أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
قبسٌ من نور النبوّة

جامع العلوم والحكم ٨: «أُمرتُ أن أقاتل الناس»

«أُمرتُ أن أقاتل الناس»: فهمُ الحديث بين الغلوّ والتعطيل، وأين دعوتُنا؟

د. أحمد أبو سيف•١٧ مايو ٢٠٢٦•6 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 17 مايو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

هذا لقاؤنا الأسبوعي مع «جامع العلوم والحكم» للإمام ابن رجب رحمه الله، ونلتقي اليوم مع الحديث الثامن.

نصّ الحديث

يحدّثنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبيّ ﷺ قال: «أُمِرتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّ الإسلام، وحسابهم على الله». رواه البخاري ومسلم، وله شواهد أخرى بمعناه.

طرفان تمسّكا بالحديث

هذا الحديث ممّا تمسّك به كثيرون، لكنّه انحاز في أذهانهم إلى أحد طرفين. الطرف الأول زعم أن الإسلام أمر أصحابه بتتبّع الخلق وقتلهم حيثما كانوا وحيثما شاؤوا، ويقولون: هذا تصريح الحديث، فمن لم يشهد أن لا إله إلا الله فهو محلّ قتلٍ أمر به النبيّ ﷺ بنفسه، ولا يبقى على ظهر الأرض أحدٌ إلا أن يشهد، فادّعوا أن الإسلام يقتل الخلق بحجّة هذا الحديث. والطرف الآخر تمسّك كذلك بظاهر الحديث، ورأى أنه يُحِلّ دمَ كلّ من خالف هذه الوجهة.

وكلا الفريقين لم يدرس واقع سيرة النبيّ ﷺ في أصلها، ولا صنيعَه في ذاته. فانظر إليه يعيش في مكة ثلاثة عشر عامًا، ثم سنواتٍ في المدينة؛ فأيُّ الناس كان مسالمًا له فرفع في وجهه سيفه؟ كان اليهود والنصارى يعيشون حول رسول الله ﷺ ويأتون إليه ذهابًا وإيابًا، ولم يعتدِ على أحدٍ أبدًا ﷺ. بل كان عليه الصلاة والسلام يحلّ دمَ بعض الناس لجرائم كبيرة جدًّا صدرت منهم، ثم يعترض معترضٌ فيأتي العفو. ولم يرفع سيفه إلا في معركة. فكيف نفهم الحديث إذن؟

ما قاله الشرّاح

بعض شرّاح الحديث ذهبوا إلى أنه جاء في سياق الحديث عن قريش، على أنه مبدأ عام: ما داموا يحاربونه فهو محاربهم حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.

وبعضهم قال: لا بدّ أن نفكّك تراكيب الحديث، وأن نفهم كلّ كلمة في موضعها. يقول ﷺ: «أُمرتُ أن أُقاتل»، وفي اللغة لفظٌ للمقاتلة ولفظٌ للقتل، فأيّهما هنا؟ «أُقاتل» وليس «أقتل». وكلمة «أقاتل» تعني مبارزةً بين طرفين، فأيّهما يبدأ؟ وهل بدأ النبيّ ﷺ قتالًا مع أحدٍ دون سببٍ وجيهٍ غيرِ كونه كافرًا؟ كأن يكون معتديًا، أو يمثّل خطرًا على الأمة، أو يدعم من يعتدي عليها، وفي ذلك أمور لوجستية وعسكرية يفهمها أهلُ الجندية أكثر منّا. وما دون ذلك لم يفعله ﷺ. فجاءت كلمة «أقاتل» تعبّر دائمًا عن الدفاع: الدفاع عن الهوية أولًا، ثم عن الأرض والحرمات والأعراض والشرف. فكأنّ رسول الله ﷺ يقول: أنا موجودٌ للذود عن الدين ما دام ثمّة من يحاربه ممّن لا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

الإشكال الذي يبقى

لكن تأتينا مشكلة. وأين المشكلة يا سيدي الحبيب؟ المشكلة أن النبيّ ﷺ قال: «ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة». فلو كانت القضية أنهم ما دموا يقاتلوننا فنقاتلهم حتى يقولوا الشهادتين، فأين نضع بقية الكلام؟ ثم نفاجأ بما يُروى عن أبي بكر رضي الله عنه[1] أن النبيّ ﷺ بايع أناسًا على لا إله إلا الله محمد رسول الله ولم يكلّمهم عن الصلاة والزكاة. وفي المسألة روايات أخرى لا نريد أن نخوض فيها لبعدها عن فهم الناس.

