جامع العلوم والحكم ١٨: اتق الله حيثما كنت
سلسلة جامع العلوم والحكم: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن»
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا. اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وقِنا عذاب النار، واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة برحمة منك ورضوان وكرم يا ربّ العالمين.
الحديث ووصاياه الثلاث
حديث اليوم يرويه لنا أبو ذر رضي الله تعالى عنه، ومن الرواة له أيضًا سيدنا معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ في الحديث المشهور: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»[1].
في هذه الرواية يجمع النبي ﷺ بين وصايا ثلاث في لقاء واحد، في كلمات مختصرة وجملة موجزة. وتذكر بعض الروايات أن رسول الله ﷺ حدّث معاذًا بهذا الحديث وهو منطلق في رسالته إلى اليمن.
وقفة مع أبي ذر
وأبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه حين يروي لنا هذا الحديث، فإن لنا مع هذا موقفًا؛ فدعونا نتوقف دقائق معه. أبو ذر الغفاري، كما تعلمون، من قبيلة غفار التي كانت تمثّل تهديدًا مباشرًا لكل من يسير على الطريق؛ كانوا قطاع طرق، لا يمرّ عليهم أحد ثم ينجو من أيديهم، يترصّدون الناس بإحكام. وُلد أبو ذر ونشأ وتربّى في هذه البيئة، بيئة قطّاع الطرق، غير أن فطرته السليمة لم تكن تستريح لها، فكان دائم السؤال. وخاصةً حين سمع بخروج محمد بن عبد الله ﷺ، فأرسل مبعوثًا خاصًّا له يسأل عن حقيقة الموقف. دخل مبعوثه، وسأل، ورجع إليه، فلم يكتفِ بهذه الإجابات، ولم تشفِه ولم تُشبع نهمه، فعاد هو منطلقًا إلى مكة يبحث عن حقيقة ما سمع، فأدرك حقيقة الموقف وأسلم بين يدي النبي ﷺ.
وإسلامه قصة، لكنني أختصر للوقت. فإذا به بين يدي النبي ﷺ، فيأمره أن يكتم أمره، أي: يسكت قليلًا، فلم يأتِنا إذن بعدُ بأن نجهر بما بين أيدينا. لكن أبا ذر ليس هذا من طبيعته؛ فهو قاطع طريق، وموضوع أن يستخفي ويسكت ليس موضوعه أصلًا. فخرج في صبيحة اليوم التالي، وفي وسط مكة نادى: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. والرجال هناك ما توصّوا به، فلقّنوه درسًا كبيرًا، وضربوه ضربًا شديدًا جدًّا، حتى أتاه (لا أتذكر الاسم) فنادى في الناس: ويلكم، إنه رجل من غفار، وإن أموالكم تمرّ عليهم ذهابًا وإيابًا! فعقلوا قليلًا، وأمسكوا عنه.
فعاد في اليوم التالي فأعلن إسلامه مرة أخرى في وسط الناس، فعادوا إلى ضربه، حتى استُنقذ من بين أيديهم. (لو استحضرنا الرواية كاملة لاستمتعتم بها حقيقةً). ثم أذن له النبي ﷺ أن يعود إلى غفار وأن يلحق به في وقت ما، فانطلق إلى غفار يعمل فيهم بما سمع من رسول الله ﷺ، ثم عاد إلى النبي في المدينة بعد غزوة الخندق، فبقي مع النبي ﷺ من غزوة الخندق إلى وفاته عليه الصلاة والسلام. فنحن نتكلم تقريبًا عن ست إلى سبع سنوات على الأكثر، وما رواه لا يتجاوز مئتين وشيئًا من الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.
سؤال عن شخصية الراوي
فتساءل هنا سؤالًا بسيطًا جدًّا: أبو ذر رضي الله تبارك وتعالى عنه وهو يروي مثل هذا الحديث، أيّ شخصية كانت لديه؟ وأيّ شخصية كان يمتلكها يوم جاء النبي ﷺ؟ إنه هذا الشخص المتمرّد نفسيًّا على طبيعة الحياة في ذاتها؛ الذي يخرج إلى الطريق ليأتي بأموال الناس. هذه شخصية متمرّدة. وهناك شخصيات كثيرة جدًّا تعيش تحت خط الفقر المدقع، والناس مستكينة قاعدون في مكانهم متحمّلون وبس، لكن هذا الشخص لم يرضَ بذلك، وإنما خرج على الناس. وليست هذه محمدةً في حد ذاتها، ولكننا نتحدث عن الدوافع النفسية لدى الأشخاص. فهذا الشخص المتمرّد نفسيًّا يأتينا في يوم من الأيام فيحدّثنا بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ. والدراسة النفسية لكل صحابي مسألة مهمة جدًّا لنا، في واقعنا وتعلّمنا وحياتنا.
