جامع العلوم والحكم ١٦: «لا تغضب» وصية تصنع منهج حياة
«لا تغضب»: وصيةٌ تصنع منهج حياة، وعقالٌ للعقل أن ينفلت
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 23 أغسطس 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
بدأ الدكتور أحمد خاطرته بدعاءٍ سأل الله فيه أن يهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وأن يبارك لنا فيما رزقنا، وأن يقينا عذاب النار ويصرف عنا أسباب العذاب برحمةٍ منه وفضلٍ ورضوان، وأن يكتب لنا من الخير ما هو أعلم به من صلاح حالنا ومالنا. ثم قال إنه سيبدأ بكلمةٍ موجزة بالإنجليزية، ثم يتحدث بالعربية بما تيسّر.
الغضب خروجٌ عن الوعي
ذكر في كلمته الإنجليزية الموجزة أن الغضب حالةٌ تخرج بالإنسان عن وعيه، وأن هذا الخروج هو ما يكشف لنا موضع الإنسان لحظة يتصرف. وأشار إلى أن أكثر ما نراه من مصائب هو أفعالٌ تصدر في هذه الحال: رجلٌ يطلّق زوجته، وآخر يقتل، وثالث يضرب غيره، ورابع يصرخ، وسائر هذه التصرفات.
الحديث: «أوصني»
ثم انتقل إلى العربية، وساق حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أوصني. فقال ﷺ: «لا تغضب»[1]. وردّد الرجل مسألته مرارًا، والنبي ﷺ يقول في كل مرة: «لا تغضب».
وقف عند لفظ «أوصني» وبيّن أن الوصية في لغة العرب تختلف نسبيًّا عن النصيحة؛ فالنصيحة قد تُطلق على كلماتٍ مفيدة لفائدةٍ مؤقتة أو نحو ذلك، أما الوصية فكما تعلمون دلالةٌ على منهج حياة. وحين يوصي الإنسان أولاده من بعده، أو أحدًا من الناس، وصيةً مكتوبة، فهو يصنع لهم منهج حياة. ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾[2]، فلم يكن يعطيهم نصيحةً مفيدة لوقتٍ محدد، وإنما كان يصنع لهم منهج حياة. وهكذا السائل الذي جاء إلى النبي ﷺ لم يقل «انصحني»، وإنما قال «أوصني»، فكانت وصية النبي ﷺ ألّا يغضب.
ثلاث روايات: أوصني، علّمني، دُلّني
وذكر روايةً أخرى نسبها إلى الترمذي، معناها أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، علّمني شيئًا ولا تكثر عليّ لعلي أعيه. ولفت إلى أن الرجل قال في المرة الأولى «أوصني»، وفي هذه قال «علّمني شيئًا»، ثم زاد: «ولا تكثر عليّ»؛ أي أعطني فقط ما يحدد لي نمط حياة، وقل لي ماذا أعمل.
وضرب لذلك مثلًا من طلابنا في الجامعات: قبل أن يلتحق الطالب بمادة أو تخصص يذهب إلى المرشد الأكاديمي في الجامعة، فيقول له: هذه درجاتي وهذه موادّي، وقد فعلتُ كذا، وعندي هذه الخبرة، وأريد كذا، فأين أذهب؟ فيقول له المرشد: يمكنك أن تسير في هذا الخط، فتدرس كذا وكذا، ولا تسلك الطريق الفلاني. فالصحابي رضوان الله عليهم يقول للنبي ﷺ بالمعنى نفسه: أريد أن أختار منهجًا أسير في طريقه فلا أنحرف عنه يمينًا ولا يسارًا، وأريد هذا الطريق وحده. فقال النبي ﷺ: «لا تغضب»، وردّد ذلك مرارًا.
وفي حديثٍ آخر قال الرجل: قلتُ يا رسول الله، دُلّني على عملٍ يدخلني الجنة ولا تكثر عليّ. فصارت الروايات ثلاثًا حتى الآن: «أوصني»، و«علّمني»، و«دُلّني على عمل يدخلني الجنة».
