أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
المفاهيم الإيمانية

نداءات الإيمان: آخر نداء إيماني في سورة آل عمران

آخر نداء إيماني في سورة آل عمران: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ — ومكانه من هندسة النداءات في السورة

د. أحمد أبو سيف•١٢ يوليو ٢٠٢٦•16 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء أُلقيت بتاريخ ١٢ يوليو ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

نقف الليلة مع آخر نداء إيماني في سورة آل عمران، يقول الله تبارك وتعالى فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.[1]

صبرٌ ومصابرةٌ ومرابطة

هذا النداء يختلف كثيرًا عن بقية النداءات التي أمرت بالصبر، فقد جمع هنا بين الصبر والمصابرة. والمطلوب من الإنسان أن يصبر على واقعٍ، أما التصبّر فيقتضي تجدّد هذا الواقع في ذهنه. فإذا فقد الإنسان شيئًا وصبر على فقده، فهو يصبر على أمرٍ مضى، ويريد أن يعالج نفسه منه، ويقول: مصيبةٌ حصلت وانتهت، وإن شاء الله لن تتكرر. لكن التصبّر يستوجب، لفظًا ومعنى، أن يتوقّع الإنسان تكرار المصيبة مرةً أخرى. فمن فقد صبر على الفقد الأول، وتصبّر استعدادًا للفقد الثاني. ثم تأتي لفظة المرابطة ﴿وَرَابِطُوا﴾؛ أي رابِطوا على قلوبكم التي ستستعينون بها بإذن الله على هذا الفقد المتكرر.

لماذا الفقد أصلًا؟

يا رب الطف بنا، لماذا نفقد؟ لأن ذلك هو الأصل في الحياة. لقد علّمنا ربّ العالمين سبحانه وتعالى منذ اللحظات الأولى في حياتنا الدنيا أن العمر يمرّ، وأن كل ثانية تمرّ علينا لا تأتي مرةً أخرى. فالأصل في الحياة الفقد. ثم يمضي الزمان بالإنسان فينتقل من مرحلة إلى أخرى، يفقد شيئًا ويتلبّس بشيءٍ آخر: يفقد مرحلة الطفولة بكل ما فيها من عشوائية ولعب وعدم مسؤولية، وينتقل إلى مرحلة الشباب وتجدّد الشهوة في النفس، ثم إلى مرحلة التعقّل وعقد الزواج وما بعده. وفي كل مرحلة ينتقل منها يفقد شيئًا كان عنده قبل ذلك.

وإذا قدّر الله للإنسان تحصيل مالٍ، فهل يبقى المال الذي يأتيك كله بين يديك؟ أم تفقد منه اختيارًا؟ تدفع إيجار البيت، وقسط الرهن العقاري، وقسط السيارة، ثم تذهب إلى المتجر بكامل وعيك وعقلك فتشتري الأشياء وتبذل المال. فالمال الذي كان بيدك فقدتَه باختيارك. فنحن نفقد الأعمار، ونفقد الأموال اختيارًا أو كرهًا، ونفقد الناس؛ فمن كان يعيش مع والديه فَقَد أباه بعد حين، وفَقَد أمه. ونسأل الله الستر والسلامة والعافية، والعافية نفسها يفقدها الإنسان حينًا بعد حين؛ فبعد أن كان مكتملًا تجد دواعي الثلاثينات، ثم دواعي الأربعينات، ثم الخمسينات، ثم الستينات. سبحان الله! هذا هو الأصل في الحياة.