لكن دعونا نمرّ: ما هي الوصايا الثلاث؟
الوصية الأولى: «اتق الله حيثما كنت»
ما دلالة «اتق الله»؟ تكلمنا سابقًا أن تقوى الله تتنوّع في وصفها وكيفيتها وكمّها بقدر الموقف الذي فيه الإنسان. فالمؤتمن على أموال الناس، تقوى الله عنده أن يحفظ أموال الناس. والذي يتعامل مع النساء في بيع أو شراء، تقوى الله عنده أن يحفظ ستر هؤلاء النساء. ومن يحكم في الخلق، فتقوى الله عنده في هذا الحكم. وهكذا من له زوجة فعنده نوع من تقوى الله، ومن لديه أولاد فلديه نوع من تقوى الله، ومن يعمل موظفًا يحضر في الدوام الفلاني ويخرج في الدوام الفلاني، ويتردّد عليه الناس يقضون مصالحهم، فلا يُهمل ذلك. هذه أنواع مختلفة من تقوى الله سبحانه وتعالى. وبناءً على البيع والشراء: الغش والتدليس والكذب، كل هذا ينطلق في تقوى ربّ العالمين سبحانه وتعالى.
غير أن العبارة الواردة هنا كأنها تخاطب حقيقة هذا التنوّع في التقوى، ولكن بعبارة مختلفة: «اتق الله حيثما كنت». فما دلالة كلمة «حيثما»؟ وهل يقصد بها المكان، أم الزمان، أم الحال؟ وهل يقصد بها كل هذا؟ أن يتقي العبد ربّه في كل موقف وكل حال، وكأنه استشعارٌ لمفهوم التقوى دائم الذكر، حاضر في الذاكرة طوال الوقت: وأنا أتكلم، وأنا أدرّس، وأنا أتعلّم، وأنا منطلق إلى عملي، وأنا سائق سيارتي، وأنا أحضر الاجتماع، وأنا أردّ على الناس في الهاتف، وأنا أكتب رسالة، أنا أتقي الله في كل شيء، في كل أمر من أمور حياتي. يأتي هذا المفهوم: العلاقة في التقوى بين العبد وبين الله.
الوصية الثانية: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها»
نحن فاهمون هذه العبارة: كلما عملتَ سيئة أتبعتَها بماذا؟ بحسنة، لأن الحسنة تمحو السيئة. وهذه الشخصية المناضلة للوصول إلى مستوى معيّن من الصالحات، لما قال النبي ﷺ: «اتق الله حيثما كنت»، فالطبيعي أن يُتصوَّر من وراء هذه العبارة أنك لن تخطئ خطأً أبدًا، أنت رجل صاحب تقوى. لكن هذا عكس الطبيعة البشرية؛ فالطبيعة البشرية الأصل فيها الزلل والخطأ، وهذه رواية صريحة من النبي ﷺ: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون»[2]. فكأنه ﷺ يقول: إن تقوى الله ومراقبته لن تحول بينك وبين طبيعتك البشرية.
من الطبيعة البشرية أن يخطب الإنسان مرة فيخرج منه لفظ لا يناسب، هذا خطأ، فماذا نصنع؟ ومن الطبيعة البشرية أن ينال الإنسان شيئًا قد يكون صغيرًا أو تافهًا. ومن الطبيعة البشرية أيضًا أن ينظر الإنسان مرة إلى ما ليس حلالًا له. والنبي ﷺ حين يحدّث، يتعامل مع إنسان، هذا الإنسان يصدر منه الخطأ، ويصدر منه البرّ ويصدر منه الفجور في بعض مواقفه وأحيانه. فكأن رسول الله ﷺ يأمرني أن يحصل في نفسي (لا أقول هذا الصراع، وإنما هذا النوع من) النضال الداخلي: أن يبقى الإنسان مثابرًا لهدف أكبر، وهو أن يتمّ يومه وقد غُفر له ما قصّر فيه وتمّ قبول ما أحسن فيه. تعرف حين تأتي آخر مرة لتسوّي حساباتك فتجد عندك ربحًا على طول، لا خسائر، بإذن ربّ العالمين سبحانه وتعالى: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها».
