أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
قبسٌ من نور النبوّة

جامع العلوم والحكم ٢: حديث جبريل في الإسلام والإيمان والإحسان

حديث جبريل: مشهد المجيء، ثم الإسلام والإيمان والإحسان

د. أحمد أبو سيف•٢٩ مارس ٢٠٢٦•8 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٢٩ مارس ٢٠٢٦مالمصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

هذا هو الحديث الثاني من «الأربعين النووية» للإمام النووي رحمه الله، في سلسلة «جامع العلوم والحكم»: حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، المعروف بحديث جبريل عليه السلام[1].

لماذا تتنوع الروايات؟

نبدأ من الرواة الذين يروون أحاديث النبي ﷺ. تراهم يتنوعون بحسب نوع الرواية التي بين أيدينا؛ فمنهم من يناسب شخصيتَه أن يروي هذا الحديث تحديدًا. ولا أقول إن أحدهم كان يتعالى على نوع من حديث النبي ﷺ فلا يرويه لأنه لا يتناسب مع شخصيته، ونعوذ بالله أن نقول ذلك. ولكن كلًّا ينتقي ما يريده أو ما يحبه، ويلتصق بذهنه ما يوافق طبيعته وشخصيته، فهذا الانتقاء مناسب لاهتماماته الخاصة. ولذلك ترى كثيرًا من الأحاديث لها روايات متعددة؛ فمن أين جاءت الرواية الأخرى التي تختلف في كلمة أو كلمتين أو جملة؟ جاءت من أن الطريقة التي رُوي بها الحديث، في هذا السياق وهذا النسق، تناسبت مع عقل هذا الراوي واتفقت معه، فرواها كما سمعها رضوان الله على أصحاب النبي ﷺ. وكم تمنيتُ حقًّا أن تُعقَد رسالة علمية جادة تتناول دراسة «حديثية نفسية» تتعرف على نفسيات الصحابة وشخصياتهم من خلال جمع الأحاديث التي رووها. لكن هذا ليس موضوعنا اليوم.

مشهد المجيء

ننتقل إلى حديث جبريل. جاء جبريل عليه السلام في موقف مدهش للصحابة. الراوي يصف الرجل بأنه «شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر». ولو قال «بثياب بيضاء وشعر أسود» لقلنا إنه يصف الرجل من حيث الهيئة، لكنه هنا يصف حال الرجل. وقد جاء الرجل وليس مجيئه بدعًا في الواقع الذي يعيشون فيه؛ فليس جديدًا عليهم أن تأتي وفود، لا أشخاص فقط، إلى النبي ﷺ فيجلسون معه، أو يأتي أحد فيسأل رسول الله ﷺ، فليس هذا مستغربًا عند أصحابه رضوان الله عليهم. لكن عندنا هذه المرة حالة خاصة جدًّا: رجل في منتهى الأناقة، مثل صاحبٍ لي كلما رأيته صباحًا أحتضنه وأقول له: ما هذا الجمال! نسأل الله أن يجعل لك نصيبًا مما تحلَّيت به، وأن يجمّلنا جميعًا بين يديه يوم لقائه.

فلفت نظر أصحاب النبي، وعمر تحديدًا، لأنه رجل دقيق الملاحظة فيمن حوله، يستطيع أن يُقيّم الرجال بما يرى من أحوالهم؛ ينظر إلى الرجل فيسبر غوره ويدرك أبعاد نفسه. فرأى رجلًا وجيهًا، شديد البياض للثياب، شديد السواد للشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، فمن أين أتى؟ وتلك هي المفاجأة. إذن هناك شيء سيتبدّى لنا بعد حين من الرائد الذي لا يكذب أهله ﷺ، سيحدثنا بحقيقة لا يحسن أحدنا أن يدرك أبعادها إلا من خلال المصدر الأوحد لنا، وهو الوحي على لسان رسول الله ﷺ.

قال رضي الله عنه: «إذ طلع علينا». وهناك فارق بين «طلع علينا» و«جاء»؛ فالمجيء يشير إلى خطوات تتوالى وهم يرقبونها، يدركون أن هناك أحدًا قادمًا فينتبهون له، أما «طلع علينا» فكأنه فاجأهم في مجلسهم. تخيّل أن يطلع علينا الآن من باب المسجد رجل، فنقول: الله أكبر، فلان! ونحن رأيناه في خطوات قليلة لم نرَ أثرها من بعيد. بخلاف أن ننتظر واحدًا فنقول له: تفضل، ادخل من الباب الفلاني، نحن هنا.