بين هذا النداء والنداءات التي سبقته

غير أني أريد أن أربط بين هذا النداء والنداءات السابقة في السورة المباركة. اتفقنا أن في سورة آل عمران سبعة نداءات إيمانية، ينادي فيها ربّ العالمين المؤمنين سبع مرات، وأننا رأينا النداءات تتكرّر في سورة البقرة إحدى عشرة مرة. وتساءلتُ: هل في آل عمران نداءاتٌ أخرى؟ فوجدتُ ستة نداءات لأهل الكتاب وسبعة لأهل الإيمان. فكم عندنا؟ ستة لأهل الكتاب وسبعة لأهل الإيمان، ثلاثة عشر نداءً في السورة. فما مستوى التناغم بينها؟

كنتُ منذ نحو أسبوع أبحث في «هندسة توزيع النداءات»: هذا النداء جاء في أي موضع بالضبط من صورة السورة؟ ولماذا جاء في هذا الموضع دون غيره؟ وأربط بين النداء وما قبله وما بعده من مجريات السياق القرآني. فمتى تبدأ النداءات في السورة؟ أول نداءٍ عند الآية الرابعة والستين، أي بعد ثلاثٍ وستين آية. وآيات آل عمران والبقرة والنساء ليست قصيرة، فالآية الرابعة والستون ربما جاءت بعد أربع أو خمس صفحات من أول السورة. فما الذي كان قبل هذه النداءات؟

سورة الثبات: البناء ثم الصيانة

لنتذكّر معًا دور سورة آل عمران. اتفقنا أن سورة البقرة هي سورة البناء، بناء هيكل الأمة المسلمة، وأن سورة آل عمران سورة الصيانة، وقد سمّيتُها قبل ذلك سورة الاتزان أو الثبات. تأمّل من يتسلّق جبلًا أو هرمًا: أيّهما أصعب، الصعود أم الاستقرار فوق القمة؟ الصعود طويل، وقد بنيتَ فيه أمرًا عظيمًا، لكنك إذا بلغتَ القمة وأردتَ أن تستقر فوقها وجدتَ نفسك محتاجًا إلى أشياء وأشياء. فالبقاء فوق القمة أصعب من الصعود إليها، وهذه مسألة معروفة. وأكرّرها: البقاء فوق القمة أصعب من الصعود إلى القمة. فسورة البقرة تبني لك المجتمع، وسورة آل عمران تعلّمك الثبات على القمة التي بلغتها.

وقد فهمنا من قبل أن الثبات يحصل بأمرين لا ثالث لهما، ولا استغناء لأحدهما عن الآخر: الأول العقيدة، والثاني وحدة المجتمع. فإذا توفّرت بنود الاعتقاد عند هذه الأمة لم يخرج أحد من أفرادها عن السياق الذي يجمعهم. وأقرّب ذلك بمثال: كلنا نعمل في شركة واحدة، نحمل الشعار نفسه، وعندنا المرجعية نفسها، ونصرف رواتبنا من الصرّاف نفسه، وتسري علينا القوانين نفسها، فلا يستطيع أحد أن يخرج عن السياج الذي يجمع الجميع. كذلك مرجعيات العقيدة: ما إن تريد أن تظلمني حتى أقول لك: اتقِ الله، فتقول: اللهم ارزقني تقواك، وترجع خطوتين إلى الوراء. وتريد أن تظلم امرأتك فإذا هي تذكّرك بربّ العالمين، وتهمّ بأكل مال اليتيم فإذا ربّ العالمين يذكّرك. فعندنا دين.

لذلك ترى بداية السورة، وتقريبًا نصفها، يتكلم عن قضية التوحيد ومعالجة إشكاليات أهل الكتاب، ثم عن الجناح الآخر لثبات المجتمع، وهو وحدة المجتمع. وبعد ذلك تبدأ النداءات الإيمانية.

مقدمة السورة: تهيئةٌ لمواجهة الشبهات

يحدّثنا ربّ العالمين في بداية السورة أن هذا القرآن إنما نزل من عنده عز وجل. وقد قلنا قبل ذلك إن جلّ سور القرآن التي تُفتتح بالحروف المقطعة يأتي بعد الحروف المقطعة مباشرة حديثٌ عن القرآن أو الكتاب: ﴿الم ۝ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، ﴿حم ۝ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.[2] أما هنا فقبل الحديث عن الكتاب جاء الحديث عن مُنزِل الكتاب: ﴿الم ۝ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۝ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾.[3]