ثم قال: لو جاءك شخصٌ يريد أن يذهب إلى مكانٍ بعينه، فقال لك: دُلّني على الطريق، فدللتَه وقلتَ له إن الطريق من هنا، فهل يجوز له عقلًا أن يعود فيسير في طريقٍ آخر أو يمشي في الاتجاه المعاكس، وأنت عنده محل ثقة ودلالتك عنده معتبرة؟ لا؛ سيسير من هذا الطريق وينتهي الأمر. فالنبي ﷺ هنا يكرر النصيحة نفسها، ويقول لصاحبه: لا تغضب.
من السائل؟ دراسة في نفسية أبي الدرداء
ثم قال: عندي سؤال طُرح عليّ، وهو أن السائل في هذا الحديث هو أبو الدرداء في بعض الروايات. فبدأتُ أبحث في مسألة بسيطة: ما نفسية أبي الدرداء رضي الله عنه، وما خصائصه النفسية؟ وعندي إشكالية أن روايات كل صحابي رضوان الله عليهم لم تكن بشكلٍ عشوائي.
وقرّب ذلك بمثال: لو جلستَ معي اليوم فتحدثنا في موضوعات، فلما تخرج، ما الذي ستنقله عني مما قلتُ؟ وهل سينقل جميعُ الناس المعلومةَ نفسها بالنص نفسه، أم يختار كل واحد منهم جانبًا؟ فواحدٌ تعلّق في رأسه سؤال «دُلّني على عمل يدخلني الجنة»، وهذا همّه أن يكون في الجنة. وآخر يفتقد من يوصيه، يفتقد أناسًا يملؤون عليه حياته، ويريد أن يكون له صاحبٌ وأنيس، فيعبّئ صدره بهذا الأنس فيقول «أوصني». فواحد يخرج ليروي «أوصني»، وآخر ليروي «علّمني»، وآخر ليروي «دُلّني على الجنة».
فلماذا كان السؤال من أبي الدرداء؟ عندنا بعض الإمارات على ذلك. إنك إذا جمعتَ روايات أبي الدرداء رضي الله عنه، وهي كثيرة، وبدأتَ تعمل من خلالها دراسة حالة خاصة بالقواسم المشتركة بينها، كما يفعل الباحث في المختبر حين يجمع عشر نقاط ثم يسأل ما القواسم المشتركة بينها، وجدتَ من أهم صفاته:
أولًا: مراقبته لذاته. كان دائمًا يراقب نفسه ويحذّرها من الانحراف، وفي ذلك روايات مختلفة يطول الحديث لو ذكرناها.
ثانيًا: الخوف الشديد من السؤال بين يدي ربّ العالمين سبحانه. كان دائمًا يذكّر نفسه والناس بالمثول بين يدي ربّ العزة سبحانه.
ثالثًا: النزعة التأملية العميقة في الأشياء. كان صاحب عقلية محلّلة، لا يأخذ أي كلامٍ يأتيه ويمضي. وبيّن ذلك بمثال: قد يأتيك شخص فيقول: ما أرجى أعمال المسلم في حياته؟ فتقول له: الصلاة، فيأخذ منك الكلمة وينطلق: الله أكبر، فيصلي أربعًا، ويصلي ستًّا، ويصلي ثمانيَ، ويصلي مئة. وهناك شخصٌ آخر يبدأ يتفكر: لماذا الصلاة؟ وما أسرارها؟ وما الذي ينجم عنها؟ وكيف تؤثر في نفسية الإنسان وعقله وقلبه ووجدانه؟ فيحوّل الصلاة من كونها عملًا محضًا إلى منهج تفكير، يستقي منها مواطن القوة الذاتية عنده وينطلق بها في حياته. فما الفرق بين الاثنين؟ واحد أخذ ظاهر العمل، والثاني تأمّل في أثر هذا العمل على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع وبدأ يتحرك بناءً على ذلك. وقد كانت لدى أبي الدرداء رضي الله عنه هذه النوعية من التأمل الذاتي في كل ما بين يديه.
