أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

خاطرة [ هيا بنا نحفظ ]

حفظ القرآن: حسبةٌ بسيطة ومعركةٌ مع النفس

د. أحمد أبو سيف•١٥ مايو ٢٠٢١•3 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ 15 مايو 2021م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

بالأمس كنا نعمل حسبةً صغيرة، أنا وأحد الإخوة، نحسب كم من الوقت نحتاج لو حاولنا أن نحفظ القرآن الكريم. فوجدنا أن في كل صفحة من صفحات القرآن خمسة عشر سطرًا تقريبًا، وعندنا نحو ستمائة وأربع صفحات، نجعلها ستمائة. فنقسم عدد السطور على عدد أيام السنة، فيطلع لنا قدرٌ في اليوم الواحد صعبٌ شيئًا ما، فقلنا: لنضاعف المدة فتصير سنتين. وفي الأخير وجدنا أن متوسط حفظ خمسة أسطر في اليوم يحفظ به الإنسان القرآن الكريم في أربع سنوات.[1] ويكون الوقت في الغالب أقلّ من ذلك، لأن مهارة الحفظ التي تكون صعبة في البداية تلين بعد قليل، ولأن تكرار المعاني يقرّب الآيات من الذهن فيزداد الإقبال عليها.

المعركة مع النفس

فهل عند أحدٍ استعدادٌ ليخوض هذه المعركة مع نفسه، وينطلق مع القرآن الكريم حفظًا؟ وما ثواب الحفّاظ بين يدي الله تبارك وتعالى؟ وكيف بإنسانٍ سلاحه في قلبه، يحفظه الله تعالى من نفسه ويحفظه من الآخرين بما ادّخره في صدره من كتاب الله؟

معلومٌ أن مهارات الناس مختلفة، لكن من يأتي بين يدي الله يوم القيامة وقد حاول ليس كمن يأتي ولم يحاول. ومن استطاع أن يحفظ سطرًا واحدًا في اليوم أو سطرين سيجد بين يديه إنجازًا كبيرًا جدًّا بعد سنة، أو اثنتين، أو ثلاث. ويبقى السؤال: ما الذي أنجزناه إلى الآن في حياتنا؟ كم الأموال التي جمعناها؟ كم المدّخرات التي عند الواحد منا؟ وإذا دخل أحدنا قبره، فما الذي يضيء له القبر إن لم تكن آيةً من آيات الله تبارك وتعالى؟ وما الذي يمكن أن يكون شفيعًا له بين يدي الله إن لم يكن نصًّا قرآنيًّا اجتهد في حفظه وعاش عليه؟

ما بعد الحفظ

والمسألة الأعظم، وهي التي تتجاوز مرحلة الحفظ، قضيةُ استيعاب معنى القرآن وفهمه والعيش معه. فالإنسان إذا ارتقى ذهنه إلى أن يحفظ سورةً من القرآن ويعيش معها كل يوم، يستنبط منها جديدًا، ويفهم منها شيئًا آخر، ويُسلّي بها نفسه، ويجعلها له مسكّنًا للألم، وشارحًا للأزمات، ومفصّلًا للحالات، فيرى من خلالها قبسًا ونورًا وهديًا وصراطًا. نرى فيها ما وصف الله تبارك وتعالى به القرآن ذاته حين قال إنه ﴿شِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾،[2] نورًا يضيء للإنسان طريقه وصراطه، يثبّته في أوقات الأزمات. وتخيّلوا أن استحضار بعض الآيات في كثير من المواقف يجعلك أكثر صوابًا وثباتًا وتركيزًا. وسبحان من أودع في هذا الكلام أسراره، وجعل فيه مفاتيح مغاليق الكون كلها.

دعوةٌ إلى التجربة

ومن أراد أن يخوض هذه التجربة فليبدأ بقراءة سطرين أو ثلاثة، ويسمّعها لغيره، ويضع منهجًا للمراجعة. والأمر اختياري تمامًا، فمن أراد أن يلتحق فأهلًا وسهلًا، ومن أراد أن يجرّب فأهلًا وسهلًا. موضوعٌ بسيط جدًّا، لكنه بإذن الله تبارك وتعالى يكون فاتحةَ خير. ونسأل الله عز وجل أن نعزم عزمةً نلقى الله تبارك وتعالى بها، وأن يرزقنا حسن القبول. رضي الله عنكم وأرضاكم.

--- [1]: توثيق المحرر: أثبتت العبارة كما وردت في التفريغ؛ وحساب «خمسة أسطر في اليوم» على نحو تسعة آلاف سطر يقارب خمس سنوات لا أربعًا، ولعل المتحدث قرّب الرقم أو التبس عليه العدّ، فيُراجع. [2]: توثيق المحرر: يونس: 57، ونطق المتحدث بالألفاظ «شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة» دون تتمة الآية.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