أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
الإمامة والقيادة

ليتفقهوا في الدين

خاطرة الفجر – د. أحمد أبو سيف – 10 نوفمبر 2025 – أكاديمية الأئمة

د. أحمد أبو سيف•١٠ نوفمبر ٢٠٢٥•5 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 10 نوفمبر 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

ونعوذ بك ربَّنا من شرّ هذا اليوم وشرّ ما فيه وشرّ ما بعده. اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وبارك اللهم لنا فيما رزقتنا، وقِ اللهم عذاب النار، واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة برحمة منك ورضوان وكرم ولطف يا ربّ العالمين. ثبّتنا بالقول الثابت. اللهم أرضِنا واهدنا واجبر كسرنا ويسّر أمورنا يا أرحم الراحمين. اجعل هذا اليوم يومًا كريمًا، يوم فتح ونصر وبركة وفضل علينا وعلى أمة المسلمين وعلى خلقك أجمعين يا ربّ. اللهم أفض على الناس بالهداية، اللهم وسّع أرزاق خلقك، اللهم افتح واشرح قلوب الناس لطاعتك وأرضهم برضاك، وثبّتنا يا ربّ على مزيد من الخير والهداية. اللهم لا تلفت قلوبنا عن طاعتك، ولا تصرف أذهاننا وألسنتنا عن ذكرك، ولا تصرف أبداننا عن التعبد لك ما حيينا إلى أن نلقاك يا ربّ العالمين.

وبعدُ، حيّا الله تعالى هذه الوجوه الطيبة المباركة، وأسأل الله لنا ولكم الخير في الدنيا والآخرة. اللهم آمين يا ربّ العالمين.

الآية وسياقها

الحقيقة أنني ظننتُ أن الترتيب بعد صلاة العشاء في خواتيم سورة التوبة، فعلق في ذهني قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾.[1]

دلالة هذه الآية أن ربّ العزة سبحانه يحدثنا عن أهمية وجود مجموعة من الناس تتعلّم العلم، حتى إذا عادت إلى أقوامها أصلحت شأن المجتمع، وراعت حاجات هؤلاء الناس، وبثّت فيهم الخير ونشرت فيهم الهداية، وأضافت إليهم مزيدًا من السكينة والطمأنينة والهداية. فدور الداعية كما يتحدث عنه القرآن الكريم في هذا الموطن هو دورٌ لإنقاذ الأمة بعد ضلالها أو غيابها عن مفاهيم العلم.

وقد وردت هذه الآية بعد الحديث عن الثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك. ولم يكن شأن هؤلاء مجرد أناس تخلّفوا عن الدور المطلوب، وإنما كان المترتب على موقفهم هذا إحداثَ بَلبلة داخل المجتمع. تخيّل أنك تؤدي دورًا ما، ثم ترى صاحبك الذي يقف بجوارك في الصف قد تخلّف، فتبدأ حالة من حالات الانقسام داخل المجتمع. بمعنى أن بعض الناس سيرى نفسه فوق الآخر: أنا صاحب الطاعة وأنت تخلّفت عن الطاعة، أنا صاحب الذمّة وأنت ليست لديك هذه الذمّة، أنا أفعل وأنت لا تفعل. فهذا الانقسام المقيت داخل المجتمع يؤدي إلى كارثة.

لا بدّ من فئة تتفرّغ لصيانة الدين

والشاهد في هذه الآية تحديدًا أنه لمّا قال ربّ العالمين سبحانه: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، فأين بقية الطوائف؟ أين بقية الناس داخل المجتمع؟ ستجد أن منهم من يعمل في الميكانيكا، ومنهم من يعمل في الهندسة، ومنهم من يعمل في الطب، ومنهم من يعمل في التدريس، وهذا يعمل طيّارًا وهذا بحّارًا، وهكذا. فهناك فئة مخصوصة من الناس تخصّصها صيانة الدين لدى الناس، وهناك فئة مهمتها صيانة الأبدان داخل المجتمع، وفئة مهمتها صيانة المستقبل في علم الهندسة أو علم الطب وغيرهما. لكن الشاهد أن هذا أمر لازم، المسألة ليس فيها اختيار، وإنما لا بدّ منها.

ثم هناك آية أخرى في القرآن الكريم يقول فيها ربّ العالمين سبحانه: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.[2] فلو حاولنا الربط بين الآيتين لرأينا أن في هذه الآية نوعًا من الإلزام: «ولتكن منكم أمة». وإذا نظرنا إلى سياقها رأينا أن آية آل عمران جاءت بعد قول ربّ العالمين سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾.[3] فهناك أمرٌ بالاعتصام والوحدة، ويأتي بعده تذييلٌ أو أمرٌ أو تكليف: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير». والآية هنا تتحدث عن نموذج من نماذج الانقسام داخل المجتمع، ويأتي بعدها «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة».