رابعًا: التحرر من رِبقة التعلق بالناس. وهذه خاصية لاحظتُها في بعض روايات أبي الدرداء، وإن شاء الله يكتب لنا ربنا ونعمل دراسةً خاصة بأبي الدرداء. ومعنى ذلك: أن ترى شخصًا إذا قلتَ له ما رأيك أن نفعل كذا؟ قال: وماذا سيقول الناس؟ فإذا قلتَ: فلنتحرك، قال: قد يعيبون علينا. هؤلاء يراعون الناس أكثر مما يراعون أنفسهم، وأحيانًا أكثر مما يراعون ربّ العالمين سبحانه، يراعون ما يقوله الناس ونظرتَهم أكثر من المصالح المترتبة لهم، حتى ليخسر مصلحته كلها، وقد يؤدي بنفسه إلى الهلاك خشيةَ أن يتكلم الناس عنه بشيء من ذلك.
فإذا جئنا إلى أبي الدرداء ورأينا فيه هذه الصفات، فهو جديرٌ حريٌّ بأن يسأل مثل هذا السؤال، حتى لو تكرر منه رضي الله عنه.
الوعي والتعقّل
وعندنا في حديثٍ آخر أن رجلًا قال: يا رسول الله، قل لي قولًا وأقلل عليّ لعلي أعقله. وفي الرواية الأولى قال: لعلي أعيه. فما الفرق بين الوعي والتعقّل؟ هل بين الكلمتين فرق؟ لا شك أن الوعي هو استيعاب قضيةٍ كلية. (وقال مداعبًا الحاضرين: الكلام صعبٌ اليوم شيئًا ما، وأرى بعض الناس مركّزًا معي، صلّوا على الهادي البشير ﷺ.)
ثم سأل: كلمة «العقل» من أين أتت؟ جزاك الله خيرًا، لكن من أين أتت هذه التسمية؟ ما دلالة كلمة العقل؟ العِقال: ما معناه؟ الرباط، تربط شيئًا فلا يتحرك. فجاءت تسمية العقل من أنه يعقل ما ورد إليه من علمٍ أو معلومةٍ أو أي شيء. فإذا دخل إلى العقل علمٌ أو معلومة ربطها في الداخل، فلا تخرج إلا وهي في محل التنفيذ أو الرفض. ومثّل لذلك: جاءك واحد فقال لك: تعالَ نسهر في المكان الفلاني ونفعل كذا وستكون الليلة صاخبة، فماذا يفعل العقل؟ يأخذ هذه المعلومة ويضعها في الداخل ثم يشتغل عليها ويربطها: هل هذا حلال أم حرام؟ هل هو صواب أم خطأ؟ ثم يصدر بناءً على ذلك تقريره فيقول: لا، هذا لا يناسبني، سأذهب إلى مسجدي وأقضي ليلتي هنا مثلًا. فالعقل الذي سأل عنه الصحابي بمثابة التعقّل، فقال: «لعلي أعقله». فمرةً يقول «لعلي أعيه»: أحتاج منهجًا أدرسه وأصفّيه في نفسي، ومرةً أخرى: أحتاج معلومةً أمسك عليها وأتحرك في إطارها.
الغضب يجمع الشر كله
وفي روايةٍ لرجلٍ من أصحاب النبي ﷺ قال: قلتُ يا رسول الله، أوصني. قال: «لا تغضب». قال الرجل: ففكرتُ حين قال النبي ﷺ ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله. وعندنا رواية أخرجها الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو أنه سأل النبي ﷺ: ماذا يباعدني من غضب الله؟ فقال النبي ﷺ: «لا تغضب». فالغضب يقرّب من غضب الله سبحانه وتعالى. سبحان العلي القدير.
فهذه خمس روايات: واحدة تقول طريقٌ إلى الجنة، والثانية تقول مباعدةٌ من غضب الله، والثالثة وصية، والرابعة «لعلي أعيه»، والخامسة «أعقله». وتعدّد الروايات على هذا النحو يرسم لك صورة عامة عمّا يترتب على الغضب.
