أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

اللحظات الأولى في الجنة وما أعددنا لها

رسالة عن الجنة: لماذا تعيش؟ ومع من تعيش؟ وما الذي أعددناه للقاء؟

د. أحمد أبو سيف•٢٤ مايو ٢٠١٨•5 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٢٤ مايو ٢٠١٨م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

الحمد لله والصلاة والسلام على عبد الله ونبيه ورسوله سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

اللهم إنا نسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه وخير ما بعده، ونعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما فيه وشر ما بعده. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. قِنا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. اللهم احفظ علينا إيماننا، ودينَنا، وتقوانا برحمتك يا رب العالمين.

مما أحمد الله تعالى عليه أن أحياني إلى أن أراكم مرة أخرى. وأسأل الله العلي القدير أن يجعل حبي لهذا المكان ومن فيه شفيعًا لنا إلى الجنة. والله إني لأحبكم في الله، وأسأل الله تعالى لكم البركة والعافية والأمن والسلامة.

رسالة عن الجنة

تلقيت بالأمس رسالة مما كتبه الشيخ النابلسي حفظه الله، وحقيقةً وجدت فيها استمتاعًا حال قراءتها، وكأني أحلّق في السماء وأعيش اللحظات التي يحكيها. يقول: اللحظات الأولى في الجنة ستكون مبهرة جدًا. وقبل أن نكمل، فليغمض كلٌّ منا عينيه ويتخيل: حين يدخل الجنة إن شاء الله، فأول شيء سيراه ما هو؟

فما الذي تعيش له؟ هذا هو السؤال الذي لو طُرح على كل واحد منا ووجد عنده جوابه لاستراح وأراح. إذا عرفت لماذا تعيش ارتحتَ، وتلقيت كل ما يأتيك من صعاب الحياة بصدر رحب وبال متّسع، ولن تجد أمامك مشكلة أبدًا.

والسؤال الثاني: مع من تعيش؟ أنت تعيش لهدف، فمن يصاحبك لتحقيق هذا الهدف؟ إذا كنا في سفر فلي رفيق هو الذي معي. فإذا عرفت أنك تعيش مع الله لم يصعب بين يديك شيء، ولن تثقلك هموم، ولن يهزّك أمر مهما بلغ في شدته، لأنك مع من خلق الأسباب وسخّرها، وكوّن الكون وأرسى مبادئه وأسبابه وقوانينه. هو الفاعل، وهو الآمر، وهو الذي يفعل ما يريد سبحانه جل في علاه.

لحظة اللقاء الأولى

يقول: اللحظات الأولى في الجنة ستكون مبهرة جدًا، حين نرى الأنهار والقصور والثمار والخيام والذهب واللؤلؤ والحرير، وحين نلتقي أحبةً ماتوا منذ زمن وغابوا عن أعيننا. وأشد ما يؤلم الناس في الغربة أن يموت من تحب فلا تشيّعه، أو كنت تحب أن يشيّعك هو، لأنك لا تصبر على فراقه. فحين تتخيل أنه قد أتت لحظة اللقاء، وأن الأحضان والمعانقة الشديدة القوية المليئة بالدفء والإيمان، فهذه مسألة مختلفة.

ويقول: حين نبصر الملائكة بأعيننا رأيَ العين. هل حاولت قبل ذلك أن تتخيل الملائكة كيف شكلهم؟ هل حاولت أن تعيش معهم ولو لحظة؟ وحين نرى الصحابة وعلماء الأمة والشهداء ممن يُحكى لنا تاريخهم، حين تراهم، فالأمر حينها حقًا مبهر. حين يقال لنا: هذا أبو بكر، وذاك عمر، وذاك عثمان، وهذا طلحة، والجالس تحت الشجرة هناك هو خالد سيف الله، حين يُنادى على كلٍّ باسمه. وعندما تتذكر ذلك وتتصور أنك عن قريب تتلفّت لتنظر أين النبي محمد ﷺ، ثم يأتي الشوق الزائد للتطلع إلى وجه الله الكريم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.[1]