خطر الافتراق

وهل هذا الافتراق مؤثر لهذه الدرجة؟ خطير إلى هذه الدرجة؟ نعم؛ ألا ترى حين تقرأ هناك: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾؟[4] الانقسام يؤدي إلى الشرك. فلو قلتَ: والله ما قيمة هذا الإمام الذي يجلس في وسطنا؟ ما قيمة هذا العالم الذي يحفظ علينا ديننا أو يجتهد في ذلك؟ فاعلم أنه صمّام أمانك من الشرك. هذا هو الأصل: الأصل في الأئمة الذين يتقون الله تعالى ألّا يفرّقوا بين الناس، ألّا يُحدثوا بلبلة، ألّا يوزّعوا الخلق، ألّا يتحدث بعضهم عن بعض، ألّا يتورّط أحدهم في إحداث بلبلة في وسط الناس، لأن ذلك يؤدي بهم إلى الشرك.

المسؤولية العظمى

كانت المهمة الأكبر في حياة أصحاب النبي ﷺ هي نقل هذا العلم إلى الناس، والمهمة الكبيرة في حياة التابعين نقل هذا العلم إلى الناس، وكذلك كل من حمل الراية بعد ذلك. ولذلك رُوي عن النبي ﷺ، بمعنى، أن ما يحمله أهل العلم من العلم إنما هو إرث النبوة.[5]

ولذلك فالتصدّر في مثل هذه المجالس التي نجلس فيها الآن أكبر مسؤولية توضع في عنق إنسان يوم القيامة، أكبر مسؤولية يمكن أن توجد في عنق إنسان يوم القيامة هي مسؤولية الدعوة. أنت حرّ، أنت صدّرتَ نفسك، فإما أن تُضيّع عليهم دينهم وإما أن تثبّت لهم دينهم؛ إما أن تفرّق بين الناس وتوجّه شملهم إلى شتات، والعياذ بالله، وإما أن تجمع شمل هؤلاء الخلق وتوحّد بينهم بما استطعت. هذه المواطن هي التي تستنقذ أجيالًا وتحفظ أسرًا وتصون كرامات، وهي التي تُهدر أجيالًا وتفرّق أسرًا وتُهدر كرامات الناس.

واستشعار هذه المسؤولية ليس خاصًّا بالسادة المحترمين الذين يقعدون ليتكلموا ويقولوا للناس هذا صواب وهذا خطأ، ويصعدون المنابر ويؤمّون الناس في الصلوات، وإنما هي مسؤولية عامة. لماذا؟ لأن بلاغ الدين ليس خاصًّا بأحد، وليس حكرًا على شخص ما. لكن ينبغي على من يفعل ذلك أن يحترم الأمانة التي بين يديه وأن يصونها بحقّ الله تبارك وتعالى.

ألّا يملّ الداعية ولا ييأس

وكان الأَولى أن نتكلم عن سورة يونس التي تأتي بعد هذه الآية، فحتى في سياق القرآن تسمع ذلك. وسورة يونس تذكّرنا أيضًا بنبيٍّ من الأنبياء الدعاة. أتذكرون قصة يونس عليه السلام؟ وهنا يأتينا درس مهم جدًّا، وهو أن التحديات سوف تلقاك. فهؤلاء الذين يتحدثون في الناس ويعظون فيهم ويدعون الخلق إلى دين ربّ العالمين سبحانه، من جملة الشروط المطلوبة فيهم ألّا يملّوا، ولا ييأسوا، ولا يقنطوا، ولا يتوقفوا عن دعوتهم بسبب شبهة تثور أو كلمة تُقال أو كذبة يُفترى بها. وإنما همّهم همٌّ واحد: دعوة الناس إلى الله.

وقد يقول لي أحدكم: يا عمّ أنا ما لي في شغلك، ما أعرف أن أقعد على المنصّة وأتكلم مثلك، أنت تتكلم جيدًا. حسنًا، إن لم أستطع أن أفعل ذلك فعلى الأقل أقدّم نموذجًا للدعوة بسلوكي وأحوالي وتصرفاتي، بابتسامتي واستقبالي للناس، وبردّ الأمانة التي أردّها إلى بعض الخلق، والأمانة في المعاملات وغيرها.

لقد أطلتُ عليكم، سامحوني. وأسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من حملة دينه ومن أصحاب أداء الأمانات في هذا الموطن، وألّا نُغرّ بما بين أيدينا، وألّا نُبتلى بفتنة في ديننا ولا في دنيانا. اللهم آمين. سلّم الله قلوبكم نقيةً طاهرة، وحفظ عليكم عافيتكم.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة التوبة، الآية ١٢٢. اقتصر المتن على القدر الذي تلاه المتحدث. [2]: توثيق المحرر: سورة آل عمران، الآية ١٠٤. [3]: توثيق المحرر: سورة آل عمران، الآية ١٠٣. اقتصر المتن على القدر الذي ذكره المتحدث. [4]: توثيق المحرر: سورة الروم، الآيتان ٣١–٣٢. اقتصر المتن على القدر الذي ذكره المتحدث. [5]: توثيق المحرر: نقل المتحدث المعنى دون لفظ ولا عزو. والمعنى قريب من حديث «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورّثوا العلم»، أخرجه أبو داود (3641) والترمذي (2682) وابن ماجه (223) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، وقد اختلف العلماء في الحكم على إسناده.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