إسناد الركبتين

«فجلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه». لعلي أقول ـ واغفر لي إن أخطأت في الاجتهاد ـ إن هذا يوحي لنا بمستوى ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين السائل والمسؤول، أو بين المتعلم والمعلم، بين الطالب والأستاذ، بين المصدر والمتلقي. هذه العلاقة إذا حصلت فيها فجوات اندثرت تمامًا. فيجلس جبريل مسندًا ركبتيه إلى ركبتي النبي ﷺ، ثم يسأله: «يا محمد، أخبرني عن الإسلام».

والطبيعي أن واحدًا جاء من غير علمهم أن يسأله رسول الله ﷺ: من أنت؟ لكن النبي ﷺ يعلم أنه جبريل والناس لا يعلمون. فلماذا لم يبيّن لهم قبل أن يتحدث، حتى لا تأخذهم الدهشة بالحضور المباغت لشخص جديد فينشغلوا عما سيتلقّونه من رسول الله؟ لأن المشهد ليس مُبهِرًا فحسب وإنما هو مُبهِج، فاقترن الإعجاب بالمفاجأة، وكانت الإثارة أكبر لما سيتلقّونه من هذا النموذج الجميل: ماذا سيسأل يا ترى؟ خلّنا نرى. فكان عدم السؤال عن اسمه أدعى لإثارة أصحاب النبي ﷺ وأعون لهم على أن يتعلموا من المشهد أكثر مما لو سُئل.

العالم لا يشترط لجواب السائل

فقال: «أخبرني عن الإسلام»، فأجابه مباشرة. وهنا مسألة: أن العالم لا يشترط شيئًا لجواب السائل، وإنما يُجيب عن المسألة مباشرة دون قيد أو شرط ما دام يعلم. قال: «أن تشهد…» وكذا وكذا، ولم يسأله جبريل: أين الدليل؟ وإنما سلّم له بالجواب لأنه أتاه واثقًا. وأعلّق على هذه الجزئية لأن كثيرًا من الناس، أو بعضهم، يأتي فيسأل في مسألة، فتقول له: الجواب كذا، فيقول لك: طيب، وما الدليل؟ وما شأنك أنت بالدليل؟ حاجة من اثنتين يا حبيبي: إما أن تدخل في دائرة من اجتهد واستنبط وتعلّم، وإما أن تكون من المقلِّدين. تسألني «أين الدليل» ونحن في قاعة العلم! وبعضهم يسأل لمحض الاطمئنان، وهذا له وجه، لكن هناك ما يُسمّى حسن التأدب في السؤال. بعضهم يسأل وكأنه يشكّك في قدراتك حين تجيبه بشيء ما، خاصة إن كان يسأل في مسألة غريبة أو اختلفت فيها أقوال العلماء. لن أدخلكم في هذه القصة.

الإسلام: توقيع العقد

قال ﷺ: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله». وأنا حين أترجم هذا الكلام أقول: إن هذا توقيعٌ لعقد الإسلام. تأمّل شركة ما تريد أن توظّف الناس: تضع إعلاناتها، ثم يأتي من تُجري معه المقابلة، فتوافق عليه، والخطوة التي بعدها توقيع العقد. وبعد توقيع العقد تسلّمه الزيّ الموحَّد، وتسلّمه المفاتيح التي يفتح بها الأبواب. فهل اشتغل بمجرد التوقيع؟ لا، لم يشتغل بعد، لكنك سلّمته هذه الأشياء، ثم يبدأ يظهر في حياته العملية. كذلك أنا أريد أن أدخل الإسلام، فكيف أوقّع العقد بيني وبين رب العزة سبحانه وتعالى؟ أوقّع عقد العبودية بين يدي الله بكلمة «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله».

ويُروى أن النبي ﷺ كان يُسأل عن بعض أصحابه، من الشباب ممن يتوهّج عندهم الشباب فيخرجون عن الاستقامة قليلًا، فيأتيه من يُخبره بأن فلانًا يصلي خلفه الصلوات الخمس ـ تخيلوا، أن يصلي أحد خلف النبي ﷺ خمس مرات كل يوم ـ لكنه إذا خرج من المسجد فعل كذا وكذا من المعاصي. هل يُعقل يا شباب أن يصلي أحد خلف النبي خمس مرات ثم إذا خرج عمل المعاصي والسيئات؟ فكان جواب النبي ﷺ بمعنى أن صلاته ستنهاه عن الفحشاء والمنكر، فلا داعي للقلق عليه؛ لأن له عقدًا موقَّعًا.[3] فكأن الذي وقّع عقد العبودية مع الله تبارك وتعالى، وإن ابتعد ولو لحين، فهو عائد. فأَمِّلوا في الناس خيرًا بإذن رب العزة سبحانه وتعالى.