والشاهد عند العلماء، أو فيما أفهمه، أن ذلك ربما كان في بدء الإسلام وبدء الدعوة، ثم جاءت آيات بعد ذلك، مثل آية الإذن للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلموا وأن الله على نصرهم لقدير[2]، إلى آخر ما ورد في صياغة هذا التشريع وتنظيم أحواله وترتيب مقتضياته. فهل كان الكلام في بدء الدعوة ثم تطورت الأحوال إلى ما فوق ذلك؟ وإن كان كذلك، فهل نحن مخاطبون به؟ هل كان كلام النبيّ ﷺ مؤقّتًا، لازمًا له ولزمانه، فلمّا تحوّلت الأحوال ومات ﷺ أُلغي هذا البند؟ وإن لم يكن باقيًا فينا، فما فائدة وجود الحديث، وإصرار أهل الحديث على إيراده وتصدير كتبهم به؟ وهو الحديث الثامن في «جامع العلوم والحكم»، وابن رجب أخذ ترتيبه من الإمام النووي في «الأربعين النووية» وزاد عليها. فنحن أمام أعمدة أهل الحديث، يصدّرون هذا الحديث في بدايات مصنّفاتهم، فما فائدته إذا انقطعت الحرب؟

بند المدافعة ومسارات الدعوة

أولًا: «أُقاتل» تعني أُجاهد، و«أُجاهد» تعني أُدافع، والمدافعة فيها شدٌّ وجذب. وهناك بندٌ يغيب عن أذهان كثيرين؛ لا أقول إنه يُلغي الأول، ولا ننكر كلام النبيّ ﷺ أبدًا ولا يكون ذلك لعاقل، لكنّ هناك بندًا اسمه بند المدافعة بمسارات الدعوة. هذه المسارات الدعوية غير موجودة عندنا. فإذا كنا لا نستطيع تحقيق البند الأول أيًّا كانت احتمالاته، فلماذا سكتنا عن البنود الأخرى؟ وأين الدعوة في حياتنا؟

وحين يقول ﷺ: «أُمرتُ»، فخُذ هذا النص وقِس عليه بقية الأوامر التي أُمر بها ﷺ؛ تجد أنه أُمر في القرآن الكريم كلّه بالأبعاد الدعوية، فالأمر للنبيّ ﷺ جاء بشكل مباشر، وقضية الدعوة في المقام الأول. ثم «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، فيُقرّ لله تبارك وتعالى بالوحدانية ويشهد للنبيّ ﷺ بالرسالة، ثم يتبع ذلك بشكل طبيعي تلقائي إقامةُ الصلاة وإيتاءُ الزكاة. يقول ﷺ: «فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم». فهل اعتدى النبيّ ﷺ على مال أحد قط؟ لا أتحدث عن المسلمين، بل عن غير المسلمين: هل مدّ يده إلى مال أحد منهم؟ أبدًا.

ونسأل الله التوفيق في اللفظ الذي يخرج منّا، وألّا نزيغ عن الأصل في الكلام: أن النبيّ ﷺ أُرسل رحمةً للعالمين. هذا هو المستوى العام الكبير جدًّا. ثم ننتقل إلى ما هو أخصّ: «إنْ أنتَ إلا نذير»[3]، و«بشيرًا ونذيرًا»؛ فانتقلنا إلى مرحلة النذارة ثم إلى مرحلة البشارة. وهذه المصطلحات الكبرى الثلاثة في القرآن لوصف رسول الله ﷺ، ولا أجد شيئًا آخر إلا أن يغفل ذهني، فذهني اليوم ليس على ما يرام، نسأل الله السلامة.

وحين يقول ﷺ: «عصموا مني دماءهم وأموالهم»، فأين فعله ﷺ؟ كان في المدينة من يجاورونه ويروحون ويجيئون ويحدثون الفتن ويقلبون المجتمع المسلم بعضه على بعض، ويدبّرون المؤامرات من داخل المجتمع، ويتعاهدون مع أعدائه وينقضون عهودهم معه ﷺ. وحين انطلق بجيشه إلى أحد حصونهم كأنهم حاولوا قتله، بإلقاء صخرة عليه من فوق. ونزلت آيات في سورة الحشر[4] تشرح هذه المأساة التي مرّت بالمجتمع المسلم في مرحلة من مراحله.

إن لم تستطع أن تمدّ يدك

والشاهد أن من لم يستطع أن يمدّ يده فليمدّ لسانه، وليمدّ عقله وفكره وماله، وليضحِّ بشيء من ذلك ليعتبر. تخيّل أن المسلمين لو اعتبر كلُّ واحد منهم نفسه جزءًا من ماكينة الدعوة، ترسًا من تروسها: هذا يمدّ يده بالمال، وهذا يقول عندي أفكاري، وثالث يقول أنا موجود بيديّ، ورابع يقول أنا سأتحرك في المكان الفلاني. تروس في ماكينة، كلٌّ يعمل في جهته. فمتى تتوقف هذه الماكينة؟ مستحيل. ومتى يتوقف إنتاجها؟ مستحيل. لكن الدعوة توقّفت عندما توقّفنا نحن.