ثم يحدّثني في مقدمة السورة بحديثٍ عجيب: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ…﴾ وأخرى متشابهات. فما موقع هذا الكلام في مقدمة السورة؟ إنه تمهيد؛ لأنك ستتلقّى هذه الشبهات ممن سيُساق الحديث عنهم في هذه السورة المباركة، وهم أهل الكتاب. فكأن ربّ العالمين يضع لك القاعدة المثبّتة من البداية: انتبه، فهناك آيات يحتمل أن تثور حولها شبهات، أو يسيء الناس فهمها، أو تختلط على عقولهم فلا يحسنون تصريفها في حياتهم فيقعون في شبهة. ولذلك كان شعار أهل الإيمان وأهل الحكمة والعقل والتوحيد: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾.[4] ومتى اهتدينا؟ اهتدينا مع ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. ومتى يمكن أن نتلخبط؟ مع آيات محكمات وآيات متشابهات: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، أما ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.[5]

فمن بداية السورة يضع لنا ربّ العالمين المعيقات التي تعترض الاستقامة والالتزام بمبادئ التوحيد، وأول معولٍ لهدم هذا كله هو الدنيا التي يعيشها الناس، فيقول سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا…﴾.[6] فكأنه سبحانه يقول لي من البداية: إذا وجدتَ إنسانًا على غير الحق أو على غير الطريق، فإما أنه زائغٌ نفسًا، فنفسه زاغت إلى الدنيا وتلبّست بها واشتهتها وأخذت منها، وإما أنه زائغٌ عقلًا، بحيث التبست عليه الشبهات المطروحة عليه من خارج المجتمع الإسلامي.

من اصطفاء آل عمران إلى كفر من رأى المعجزات

ولو مشينا مع الآيات واحدةً واحدةً لطال بنا الوقت، فلنقفز قفزة سريعة. يحدّثنا ربّ العالمين أنه ﴿اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ۝ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ثم: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ…﴾ ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾.[7] ما هذه الحكاية؟ كأنه يقول لي: سأقصّ عليك قصة أهل الكتاب لا من عيسى، ولا حتى من أمّه، بل من جدّته، من جدّة عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. ما الذي حصل تحديدًا؟ حتى تتفهّم معقولية المسألة في ذهنك، فتستوعب القضايا المطروحة أمامك وتستقيم معها على جادّتك. ثم تمضي الآيات فيأتينا زكريا في السياق، وتأتينا مريم، وتأتينا الإعجازات التي أنجزها ربّ العالمين سبحانه على يد نبيّ الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

ثم تأتي جزئية محورية يقول الله تعالى فيها: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ…﴾.[8] فلماذا يكفر الناس؟ أتتخيّل أن يرى أناسٌ رسولًا يُبرئ الأكمه والأبرص، ويُحيي الموتى بإذن الله، وينبّئهم بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم؟ وهل في عالم الحياة معجزةٌ أكبر أو أشدّ تأثيرًا من أن يحيي الله الميت على يديه بإذنه؟ فما الذي يدعوهم إلى الكفر؟ يقول لي القرآن: انتبه، قلنا قبل قليل إن هناك فسادًا في النفوس، وإذا حصل الفساد في النفوس فلا تسأل عن منطق العقل ولا عن الإقناع. فلا تحاول أن تقنعه.

وأوضّح ذلك: عندنا نوعان من الخطاب. خطابٌ عقلي، تكلّم فيه شخصًا يفهم، فالجملة تخرج من عقلك وتصل إلى عقله بالضبط. وشخصٌ يكلّمك بالعاطفة، فما يخرج من لسانه لا يأتي من عقله بل من قلبه ومشاعره، وخطابك أنت كان موجّهًا إلى عقله، لكن عقله أغلق بابه وفتح بابًا آخر هو باب القلب والمشاعر. ولذلك، حين نتكلم بين الأزواج والزوجات، فإنك في كثير من القضايا تتكلم في ناحية وهي تتكلم في ناحية أخرى تمامًا؛ أنت تتكلم بمنطق وعقل وترتيب أفكار ومنهجية، وهي تتكلم بمشاعرها. فحين يغلب على لفظ المرأة مشاعرها يصبح عندك نوعان من الخطاب غير متكافئين، لا يلتقيان حتى. فإذا قلتَ كلامًا ووجدتَ الردّ غير منطقي فلا تستغرب؛ فالكلام كله خرج من القلب والمشاعر، وهذا لا يُعاب عليهم، فهذه وظيفتهم، ونحن فقط نحتاج أن نفهم ذلك.

