أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

أين الخلل؟ حين يأتي البلاء بلا سبب ظاهر

بين البحث في الأسباب والتسليم لحكمة الله، وقصة يوسف عليه السلام، وأن وظيفة الإنسان الأولى أنه عبد لله

د. أحمد أبو سيف•٢٩ نوفمبر ٢٠١٨•7 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ 2018-11-29 المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

أين الخلل؟

جلس الفتى وقال: دلّني أين الخلل. فقلت له: احكِ ماذا وراءك. قال: خرجتُ مع زوجتي في يوم طيب، وتناولنا غداءً في مكان محترم، وعدنا إلى البيت فقضينا ليلة طيبة. وفي الصباح وجدتها شخصًا آخر؛ أخرجتني من البيت وبدّلت الأقفال، فوجدتُ نفسي فجأة أنام في السيارة، ولمدة طويلة من الوقت. ثم سألني: أين الخلل؟

حين لا يكون موطن الجرح ظاهرًا، فإنك تبحث في الأعراض. هو كالطبيب: ما دام لا يرى شيئًا أمامه يضع السمّاعة ويقيس النبض، فإن خفيت عليه الأمور دخل إلى الدم وطلب التحاليل والسونار والأشعة وما إلى ذلك. وعملنا قريب من هذا بشكل مختلف: تقول له احكِ لي أكثر، احكِ لي أكثر، وكلما حكى قلتَ له: أهذه هي النقطة؟ أهذه هي الجزئية؟ لكنك أحيانًا لا تصل.

وأحيانًا لا ترى سببًا للبلاء أصلًا. ناسٌ على تمام الطاعة، فيهم معرفة بالله سبحانه وتعالى، حسُن إسلامهم، يكتسبون من حلال، وليس عندهم ما يُنغّص العيش أو يُكدّر الحياة، والأمور ماشية تمام، ومع ذلك لا تجد سببًا مباشرًا للابتلاء، فتتعجّب. فتقول له: عسى أن يكون ما عندك من البلاء ابتلاءً من الله تعالى لا غير. وحين تُسنَد الأمور إلى الله ينبغي أن يكون من العبد التسليم.

حين يكون الإطار بشريًّا وحين يكون إلهيًّا

نحن نبحث عن الأسباب ما دام الإطار بشريًّا دنيويًّا. رجل جُرح في يده فنقيم دعوى على السكّين، ونقول: لا بدّ أن نرى السكّين. لماذا؟ لأنها جرحت ومضت، لقد تركتنا وأخذت تاكسي وذهبت! فنقول: هاتوا هذه السكّين لننظر هل كان عليها صدأ، هل كانت ملوّثة بشيء، فننظر ما الذي انتقل بها إلى هذا الجرح. ثم ننتقل إلى مرحلة البحث. فإذا كان الإطار دنيويًّا بحثنا عن الأسباب والمسبّبات والنتائج وحلّلنا وهكذا.

أما إذا خرجت الأمور عن إطار الأسباب وصارت إلى الله، فهنا تعلم أن لله عزّ وجلّ حكمةً قد لا يدركها العبد إلا بعد سنوات. فتقول له مثلًا: يا بُنيّ، أليس محتملًا أن الله سبحانه أراد أن تنقلب هذه السيدة هذا الانقلاب حتى تنتقل أنت إلى امرأة أخرى فترزق منها الولد؟ ولا ولد لك منها منذ مدة. أليس محتملًا أن الله قلبها هي حتى لا تكون أنت صاحب ذنب وشعور بالألم في الفترة الآتية إن أنت تركتَها، فيرزقك الله أخرى أكثر طاعةً لك؟ أليس محتملًا أنه أراد أن يخفّف عنك بتخفيف نفقاتك وكثرة مصروفاتها، وترزق بأخرى تدبّر لك معيشتك بشكل أحسن؟ أليس محتملًا أن يكون كذا وكذا وكذا؟ أليست هناك احتمالات؟