وعندما ترى أصحاب الأخدود وأصحاب الكهف وأصحاب السفينة، وعندما ترى مؤمن آل فرعون، ومؤمن أصحاب القرية، وذا القرنين، وعندما ترى ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما؛ حين ترى هؤلاء وتدرك أن أول لحظة في الجنة ستكون مبهرة، يبقى السؤال: ما الذي أعددنا لها؟

ما الذي ستقوله عن نفسك؟

وهل ذلك النفاق الذي ننافق به بعض الناس نافع حين نكون في الجنة؟ وعندما تقف أمام الخلق ليأتي عليك الدور لتتحدث عن إنجازاتك في حياتك الدنيوية، كما نتعارف نحن هنا فيقول الأخ فلان: أنا فلان الفلاني، أعمل كذا. فإذا عرّفتَ نفسك في الجنة أمام هؤلاء الناس، فما الذي ستحدّث به عن نفسك؟ تقول: كنت أحسن مجاملة الخلق، وإن شئت فقل نفاقهم؟ تقول: كنت أستر على معايبي من أعرف أن معايبهم خطيرة في داخل المجتمع، ومع ذلك تسترت عليهم حتى لا أكون أنا «الوحش» الموجود في الدنيا؟ «خليك ماشي مع الناس، مشِّ حالك، الدنيا كلها كده». ما الذي ستعبّر به عن هويتك؟

أسئلة كثيرة تدور في ذهني وفي أذهان الكثيرين عندما يأتي ذكر الجنة.

شهر فتحت فيه أبواب الجنة

أردت أن أقول هذه الكلمات وأرددها لأننا في الشهر الذي فُتحت فيه أبواب الجنة. وما الذي يعنيه ذلك؟ يعني كأن الله تعالى أمر الجنة أن تُري نفسها للناس، وأن تعرض ذاتها على الخلق حتى يراها الناس بقلوبهم وإن لم تطّلع عليها أعينهم، حتى يحسّوا بها في وجدانهم، ولو لم يستطيعوا بعدُ أن يأكلوا حقيقةً من ثمارها. يتصورونها وهم في سجودهم وقنوتهم، ويتصورونها في جوعهم أثناء صيامهم، في قلوب آمنت بالله.

أرأيتم يا عباد الله حين حدّث النبي ﷺ بقوله: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»؟[2] هل فكرنا في هذه الجملة قبل ذلك؟ احتسابًا: لا أفعلها لأحد وإنما لله، أمارسها لله، إيمانًا واحتسابًا. جهد مبذول وعرق وتعب وألم، لكنه لله ليس لغيره، وليس لهدف دنيوي، وليس لسعي إلا للآخرة. سبحان من خلق الدنيا وجعل الآخرة مثوى للمؤمنين.

لا أطيل عليكم، أعلم أن عندكم أشغالًا. أسأل الله لنا ولكم البركة يا رب العالمين، وأسأله عز وجل أن يمنّ علينا مرارًا بمطالبه الكريمة، وألّا يحرمنا حبكم، وأن نكون يوم القيامة ممن يستظلون في ظل عرش الرحمن بهذه المحبة وبخير من أسبابها. أسأل الله لكم الخير والعافية والبركة والأمن وحسن القرار، وحفظ العين من الفتن والشهوات وصحبة السوء، وأن يرضي أزواجكم عنكم، وأن يجمع علينا شمل بيوتنا ولا يجعل للشيطان سبيلًا إليها، وأن يحفظ قلوبنا عامرة بالإيمان، وأن يرجّح لنا عقولنا، وأن يأخذ بنواصينا إلى ما يرضيه سبحانه جل في علاه. وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة القيامة، الآيتان ٢٢–٢٣. ذكر المتحدث الآية في هذا الموضع وقرأ منها ما أُثبت. [2]: توثيق المحرر: حديث متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»؛ وقد اقتصر المتحدث على صدره.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