الأركان مظاهرُ الإسلام

ثم: أن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. كل واحدة من هذه تحتاج إلى قصة طويلة من الكلام، وخلاصة القول أن تلك هي المظاهر التي يظهر بها الإنسان أمام من حوله مُشهِرًا إسلامه بعد توقيعه العقد مع الله.

الإيمان

نعبر إلى مسألة الإيمان، وهي تحتاج إلى بضع لحظات نفهم فيها دلالة كلمة الإيمان. الإيمان عبارة عن اقتناع للعقل بالفكرة، وشعور بالانجذاب إليها؛ اقتناع عقلي بالفكرة وانجذاب إليها لا تستطيع أن تمنع نفسك عنه. ولذلك لو خُيِّرتَ بين إيمانك وبين كنوز الدنيا كلها لما تركته.

والعجيب أن علماءنا يقولون إن هناك ما يسمّى «النفاق العملي»، أي أن تمارس النفاق دون أن تقصده. ولا أريد أن أقول الشرك، لا أريد أن أصل بكم إلى هذه النقطة؛ فلنبقَ عند النفاق. والمثال أن ترى إنسانًا واقفًا أمامك، فتقول له: خذ هذه الحقيبة، فيها مال كثير، واشهد أن مع الله إلهًا آخر، فيقول لك: مستحيل. وهو في الوقت نفسه يغشّ الناس ويسرقهم. فتقول له: لو علمتَ أن الله عز وجل لا إله إلا هو، وشهدتَ له بهذه الوحدانية، فلن تغشّ الناس أصلًا. ومع ذلك فالعودة قريبة.

فالإيمان قناعة عقلية بالمبدأ الذي تنتمي إليه، وانجذاب القلب الدافع للبدن أن يتحرك في هذا الاتجاه. ولذلك ترى المؤمن ـ وقد ورد في الحديث: «ورجلٌ قلبُه معلَّقٌ في المساجد»[2] ـ تتخيله وقد ذهب إلى بيته وقلبه وراءه هناك في المسجد، لا يستطيع أن يفارق هذا الشعور؛ نفسيًّا يشعر وكأنه مخلوق لأجل هذه البيوت لرب العالمين سبحانه وتعالى. والإيمان قضية يتعامل بها الإنسان فيما بينه وبين نفسه؛ أُثبت لذاتي انتمائي لله تبارك وتعالى من خلال ما أمارسه داخليًّا.

الإحسان

وبه نختم، لأننا أطلنا اليوم جدًّا. الإحسان هو مرحلة الارتقاء فوق مستويات الناس، وحتى فوق مستوى الالتفات إلى الذات؛ أتعامل مع رب العزة سبحانه وتعالى مباشرة: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

والفرق كبير جدًّا يا إخواننا. أحيانًا تكون ماشيًا على الطريق، فيقول لك جهاز الملاحة: انتبه، هناك شرطة بعد ميلين، أو بعد ميل. فتهدأ قليلًا، أنت تمشي عاديًّا، حتى إذا اقتربنا رأيتَ بالفعل أن هناك شرطيًّا. لكن إذا وصلتَ إلى مرحلة أنك تراه، فماذا تفعل؟ هل تلعب؟ هل تدخل في قصص المخالفات والتأمين والدوامة؟ لا، لا، بل تقول: أريد أن أكون في أمان وهدوء. لكن متى حصلت التهدئة اليقينية؟ عند حصول اليقين بالرؤية. فالانضباط التام لا يحصل إلا بعد مرحلة اليقين، ومرحلة اليقين لا تتحقق إلا بمحض الرؤية. ولما كانت الرؤية البصرية منتفيةً في الدنيا، تعالى ربنا عز وجل وتقدّس، تحققت الرؤية القلبية. كيف يحصل ذلك؟ أن يبلغ الإيمان حدّ اليقين بأن ربي معي حيث كنت، يراقبني، متابعٌ لأعمالي، قد أحصَتْ عليّ ملائكتُه وهم حولي، لا أخرج عن إطار هيمنته وقدرته سبحانه جلّ في علاه.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلّمنا، وأن يبصّرنا.

--- [1]: توثيق المحرر: حديث جبريل أخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأصله في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقد ذُكر في التفريغ اسما الصحابيين دون تفصيل. [2]: توثيق المحرر: أورد المتحدث الحديث بالمعنى («قلبه معلق في المسجد»)، ولفظه في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله عند البخاري: «ورجلٌ قلبُه معلَّقٌ في المساجد»، وعند مسلم: «معلَّقٌ بالمسجد». [3]: توثيق المحرر: أورد المتحدث القصة بالمعنى دون عزو. ويشبهها ما رواه أحمد وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال: إن فلانًا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق، فقال ﷺ: «سينهاه ما تقول». والمثبت في المتن نقلٌ بالمعنى لما قاله المتحدث، لا حكايةٌ للفظ نبوي.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