فما الغضب؟ الغضب خروجٌ عن أصل نمط التفكير. أنت تفكر بهذه الطريقة وتمشي عليها، فإذا غضبتَ خرجتَ عن هذا الإطار، فانفلت العِقال، وإذا انفلت العِقال خرجت التصرفات غير مدرَكة، غير مدرِكة للعواقب، وأنت لا تفهم ما تقول. فيأتي أحدهم يبكي فيقول: أنا طلّقتها. فأقول: وماذا فعلتَ؟ فيقول: ضايقتني وخرجتُ عن وعيي. فأقول له: الحمد لله، ربنا ستَرنا، وإنما قلنا كلمة طلاق مثلًا. لكن هناك آخر سيسحب سكينًا، أو يسحب مسدسًا فيطلق الرصاص، فتلك الرصاصة التي خرجت أو الطعنة التي صدرت أو الكلمة في حالات الغضب لا رجعة فيها.
«حسن الخلق» ألّا تغضب
ثم ذكر موقفًا آخر، وقال: تخيّل، سبحان الله القدير، يأتيه أحدهم فيقول: يا رسول الله، أيّ العمل أفضل؟ فيقول النبي ﷺ: «حسن الخلق». فيأتيه ثانٍ فيسأل: يا رسول الله، أيّ العمل أفضل؟ فيقول: «حسن الخلق». ثم يأتيه ثالث فيقول: يا رسول الله، أيّ العمل أفضل؟ ثم وقف ليسأل: لماذا يكرر الصحابي نفس السؤال؟ ما السبب؟ تخيّل أنه يريد إجابةً ثانية، لماذا؟ لعله رأى أن هذا أمرٌ سهل، متسقٌ مع طبيعة البشر العاديين، وأنه يريد شيئًا أعلى من مستوى الناس العاديين. فالناس مثلنا الطبيعي فيهم أن يكونوا حسني الخلق. كأنك تقول لي بمنتهى البساطة: كيف ينجح عملي التجاري؟ فأقول لك: ببضاعةٍ جيدة. فالطبيعي أن تكون عندي بضاعة طيبة، فما الجديد الذي جئتَ به؟ فإذا بالنبي ﷺ يقول له: «حسن الخلق هو ألا تغضب إن استطعتَ».[5] فكأن النبي ﷺ عرف أن الرجل إنما تلقّى إجابةً عامة ويريد لها تخصيصًا، أو أنه أراد أن يرتفع من مستوى القاسم المشترك بينه وبين بقية الناس إلى مستوى أعلى قليلًا، فخصّص له النبي ﷺ الجواب فقال: حسن الخلق ألّا تغضب.
وعندنا مثلٌ في ذلك يقول: «وَعَينُ الرِّضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ، وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا». ومعناه: أنك إذا تعاملتَ مع إنسانٍ وأنت راضٍ عنه لم ترَ عيوبه، فتقول له كل كلام حلو وتثني عليه في أي موقف يفعله وأنت معه، لكن إذا حصلت بينكما خصومة بدأتَ تبحث عن العيوب وتستخرجها. فإذا خرج الإنسان عن محل التعقّل الطبيعي العادي بدأ يبحث عن المهلكات. فالنبي ﷺ يقول: حسن الخلق، فأنت ستكون على خير ما يكون، تمام جدًّا، ما دمتَ منضبطًا عقلًا ومنطقًا وأخلاقًا.
﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾
ثم قال: لا أريد أن أكثر عليكم، لكن تخيّلوا قول ربّ العالمين سبحانه: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾[3]. وسأل: ما العلاقة بين الأمرين؟ هذه المغفرة صادرةٌ من إنسانٍ عاقلٍ أم غير عاقل؟ فإذا كنتَ أنت صاحب المغفرة، وأنت الذي سيتفضّل بهذا الغفران، فأنت صاحب الحق أم المدين؟ فقال بعض الحاضرين: تنازلٌ عن الحق. قال: طيب، ممتاز.