فنحن أمام قضية يبيّن لنا فيها ربّ العالمين أن هؤلاء الذين كفروا إنما كفروا لأن النفوس هي التي غلبت. خذ مثلًا من تكلّمه وهو طمّاع، فتقول له: اتفقنا من البداية أن عندنا خمسة سنقسمها اثنين، فكم يكون لكل واحد؟ فيقول لك: ثلاثة واثنان. فتقول: اتفقنا أن نقسمها بالتساوي، فهي اثنان ونصف واثنان ونصف. فيقول: لا، لن نقسم بهذه الطريقة. أو يردّ عليك ردًّا لا علاقة له بالموضوع، فيُخرج نفسه من القصة. وهكذا أهل الكفر، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.[9] لماذا كفروا؟ غلبت عليهم نفوسهم.

النداءات لأهل الكتاب: ستة نداءات

تبدأ النداءات لأهل الكتاب من الآية الرابعة والستين، فالآيات الثلاث والستون قبلها تمثّل مقدمة لها. وهذا أول نداء: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.[10]

نقف عند هذا النداء نصف دقيقة. حين أقول لأحدٍ: «تعالَ»، فهو في الأصل ماشٍ في اتجاه آخر، وأنا أدعوه إليّ. ومن ينادي أحدًا بـ«تعالَ» فهو مُقبِل عليه لا مُعرِض عنه. فالأصل عند أهل التوحيد أنهم مُقبلون على كل الناس، لا يُعرضون عن أحد. لماذا؟ لأن دورك إنما هو دور المسكن. تخيّل غرفة في فندق: أتفتح بابها للمسلمين فقط؟ إنها تفتح لكل من معه المفتاح. فما الذي يفتح أبوابنا؟ قبولُ الناس وإقبالُ الخلق. قلبك مفتوح دائمًا لكل البشر الذين يريدون أن يبتغوا فضلًا. ولأنك صاحب دعوة، فلست فقط مفتوح القلب لمن أراد الدخول، بل تسعى بقلبك وعقلك وراء الناس لتستقطبهم إلى حياتك. وهذه مفاهيم الدعوة، وسنتكلم عنها بتفصيل أكبر.

ثم ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾: أنشغل هنا بالعقل أم بالمشاعر؟ بالعقل؛ نحن نتكلم الآن مع العقل المتّزن الذي يدرك أبعاد المسألة. فكأنه يقول: لو سمحت، أخرِج نفسك من نفسيّاتك، وارتقِ إلى مستوى العقل. ولماذا أريده أن يخرج من بؤرة النفس؟ لأن العصبية تتحكم فيه؛ هو متعصّب لدينه أو لمذهبه أو لفكرته، ولا يريد أن ينتقل من مرحلة التأثّر النفسي إلى مرحلة التعقّل. وأضرب لإخواننا مثالًا: كنا مرةً في اجتماع نناقش قضيةً من القضايا، وكان أحد المشايخ الفضلاء، بارك الله فيه، متشرّبًا فكرته إلى الدرجة التي لا يريد أن يغيّرها؛ فمهما وصلتَ معه إلى نقطة وجدتَ نفسك عائدًا إلى البداية. فقلتُ له: يا شيخنا، لو أقنعتُك بوجهة نظري هل ستغيّر رأيك؟ فقال: لا، نحن نلعب فقط. فأنا ألتمس العذر لهذا الرجل؛ فما الذي أشرب هذه الفكرة في نفسه حتى لا يريد أن يغيّر رأيه فيها؟ والحمد لله أننا نتكلم في مسائل صغيرة وبسيطة نختلف فيها ونتفق ولا مشكلة. لكن تخيّل أنك تدعو من ينتقل إلى دين آخر: هل سيترك المسيحية أو اليهودية ويدخل الإسلام؟ أو يترك اللادين، وهو فيه مستمتع بالحرية والانطلاق، لا يسأله أحد، ولا يستشعر وجود الإله؟ ولهذا فالأصل أن نأتي بمنهجية التعقّل لنقف عند حقائق الأمور.

