أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
التفسير المقاصدي

﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: الأمر كلّه لله

﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: الأمر كلّه لله

د. أحمد أبو سيف•٣ أبريل ٢٠٢٦•3 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٣ أبريل ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وقِنا اللهم عذاب النار، واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة برحمةٍ منك ورضوانٍ وكرمٍ يا ربّ العالمين.

الآية الأولى التي استمعنا إليها اليوم في صلاتنا هي قول الله تبارك وتعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.[1]

الآية في سياق سورة البقرة

إذا تأمّلنا هذه الآية الكريمة وجدنا أنها جاءت في ختام سورة البقرة، السورة التي أراد ربّ العالمين من خلالها أن يبني أمّةً كاملة بكل محتويات الأمة ومكمِّلاتها: أساسياتٍ وتكميلياتٍ وترفيهات، سبحان الخلّاق العليم. وقد قال الله في أول السورة: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، وأخبر أن هؤلاء المتقين هم الذين ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾[2].

ما في الصدور: الرضا أو نكران النعمة

وإذا بأناسٍ يجتهدون، فإذا حصل مرادهم شكروا، وإذا لم يحصل مرادهم كفروا. ليس ذلك سَمْتَ المؤمن، وإنما سَمْتُ المؤمن وشعارُه: «لله ما في السماوات وما في الأرض». وإن تُبدوا ما في أنفسكم من الرضا عن قضاء الله وقدره قُبل منكم، وإن تُخفوا في صدوركم شيئًا من نكران نعمة الله عزّ وجلّ فالمسألة عليكم أيضًا.

فكأن الآية تلخّص عقيدة المسلمين بعد اجتهادهم في العمل: نبذل ما نستطيع ونجتهد بكل ما نقدر، ثم يأتي القدر من الله تبارك وتعالى مكمِّلًا أعمالنا، فإن أعطانا ما نريد فبها ونعمت، وإلا فالأمر لله عزّ وجلّ في الأولى والآخرة، ونسلّم له ما بين أيدينا سبحانه وتعالى. وقضية التسليم تساوي قضية الرضا، تساوي الطمأنينة، تساوي الاحتساب، تساوي مزيدًا من العمل ومزيدًا من التضحية لأجل هذا الدين.

وشعار المسلمين أن يغفر الله لنا، وليس أمرًا سوى ذلك: سمعنا وأطعنا، فاغفر لنا يا ربّ العالمين. وهو سبحانه يعلّمنا في هذه الآية المباركة وما يتلوها أن الأمر كلّه لله عزّ وجلّ في أوله وآخره. فإن زاد ما عندنا من مال فالأمر لله، وإن نقص فالأمر لله؛ وإن زاد عندنا من ولد فالأمر لله، وإن نقص فالأمر لله.

راحة الإيمان

تلك عقيدة أهل الإيمان الذين يستريحون بها في دنياهم، وينعمون بها في معيشتهم، ويستقرّون بها في بيوتهم، ويألفون بها من حولهم؛ يشعرون معها بالأمان والطمأنينة والهدوء والراحة والسكينة، فلا تكثر عليهم الهموم ولا تتضاعف عليهم الأحزان. لماذا؟ لأنهم مسلمون، أمرهم لربّ العزة سبحانه وتعالى؛ شعارهم في الدنيا أنهم يبذلون ما يقدرون عليه وما يستطيعون، وما قبل ذلك وما بعده وما وراءه وما أمامه إنما هو لربّ العالمين سبحانه وتعالى.

ثم السؤال: هل نبذل ما علينا؟

جاءت هذه الآية لتعالج في نفسي قلقًا نحو المستقبل، سواء لنفسي أو للأمة. فالأمر كله لله سبحانه وتعالى. ويبقى السؤال: هل نبذل ما علينا، أم أننا ننتظر تلك الحجّة التي نحتجّ بها أحيانًا، أن الله غالبٌ على أمره وأنه فعّالٌ لما يريد، دون أن نخطو خطواتٍ نحو مستقبلٍ لهذا الإسلام، ونحمل همَّه في حياتنا الأولى والآخرة؟

نحن الآن أمام آيةٍ تكشف لنا ضمائرنا من الداخل، وتُرينا ما نخبّئ في داخل هذه الصدور. فمن استقام قوّم الله له حياته، ومن اعوجّ اعوجّت بين يديه أسباب الدنيا والآخرة. ولا أُطيل عليكم، ولكن إن التمستَ طمأنينةً وقرارًا يلتمسه كل عاقلٍ في هذه الدنيا، فأمرك بين يدي الله: اجتهد فيما بين يديك، في طلب الرزق، وفي محاولة التحصيل، وابذل ما تستطيع، ولا تحزن لنتائج أبدًا، فإن الأمر كله لله. ﴿يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ هكذا حدّث الله تعالى رسوله ﷺ.[3]

أسأل الله العليّ القدير بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يُرضينا دائمًا بقضائه وقدره، وأن يلفت قلوبنا وعقولنا وأسماعنا وأبصارنا إلى ما يرضيه وحده عزّ وجلّ. وأسأل الله تعالى أن يثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. اللهم آمين يا ربّ العالمين. سلّم الله منطقكم وأحوالكم وأقوالكم، وسدّد ما بين أيديكم، وحفظ خطاكم، وجزاكم الله.

--- [1]: توثيق المحرر: البقرة: ٢٨٤. [2]: توثيق المحرر: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ البقرة: ٢، و﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ البقرة: ٣. وبعد ذلك عبارة في التفريغ مضطربة («فكل ما كان من بداية السورة إلى ختامها إنما هو بين يؤمنون بالغيب…») حُذفت لتعذّر ضبط معناها. [3]: توثيق المحرر: آل عمران: ١٥٤؛ وقد أورد المتحدث الجملة من الآية، وهي في سياق الحديث عن المنافقين، ولم يتعرّض لسياقها.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