فالذي يغضب ثم تصدر عنه المغفرة، إما أنه طرفٌ في قضيةٍ متبادلة. ومثّل لذلك: هذه نظارتي، وتقول أنت لا، هذه نظارتي، وأنا أعرف حسابي فأقول لك لا، هي لي. فنذهب إلى العلامة التجارية، ثم نختصم حول هذه المسألة، فتقول لي: طيب، مهلًا، اهدأ قليلًا، سنذهب إلى الوصفة الطبية، فهي الفاصل في الموضوع. فكيف أغفر وأنا المدين، أنا المدّعي بالخطأ؟ كيف تصدر عني المغفرة؟ انظروا إلى أي نقاشٍ أو جدالٍ أو مسألةٍ تحصل بين طرفين: لا بد أن تترك ضررًا ولو كان صغيرًا، مهما كان. فأن يُخرج الإنسانُ ذلك من صدره مكرمةٌ لا تتحقق لكثير من الناس.
وتخيّلوا الحبيبَ الغالي يقول لصاحبه: أنا آسف. ثم نتحدث في المسألة: لماذا لا، ولماذا كذا؟ فيقول أحدهم: ما هذه الأخلاق؟ وما هذا الشيخ الذي يحكي؟ فإذا خرج وتكلم بهذا فهو متجاوزٌ في حكاية ما حصل. فإذا حكى ما حصل وخرج إلى الناس فسمعوه، فهل كل من يسمع يعقل عنه ما حدث بالضبط؟ أم تبدأ الأفهام تتفاوت؟ أما إذا حصلت المغفرة وانتهى الموضوع في موضعه وخرجنا بنفوسٍ صافية، فلا نتذكر أصلًا تلك المواقف: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾.
أو أن يكون الغاضب هو صاحب الحق، لكن الجدال الذي حصل أمامه إنما حصل من صاحب مِراءٍ وجدالٍ قوي، فهو يغفر. وربّ العالمين سبحانه يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾[4]، الذين تصدر بين أيديهم أفعالٌ سفيهة من أناس، إلا أنهم يتجاوزون عن ذلك. فليس كل غاضبٍ مدينًا، وهذه خلاصة الكلام: ليس كل غاضب مدينًا، وليس كل غاضب صاحبَ أخلاقٍ سيئة.
هل كان النبي ﷺ يغضب؟
وسأل: كان النبي ﷺ يغضب أم لا يغضب؟ الرواية تقول، أو التوصيف يقول: كان لا يغضب لنفسه، وإنما كان يغضب إذا انتُهكت حرمات الله تبارك وتعالى. فكان ﷺ يغضب، لكنه غضبٌ لا يُخرج صاحبه عن إطار الوعي، ولا يُفلت المسائل من حدّ العقل. وبهذا نجمع بين الروايات.
علاج الغضب: الذكر والاستعاذة والوضوء
ثم عرض أنواع العلاج الموصوفة من النبي ﷺ. فالغضب جمرةٌ من الشيطان تتحرك في داخل الإنسان. والإنسان صاحب الذكر مغلِقٌ لهذه المنافذ، والشيطان يدور دائمًا على باب يدخل منه، فإذا عُدم الذكر أو توقف مؤقتًا، طلع الرادار يقول للشيطان: الحق، تعال، في فرصة، ادخل. والشيطان، سبحان الخلاق العليم، يُحسن إتقان عمله. وقرّب ذلك بمثال: تخيّل طبيبًا ماهرًا في مهنته، يعمل في هذا المجال منذ خمسين سنة، صاحب خبرة، فتأخذونه إلى المكان الفلاني في حالةٍ ما، فيجد ما يجد، ولا يقول الطبيب حرفًا؛ لأنه صاحب خبرة دقيقة ومتقن. فإذا كان هذا الطبيب له خمسون سنة يشتغل في هذه المسألة، فالشيطان يشتغل شغلته هذه من كم سنة؟ من زمنٍ طويل جدًّا، فهو يعرف ماذا يفعل بالضبط، ويعرف كيف يتعامل مع كل واحد منا حتى يوردَه مهالكه، والعياذ بالله.