ثم النداء الثاني: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾.[11] جمعت الآية بين تأثّر النفس، إذ ادّعوا اتباع إبراهيم، وبين المنطق التسلسلي في التنزّلات الإلهية إلى الأرض: فكيف تقول لي إنك مسيحي أو يهودي ثم تنسب نفسك إلى إبراهيم، والتوراة والإنجيل إنما نزلا من بعده؟ وكلمة «إبراهيم» صارت اليوم سيئة السمعة قليلًا، وتُحمل على محمل آخر، لكنها في أصل التشريع صحيحة: فكل من ينتسب إلى الأنبياء فهو إبراهيميّ من حيث إن إبراهيم أبو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجمعين. ومن خلال إبراهيم آمنّا بموسى وبيوسف وبيعقوب من قبله، وبعيسى وبمحمد ﷺ، آمنتَ بهؤلاء جميعًا من خلال إيمانك بإبراهيم. بل ذكرنا كثيرًا أننا مأمورون في إسلامنا باتباع إبراهيم، فنبيّنا ﷺ أُمر بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.[12] والملّة هي المذهب العام، وطريقة التفكير، ونمط الحياة، والنمط التقبّلي للاعتقاد. ولتتجنّب سؤالًا مثل: عندنا في العصر أربع ركعات وفي المغرب ثلاث، فكيف كان إبراهيم يصلي؟ اترك هذا جانبًا؛ فأنت ماشٍ مع الهدف الأساسي، وهو الاتجاه العام.

ثم: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ…﴾،[13] فيُخرجهم القرآن من منطقتهم التي يجادلون فيها بلا علم. وعندنا كذلك: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾،[14] فيوقفهم أمام أنفسهم موقف الشاهد على نفسه لا على غيره، وهذا هو الأصل: قبل أن تشهد على الناس لا بد أن تكون أهلًا لأن تشهد على نفسك. فلا ينفع أن يقول شخص عن غيره إنه مخطئ أو مصيب إلا إذا كان قادرًا على أن يقول عن نفسه إنه في مرحلة من الخطأ أو الصواب. وبعده: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾،[15] ثم: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ…﴾.[16]

فكأن ربّ العالمين سبحانه يشخّص لنا الأدواء المحتمل وجودها من خلال سرد حكايات بني إسرائيل، أو ما كان قبلنا.

نداءات المؤمنين: من التشخيص إلى الوقاية

ثم يبدأ بالنداءات الإيمانية. تأمّل ترتيبها: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ…﴾؛[17] عدم الاتباع، وتحذير من الانقياد الفكري لأحد. ثم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛[18] فبعد أن قلنا لا نتّبع الآخرين اتباعًا فكريًّا، نلتفّ حول بعضنا. ثم ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾؛[19] فلا تأخذ من الخارج ولا تتلبّس به في الداخل. ثم ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾؛[20] انتبه، فأول ما يُبَثّ فيه السمّ هو الاقتصاد والنفقة والمال، فاحذر من مثل هذه الأدواء. ثم ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ…﴾،[21] فينبّهنا إلى المآلات التي يمكن أن تُفضي إليها الطاعة. ثم ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾،[22] فكأنه يبعدك أيضًا عن منهجية التفكير التي عندهم.

وأخيرًا جاء معنا النداء الأخير: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

خلاصة: القرآن يرسم مناهج

وخلاصة الكلام، بعد أن تكلمنا كثيرًا: ربّنا في القرآن يرسم لنا مناهج. فإذا سألتني: ماذا قالت لك هذه السورة بعد هذه الحوارات كلها؟ لم تقل لي: صُم خمسة أيام، ولا اركع أربع ركعات، ولم تعطني تفصيلًا. لكنها أعطتني توجّهًا عامًّا لبناء منهجية الفكر في حياة الأمة، فباعدت بينك وبين تصرفات الذين سبقوك وخاضوا في كل هذه المعاصي الفكرية والنفسية والعقدية والسلوكية، ثم أبرأتك من ذلك كله وحمّلتك مسؤوليتك.