يوسف عليه السلام: أين الخلل؟

لننظر أين الخلل الذي كان عند يوسف على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام حتى وُضع في السجن كل هذه الفترة. الرجل شابٌّ محترم، شغله جيّد، متقن لأعماله، كل شيء تحت يديه مضبوط. ثم يأتي بلاء من خلال بشر، فيقابل البلاء بما ينبغي أن يُقابَل به. شابٌّ في عنفوان الشباب تريد امرأة أن تمارس معه الفاحشة؛ فما الطبيعي؟ أن يقول لها لا، هذا حرام، وينتهي الموضوع. وهذا ما فعله، لم يفعل غير الطبيعي. فهل أدّى دوره تجاه دينه والتزامه بأخلاقه؟ نعم. والطبيعي أن يُكافأ على ذلك، لكننا وجدنا الأمر على العكس: انقلب إلى سجن، ولم يكن السجن فترة قصيرة محدودة، بل فترة طويلة.

حين يقول ربنا سبحانه وتعالى «بضع سنين» فنحن لا نتكلم عن عدد من الشهور، نحن نتكلم عن سنوات تُؤخذ من عمر الإنسان بين أربعة جدران[1]، في جريمة ما فعلها ولا قرب منها ولا فكّر فيها، بل بالعكس. ويُعيَّر بأنه فعلها، ويُشهَّر به في أرجاء المدينة كلها. الموضوع ليس بسيطًا: هناك سجن داخل الجدران، وهناك سجن آخر داخل النفس، هو الشعور بالقهر، والعياذ بالله. فما الذي جناه يوسف عليه السلام حتى يُبتلى بهذا؟

لكن حين ننظر إلى إشراقة الشمس التي طلعت على حياة يوسف بعد هذه المرحلة، نفهم أن ربنا وضعه في هذا الموضع ليدرّبه. يدرّبه على ماذا؟ على القدرة التامة على التحكّم في نفسه، واستخدام ملكاته وإمكاناته. وقد يقول قائل: وما الذي تعلّمناه من السجن؟ ألم نكن تعلّمنا هذا الكلام خارجه؟ والجواب أن الإنسان حين يعتاد مثل هذه الحياة ويرى أثرها في نفوس الناس يُشفق على الآخرين، إن كان إنسانًا صالحًا طبعًا، لأن هناك نوعًا آخر من البشر يخرج أشدّ إجرامًا، يخرج منتقمًا من بقية المجتمع الذي حبسه، حتى لو كان هو ظالمًا. أما يوسف عليه السلام فقد هيّأه الله عزّ وجلّ في هذه الفترة حتى تشرق على حياته شمس جديدة.

ثم تغيّر كل شيء: اللباس يتغيّر، والأكل يتغيّر، والمناصب تتغيّر، والسرير يتغيّر، والبلد كلها تحت يديه، بعد أن كان في السجن، ومعلومٌ حال السجون: جلّاد يضرب ويقول ارمِ نفسك هنا، ويُغلق الباب فلا يرى المسجون الشمس أيامًا وأسابيع وشهورًا، نسأل الله تعالى السلامة والعافية. ومع ذلك قدّر ربّ العزّة سبحانه أقدارًا ليسبق بها إلى ما هو أحسن في حياة ذلك الإنسان. فلا تدري أيّ أرض تتقلّب بك، ولا إلى أين مصيرك. والابتلاء الذي أنت فيه اليوم هو، لهذا، أمر سهل؛ لأن الله تعالى يُعدّك من خلاله إلى مستقبل أفضل.

أنت عبدٌ لله قبل كل وظيفة

يبقى شيء واحد، حتى لا أطيل عليكم: أن يكون الإنسان على درجة من الوعي بالوظيفة التي يؤدّيها في هذه الحياة. ما وظيفتك؟ أنا أعمل مهندسًا، أنا طبيب، أنا أستاذ. لننسَ هذا الكلام قليلًا، فإن تحته الأساس الذي يُبنى عليه كل ذلك: أنني أعمل في حياتي عبدًا لله.