والنية الحاصلة وقت فعل السيئات: هل هي نية تعمّد، أم نية خطأ؟ لنقل: من صدر منه فعل السيّئ، هل صدر منه هذا الفعل بتعمّد، أنا ذاهب لأرتكب هذه الجريمة؟ أم صاحب تقوى صدر منه خطأ؟ فالخطأ ليس متعمَّدًا، فالقصد فيه غير متوفر بنسبة مئة بالمئة. طيب، حين أعمل حسنة أتبع بها السيئة، فهل هي مسبوقة بنية أم ليست كذلك؟ مسبوقة بنية بلا شك، هذا مؤكد. فتخيّل أن نيتك منعقدة دائمًا على فعل الخير، أو فعل الخير المدرك لحالٍ سبقته من سيئة نريد محوها.
فكأن الإنسان ماشٍ وفي يده ممحاة (وهي «الأستيكة» في اللهجة المصرية)، فيقول ﷺ في الجزاء: «تمحها»، أي أنها «ممحاة» نمسح بها الكتابة الخطأ. فثمّة إنسان يسير وفي يده ما يمسح به. وتخيّل إنسانًا عنده ما يسمّونه الوسواس (OCD)، فصاحبنا هذا ماشٍ دائمًا وفي يده كأنه يمسح ويمسح. أنا عندي نوع آخر من هذا، وهو الوسواس مع السيئات، لكن ليس بالمستوى المرضي، وإنما بالمستوى الصحي. «أتبع السيئة الحسنة تمحها»: هذه علاقة بين الإنسان ونفسه، لأنها علاقة صناعة المراقبة الداخلية.
الوصية الثالثة: «وخالق الناس بخلق حسن»
تخيّل شخصًا يحاول بقدر ما يستطيع أن يتقي الله في كل شيء، تمام، وإذا صدر منه خطأ فهو مدرك. «الأنتينة» دائمًا مرفوعة، وقرون الاستشعار جاهزة تلتقط أي خطأ فيصلحه. أتظن أن مثل هذا الشخص سيسبّ إنسانًا، أو يجرح آخر، أو يقصّر في حق فلان، أو يتجنّى على أموال فلان، أو يهتك عِرضه؟ مستحيل. فكأن الأخلاق، التي هي خلاصة الرسالات الإلهية، أن يكون الإنسان صاحب خُلق مع ربّه ومع نفسه ومع الناس. فيقول النبي ﷺ: «وخالق الناس بخلق حسن».
والأصل عند الناس الذين يفكّرون تفكيرًا محدودًا أن يكون الخلق الحسن بين المؤمنين وبعضهم، «إحنا عيلة مع بعض». لكن الإسلام يأمرك، كما قال الله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾[3]. تخيّل الأمرين: الأمر بإقامة الصلاة مقرون بالأمر بقول الحُسنى للناس. ولو اعتبرنا السياق القرآني لرأينا أن الكلمة الطيبة لا تتوقف عند كونها صدقة، وقد تأخذ عند بعض الأفهام نفس منزلة إقامة الصلاة. فإقامة الصلاة فريضة أم نافلة؟ والقول الحسن للناس فريضة أم نافلة؟ فريضة؛ يعني ليست فريضةً يترتب عليها الثواب والعقاب بالمفهوم الاصطلاحي الأصولي الفقهي، وإنما هي فريضة اعتبارية متمشّية مع أصل الرسالة التي نحملها في قلوبنا وعقولنا.
الخلاصة
أطلتُ عليكم، لكن خلاصة القول هنا أن رسول الله ﷺ أراد لنا أن نجمع مكارم الأخلاق كلها في تقوية علاقتنا بربّ العالمين سبحانه وتعالى، وتقوية تنميتنا لذواتنا، وتمتين العلاقات بيننا وبين الناس.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يلحقنا بالصالحين، وأن يتوفّانا على الإسلام، وأن يجبر خواطرنا في كل ما آتانا، وأن يجعلنا أهلًا لحمل هذه الرسالة وتلك الأمانة.
--- [1]: توثيق المحرر: نُقل نص الحديث كما نطق به المتحدث؛ وقد أشار إلى روايته عن أبي ذر ومعاذ رضي الله عنهما. والحديث رواه الترمذي من حديث أبي ذر ومعاذ، وهو حديث حسن. [2]: توثيق المحرر: رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه، وهو حديث حسن؛ ولم يعزه المتحدث. [3]: توثيق المحرر: الآية من سورة البقرة (٨٣)؛ ذكر المتحدث ما أثبتُّه منها، ولم يُسمِّ موضعها.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.