ولنختم الكلام عن سورة آل عمران: قلنا قبل ذلك إن نصف السورة تقريبًا يحدّثنا عن تاريخ أهل الكتاب، وكأنه يُضمّد كل الجراح المحتملة من وجود هؤلاء النصارى أو اليهود في المجتمعات، ويسلّم لك دينك، ثم يبدأ بندائك: «يا أيها الذين آمنوا». تخيّل: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾، وهذا يُعدّ جريمة، ومع ذلك يسمّيهم «يا أيها الذين آمنوا». ولو قارنّا هذا بحادثة حاطب بن أبي بلتعة، حين أبلغ الكفار بخروج النبي ﷺ لفتح مكة، وكانت جريمة كبيرة جدًّا، ونزل فيها صدر سورة الممتحنة،[23] لوجدنا ربّنا يخاطبه ومن معه قائلًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ…﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.[24] وسنشرح هذا لاحقًا، وما يترتب على الفعل الذي حصل. وفي الأخير يضرب لنا المثال بإبراهيم عليه السلام: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ…﴾[25] في إبراهيم، وهو الذي لا يزال على الإيمان.

فكأن ربي سبحانه يرسم للمجتمع مرةً أخرى خطًّا منهجيًّا يسير عليه. وليس الخطاب هنا كما ذكرنا سابقًا خطابًا فرديًّا يعالج الله به معالجات جزئية، وإنما هو خطاب للأمة. هذا خطاب للمفكّرين في الأمة، وللمربّين في الأمة، ولمن يصنعون المناهج التربوية والتعليمية في الأمة، ولمن يقودون العقول المسلمة التي تعمل في أركان الأمة وأرجائها.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يكون فيما قلنا شيءٌ من النفع في هذه الليلة، وأن نكون على الأقل قد تعلّمنا أن هناك مواطن مركزية فيها آيات نحتاج أن ننظر إليها ونسأل: لماذا جاءت هذه الآية في هذا الموطن؟ أسأل الله أن يبارك لنا ولكم في هذه الليلة.

--- [1]: توثيق المحرر: آل عمران: ٢٠٠. [2]: توثيق المحرر: البقرة: ١–٢، وغافر: ١–٢. [3]: توثيق المحرر: آل عمران: ١–٤. [4]: توثيق المحرر: آل عمران: ٨. [5]: توثيق المحرر: آل عمران: ٧. [6]: توثيق المحرر: آل عمران: ١٤. [7]: توثيق المحرر: آل عمران: ٣٣–٣٧. [8]: توثيق المحرر: آل عمران: ٥٢. [9]: توثيق المحرر: آل عمران: ٥٦. [10]: توثيق المحرر: آل عمران: ٦٤. [11]: توثيق المحرر: آل عمران: ٦٥. [12]: توثيق المحرر: النحل: ١٢٣. لم يذكر المتحدث موضع الآية والعبارة في التفريغ مضطربة قليلًا، وقد وافق ما ذكره نصَّ الآية. [13]: توثيق المحرر: آل عمران: ٦٦. [14]: توثيق المحرر: آل عمران: ٧٠. [15]: توثيق المحرر: آل عمران: ٧١. [16]: توثيق المحرر: آل عمران: ٩٩. [17]: توثيق المحرر: آل عمران: ١٠٠. [18]: توثيق المحرر: آل عمران: ١٠٢. [19]: توثيق المحرر: آل عمران: ١١٨. [20]: توثيق المحرر: آل عمران: ١٣٠. [21]: توثيق المحرر: آل عمران: ١٤٩. [22]: توثيق المحرر: آل عمران: ١٥٦. [23]: توثيق المحرر: قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه مشهورة في كتب السنة والتفسير سببًا لنزول صدر سورة الممتحنة؛ وقد نُقلت هنا كما أوردها المتحدث. [24]: توثيق المحرر: الممتحنة: ١. [25]: توثيق المحرر: الممتحنة: ٤.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