فحين يقول الناس: لو سمحتَ يا شيخ، نريد أن نصلّي أربع ركعات بعد العشاء، خصِّص لنا يومًا في الشهر. أقدر أن أقول لا أقدر؟ لماذا؟ لأن هذه وظيفتي التي أنتمي إليها. وحين يقولون: نريد أن نتكلّم عن موضوع كذا، فأقول: بارك الله فيكم، فكّروا لنا في الموضوع وانظروا وقتًا مناسبًا. أيمكن أن أعترض؟ لا يصحّ، لأن هذا شغلي. كما أنني إذا جئت بمقاول وقلت له: أريد هذا الحائط بهذا الشكل، فهذه شغلته، ولا يقدر أن يقول لي: سأبنيه شمالًا أو يمينًا. فإذا استحضرنا أننا نعمل في الحياة موظّفين في إطار الخدمة التعبّدية لله، فما شغلتك الأساسية في الحياة؟ عبدٌ لله. وماذا تفعل في حياتك؟ أعبد ربنا. وماذا أيضًا؟ طبيب ومهندس وتاجر وأستاذ ومدرّس وإمام وكذا، لكن هذا كله يُضاف، وتشمله أيضًا قضية العبودية، كما اتفقنا قبل ذلك.

أنت خارج من صلاة الفجر إلى عملك، ونيّتك أنك تتعب لله بالبيع والشراء، فترجع آخر النهار وأنت ترجو أن يكون ربنا سبحانه وتعالى قد كتب لك حسنات بعدد ما تكلّمت مع الناس، وبعدد الخطوات التي خطوتها، وبعدد الأشياء التي حملتها بيدك ووضعتها في مكان آخر، وبعدد الفكّة التي عددتها ووضعتها في الدُّرج، وبعدد كل الأنفاس التي خرجت ودخلت إلى بدنك، بعدد نبضات القلب، كلها يُرجى أن تكون في ميزان الحسنات. لماذا؟ لأنني احتسبتُ من الصباح وأنا خارج أنني خرجت يومي هذا عبدًا لله تبارك وتعالى، وليس عندي شغلانة غير هذه.

وانظر إلى الوظيفة في المتجر: الرجل دخل الساعة السابعة صباحًا، وأي شيء يعمله إلى الخامسة مساءً يأخذ عليه مالًا. فإن لم يكن هناك زبائن وهو قاعد على الكرسي ينتظر، قلنا له: أنت لا تعمل، نحن نخسر منك ساعتين وخمسًا وثلاثين دقيقة ما كان فيها زبائن! فيقول: أنا قاعد أنتظر الزبون. فكذلك أنت: لو نمتَ نوم من يتقوّى به على مزيد من الطاعة، كتب الله تبارك وتعالى لك الأجر.

نعود إلى السؤال

فنرجع إلى السؤال الذي بدأنا به: أين الخلل؟ أحيانًا لا يكون هناك خلل، ولكن أراد الله تعالى بك خيرًا. فمن يتلقّى ما أتاه من عند الله تبارك وتعالى بنيّة إصلاح الخطأ الذي عنده، فليبحث في الجروح كما قلنا في الأول، وننظر الأسباب والمسبّبات؛ فإذا لم يجد فأمره إلى الله سبحانه جلّ في علاه.

أسأل الله تعالى أن يُرضينا وإيّاكم، وأن يجبر خواطرنا، وأن يهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وأن يحفظ علينا عافية قلوبنا وأمن نفوسنا يا ربّ العالمين. سلّمنا اللهم من كل سوء، ومن نزغات الشيطان، ومن أهواء النفوس. اللهم آمين، برحمتك يا ربّ العالمين.

--- [1]: توثيق المحرر: اللفظ القرآني في قصة يوسف: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ (سورة يوسف، الآية ٤٢)، وقد اكتفى المتحدث بقوله «بضع سنين».

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