ومن ثم جاء العلاج بالاستعانة بالعظيم القيّوم: أستغفر الله العظيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فسيدنا النبي ﷺ لما حصل أمامه غضبٌ بين طرفين بيّن أنه يعلم كلمةً لو قالها الغاضب لذهب عنه ما هو فيه، وهي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.[6] لكن من ذلك العاقل الذي يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم حتى يعيد إلى نفسه رَكازَ عقله ويتمكن مرة أخرى من ذاته؟
وعندنا مع الاستعاذة الوضوء. ورُوي عن النبي ﷺ أن الغضب جمرةٌ من الشيطان، وأن النار لا يطفئها إلا الماء.[7] فإذا مسّ الماءُ الجلد سكن الغضب الذي في داخله. علاجٌ طبيعي بمنتهى البساطة.
جرعة الغيظ تملأ الجوف إيمانًا
ثم ختم بحديث جرعة الغيظ، وهو بحسب ما نقله: «ما من جرعةٍ أحبُّ إلى الله من جرعة غيظٍ يكظمها عبد، ما كظمها عبدٌ لله إلا ملأ جوفه إيمانًا».[8] فما من إنسانٍ يكظم جرعة غضب في نفسه إلا ملأ الله تبارك وتعالى قلبه إيمانًا.
وذكر موقفًا حصل بين عمر بن عبد العزيز وولده، يرويه الشيخ ابن رجب: أن عمر غضب، فلما غضب قال له ولده: أمثلك في إيمانك هذا يغضب؟ فقال له: ألا تغضب؟ وكان اسم الولد عبد الملك. فقال له: لماذا إذن وسّع الله صدري إلا ليتردد الغضب في داخله حتى يسكن؟
وقرّب هذا المعنى بمثالٍ بسيط جدًّا: تخيّل أنك في النادي حيث يضربون الكرة بالمضرب؛ تضربها ضربةً قوية فتذهب إلى الحائط، ثم ترتد، فتصطدم بالحائط مرةً أخرى. لكن هل تستمر على هذه الحال؟ تذهب مرة، اثنتين، ثلاثًا ونصفًا، أربعًا وربعًا، وقبل أن تصل إلى الخامسة تكون قد استقرت، وتظل تتنطّط على الأرض قليلًا ثم تسكن. فكأنه يصوّر لنا حركة الغضب: تتحرك في إطار الصدر، وصدور المؤمنين الأصل فيها أنها ممتلئة بالإيمان، فإذا تحرك الغضب في داخل الإيمان سكن بعد حين.
وختم بسؤال الله سبحانه أن يرضينا وإياكم برضاه، وأن يثبّتنا بالقول…
--- [1]: توثيق المحرر: حديث «أوصني. قال: لا تغضب» أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وسائر الروايات التي ذكرها المتحدث (ونسب إحداها إلى الترمذي، وأخرى إلى أحمد من حديث عبد الله بن عمرو) نُقلت بالمعنى وبحسب ما ورد في كلامه دون تحقيق ألفاظها وأسانيدها. [2]: توثيق المحرر: البقرة: 132. اقتصر المتحدث على صدر الآية. [3]: توثيق المحرر: الشورى: 37. [4]: توثيق المحرر: آل عمران: 134. [5]: توثيق المحرر: لم يُحقَّق لفظ «حسن الخلق هو ألا تغضب إن استطعتَ» ولا قصة تكرار السؤال وتخصيص الجواب؛ ونُقلا بحسب ما ورد في كلام المتحدث. [6]: توثيق المحرر: أصل الحديث في الصحيحين من حديث سليمان بن صُرَد رضي الله عنه، ولفظه: «إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». وقد نقله المتحدث بالمعنى فصيغ هنا بغير علامات اقتباس. [7]: توثيق المحرر: ورد معنى ذلك في سنن أبي داود بإسناد فيه مقال، ولفظه: «فإذا غضب أحدكم فليتوضأ»؛ ونقله المتحدث بالمعنى دون عزو. [8]: توثيق المحرر: ورد في معناه عند أحمد وابن ماجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما؛ واللفظ المثبت هو ما نطق به المتحدث دون عزو.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.