَس، لم يقل أحدٌ شيئًا. لكن في مواقف ومواطن أخرى يريد أحدهم أن يقتحم الموقف لأنه غير مرتبط نفسيًّا بقوانين تضبط حركته في ذلك المكان.
الحذر من مواطن التهمة
وقد ذكرتُ بعض الأمثلة التي تجعلني أخاف على كرامتي، وأخشى أن يُساء الظنّ بي، وأرجو من ربّ العالمين سبحانه وتعالى ألّا يضعني في موطن التهمة في أعين الناس. ولدينا هنا قاعدةٌ سلوكية: من وضع نفسه في مواطن الشبهات فلا يلومنّ من أساء الظنّ به.
والحديث الصريح جدًّا المعبّر عن ذلك أن النبي ﷺ وقف مرةً على باب المسجد يحدّث إحدى نسائه رضي الله عنهن، رجلٌ يقف مع زوجته، ولكن خشية التهمة في أعين الناس، الذين أخبر عمّا يحدث في داخلهم بقوله: «إنَّ الشيطانَ يجري من ابنِ آدمَ مَجرى الدم»، قال ﷺ: إنها صفيّة رضي الله عنها. فقيل له: يا رسول الله، أنت رسول الله! فإذا به يقول: «إنَّ الشيطانَ يجري من ابنِ آدمَ مَجرى الدم».[5]
وبناءً عليه، من نأى بنفسه عن مواطن الشبهات، في الحرام وغيره، نجّى نفسه من تهمة الخلق، ومن ثَمَّ من تبعة ذلك عند الخالق سبحانه وتعالى. فمع أن ربنا عزّ وجل يعلم خبايا النفوس وسرائرها، إلا أنه أمرنا بحفظ كرامتنا أمام هؤلاء الخلق، وجعلهم شهودًا علينا.
الخلاصة
فنخلص في ختام الكلام إلى أن الحياء خُلُقٌ داخلي ينمو في داخل الإنسان، وليس خجلًا مانعًا لك من طلب الحق أو المدافعة عن نفسك، وليس خجلًا يحول بينك وبين أن تسعى في وسط الناس وأن تُرزق. فالحياء الذي يظنّ الناس أنه خجل هو في حقيقته جرأةٌ، ولكنها جرأةٌ على الحق وخجلٌ من الباطل؛ جرأةٌ على المعروف وخجلٌ من المنكر؛ جرأةٌ على التزوّد بالإيمان وخجلٌ من فعل كل ما يمكن أن يشين النفس البشرية أمام ربّ العالمين سبحانه وتعالى أو أمام أحدٍ من البشر.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يخلّقنا بأخلاق الإيمان، وأن يغرس ذلك في جذور قلوبنا. اللهم إنا نسألك…
--- [1]: توثيق المحرر: الحديث في صحيح البخاري، كما أشار المتحدث. [2]: توثيق المحرر: الذي في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مرّ برجلٍ من الأنصار يعظ أخاه في الحياء، فقال ﷺ: «دعه فإن الحياء من الإيمان». أما «ما كان الحياء في شيءٍ إلا زانه» فمن حديثٍ آخر عند الترمذي وابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه (وهو حسن). وقد جمع المتحدث بين اللفظين كما في التفريغ. [3]: توثيق المحرر: إشارة المتحدث إلى «الفتاة في خِدرها» موافقة لما جاء في وصف النبي ﷺ بأنه «أشدّ حياءً من العذراء في خدرها»، وقد ذكر المتحدث الوصف إجمالًا بقوله «كما ورد». [4]: توثيق المحرر: نبّه المتحدث نفسه على أن في هذا الحديث ضعفًا، ونقله كما قال، ثم ذكر ما نُسب إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه. وقد ورد نحوه عند ابن ماجه بإسنادٍ ضعيف وبألفاظ تخالف هذه في بعض مواضعها، فلا يُحتجّ به؛ وكلمة «مريدًا» في المتن مرجَّحة عن تفريغٍ مضطرب. [5]: توثيق المحرر: حديث صفية رضي الله عنها متفق عليه، وفي روايته أن الرجلين اللذين مرّا قالا: «سبحان الله يا رسول الله». وقول المتحدث «فقيل له: يا رسول الله أنت رسول الله» جاء في التفريغ مقتضبًا، وأُثبت كما قيل.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.