يا إخواني، والله العظيم إن الناس الآن يدخلون في الإسلام، والجهود المبذولة في مقابل أعداد الداخلين لا تُذكر أصلًا. جاءني قبل أسبوعين شابٌّ في المكتب، وقال بعد السلام: أريد أن أكون مسلمًا. فسألته: لماذا يا بنيّ؟ ما حكايتك؟ فبدأ يحكي لي قصته: كان يسأل عن الإسلام ويبحث، ثم اجتمعت عنده الأمور واحدًا بعد واحد حتى قال: أريد أن أنطق الشهادة. ونحن ما عملنا له شيئًا؛ لم نطرق عليه بابًا، ولم نبحث عنه في مدرسته أو مكانه أو جامعته، ولم نتغلغل داخل المجتمعات ونغُصْ فيها ونتحرك. هذا ما لم نفعله. والمسألة في النهاية أدوار: أنا موجود هنا وأنت تأتيني، لكن عليك أنت أن تتحرك في الناس؛ فأين بلوغُك قلوبَهم وعقولهم؟

إن لم نتحرك

لا أطيل عليكم، لكن الهدف الأسمى عندي الآن في شرح هذا الحديث وغيره أن تثور ثائرة المسلمين في نفوسهم وقلوبهم مرة أخرى، فيتحركوا نحو دعوة الناس إلى دين ربّ العالمين سبحانه وتعالى. وإلا باتت الدعوة كلها، بكل أبعادها وتفاصيلها، ومنها المساجد، في خطر. قلتُ لكم من فترة إن عدد الكنائس المعروضة للبيع في أمريكا أكثر من عشرة آلاف، وهذه لقطة واحدة فقط، على موقع واحد وبرنامج واحد، إذا دخلتَ عليه وجدتَ الدبابيس الحمراء تغطّي أمريكا كلَّها. فأين ذهب هؤلاء، ولماذا تُباع أماكن التعبّد عندهم؟ وهل يُتصوَّر أن يأتي زمان على أهل الإسلام يفعل فيه أبناؤنا مثل ذلك؟ نعوذ بالله من ذلك. إن لم نتحرك فهذا هو المصير المحتوم.

أبناء الأئمة

قبل يومين كنا نتحدث، ومعنا بعض المشايخ، في أن أكثر الأولاد انحرافًا في الغالب يكونون أبناء الأئمة. ضع يدك على قلبك وقل: يا كارثة! يا رب، يا رحمن يا رحيم. ولماذا؟ كنا نتناقش: لماذا يحدث هذا؟ لأنهم يرون معاناة آبائهم في هذه المهمة. تخيّل أن ابني صغير يعيش في البيت وأنا أتكلم مع أمّه وأنا غضبان، فيسأل: لماذا أنت متضايق؟ فيقال: حصل كذا وكانت مشكلة كذا، فيسمع كلَّ هذه المشاكل. ومن يعمل في التجارة وعاد إلى البيت شاكيًا مشاكل تجارته، فهذا طبيعي؛ وكذا الطبيب مع مرضاه. لكنك تعمل في بيت ربّ العالمين، وابنك ينظر إليك: أنت تعمل في بيت الله، والمفترض أن تكون الأخلاق فيه أحسن ما يكون، فكيف تكون هذه المعاناة التي تعانيها وأنت تعمل في بيت ربنا؟ وما الذي يدفعني إلى وظيفة لا يعلم أمرها إلا الله؟ يا عمّ، دعك من هذه القصة! فتجدهم يخرجون هكذا. ونسأل الله السلامة، اللهم اسلك بأبنائنا طريق الهداية يا رب العالمين، ثبّتهم يا رب. ولذلك، سبحان الله القدير، فإنني أرى أن المجهود المبذول في تربية أحد هؤلاء الأولاد هو ضِعف المجهود المبذول في تربية غيره.

الخاتمة

ونسأل الله البركة والسلامة. فاجتهدوا بما استطعتم، ولا تدخروا جهدًا في خدمة دين الله سبحانه وتعالى، وأَرُوا الناسَ من أنفسكم خيرًا، فإنكم مثالُ الإسلام الذي يتحرك على الأرض. أسأل الله لي ولكم.

--- [1]: توثيق المحرر: ما ذُكر عن أبي بكر ورد في التفريغ مضطربًا، فأُثبت بالمعنى المفهوم فقط، ولم يُنسب إلى كتاب. [2]: توثيق المحرر: أشار المتحدث إلى الآية إشارة مجملة ولم يتمّها؛ وهي على الأرجح قوله تعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39]. [3]: توثيق المحرر: لم يتبيّن الموضع بدقة من التفريغ؛ وعبارة «إن أنت إلا نذير» وردت في القرآن في أكثر من موضع (منها فاطر: 23). [4]: توثيق المحرر: لم يعيّن المتحدث الآيات ولا الأسماء في هذا المقطع، وإنما قال إن آيات سورة الحشر تشرح هذه المرحلة.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