أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
التفسير المقاصدي

وإن منكم إلا واردها: لماذا يمرّ الجميع على الصراط؟

خاطرة الفجر | 10 يوليو 2025

د. أحمد أبو سيف•١٠ يوليو ٢٠٢٥•4 دقائق قراءة
المناسبة: خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ١٠ يوليو ٢٠٢٥م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

ما أكثر ما تُوقف سورةُ مريم قارئَها وقفةَ تأمّل ليتفهّم ما فيها من دلالات، ومن ذلك قول رب العالمين سبحانه: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾.[1]

لماذا يمرّ الجميع على الصراط؟

دلالة الآية كما يذكر أهل التفسير وأهل العلم أن الخلائق كلَّها تمرّ على الجسر المضروب على ظهر جهنم. فيسأل السائل: لماذا؟ لماذا يمرّ الناس جميعًا، تقيُّهم وفاجرهم، ومؤمنهم ومشركهم، ومخلصهم ومنافقهم؟ لماذا نحتاج إلى هذا المرور أصلًا؟

والجواب أن رب العزة سبحانه وتعالى وعد الناس وعدًا يوفّيه لهم، وعدهم أن يروا العدل التامّ والقسط الكامل يوم المشهد العظيم. ولو أن الناس من البداية لم يمرّوا على جهنم ولم يَرِدوها، ومضوا مرّةً واحدة إلى الجنة فدخلوها، ثم حُدِّثوا بعد ذلك عن النار، فكيف يكون الاستيعاب؟

من جرّب ليس كمن سمع

خذ مثالًا: رجل صحيح لم يسقم في حياته كلها ولم يمسّ بدنَه أذى، فإذا حدّثتَه عن المرض فهو تصديق نظري؛ يقول «شفاه الله» وهو يتكلم بلسانه، وقد يأتي المعنى إلى ذهنه بشيء ما. أما إذا جرّب المرض وعاشه، واكتوى بأثره وألمه، وتقلّب في فراشه، وتعرّض لجراحة أو دخل مستشفى، ثم حُدِّث عن رجل مريض، فإن الجملة تخرج منه على نحو آخر: «شفاه الله». ما الفارق بين الحالتين؟ الفارق بين حال المجرِّب ومن لم يجرّب، بين من علم الأشياء نظريًّا ومن رآها بعينه.

وأنواع الظلم الموجودة في الدنيا كثيرة جدًّا، متباينة متنوعة. فإذا حُدِّث الناسُ يوم القيامة عن النار التي عوقب فيها الظالمون، قال الواحد: نعم، ربنا سبحانه رحيم، لم يعاقبه كما يشفي قلبي، فقد ظلمني وآلمني وفعل بي كذا وكذا. لكنه إذا مرّ في جملة المارّين على النار، ورأى بعينه مآلَ الظالمين ومواطنَ هؤلاء المفترين في الحياة الدنيا، ثم نجا ودخل الجنة، وحُدِّث أن فلانًا في النار، كاد يُشفق عليه من كثرة ما رأى أنه سيعاني.

«ننجّي» تقتضي أنهم كانوا فيها

وربنا سبحانه يحدّثنا بقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا﴾[2] والنجاة أو الإنجاء إنما يكون للغارق، للمبتلى، للمصاب، لصاحب البلاء أو الواقع فيه. فتخيّل على المثال الذي ضربناه أن فلانًا مريض، فنجاةُ الله تبارك وتعالى له تكون بالشفاء. فكيف نقول «نجّى الله فلانًا من» كذا إلا إذا كان فيه أصلًا؟ فكأن رب العالمين سبحانه إذا قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ كان الذين اتقوا هم أيضًا في جهنم مع البقية.

وهنا نقول: كيف نتصوّر ذلك؟ فلنسأل: ما وجه الاستحقاق للجنة عند أي إنسان في الدنيا؟ أن أقول إني كنت من المؤمنين، من المتقين، من الطائعين، من المفلحين، من الفائزين. فهل هذا من صنع يدك وعملك، أم من هداية الله تبارك وتعالى لك أصلًا؟ فكأن قوله: ﴿نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ إن لم تكن متحقّقةً في أن الله ينجّيهم حقًّا يوم القيامة، فقد نجّاهم بمزيد من الهداية والتوفيق في حياتهم الدنيا. فإذا رأى العبد منا نفسه في دنياه الآن على طاعة، فذلك نوع من إنجاء الله له أن يكون يومًا ما مع المنغمسين في النار.

الحمد لله على النجاة التي لا نراها

ومع ذلك لا نكاد نسمع أحدًا يقول: الحمد لله أننا في الصلاة. لم نسمع: الحمد لله أننا هُدينا إلى هذا القرآن. لم نسمع: الحمد لله أننا ضبطنا أخلاقنا في أوقات النزاع. لم نسمع: الحمد لله أني هُديتُ بيدي إلى جيبي لتُنفق في سبيل رب العالمين سبحانه وتعالى. لم نسمع: الحمد لله أني استشعرتُ عظمة الله تبارك وتعالى في لحظة من اللحظات، فذكرتُ الله ذكرًا تلقائيًّا، أو فاضت عيني بدمعة خشوع لرب العالمين سبحانه وتعالى وتأثّرًا بما بين يديه.

المفترون وسطوتهم

وبعد هذه الآيات يُرينا ربنا سبحانه نماذج من الذين افتروا على الله عز وجل وتجاوزوا حدودهم مع بقية البشرية، حتى إنهم اتخذوا مع الرحمن ولدًا[3]، وهو كلام عظيم الوقع في السماوات والأرض وفي خلق الله جميعًا، لكنهم لم يعبؤوا به، ولم يُحسنوا التعامل مع الذات الإلهية. سبحان من هذا كلامُه!

وانظر إلى أنواع الافتراء عند هؤلاء السادة الزعماء على ظهر هذا الكوكب، المتزعّمين لريادة الخليقة أجمعين، المتحدّثين باسم القوة التي يمتلكونها في أيديهم، في حقائبهم السوداء التي يحملونها معهم على الطائرات: لو أردنا أن نُهلك الكوكب كله لفعلنا. يتحدثون من هذه العظمة، ويتناسون تمامًا قول رب العالمين سبحانه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ﴾[4] اللهم لا! لقد أهلك الله تعالى قوم عاد وقوم ثمود، وأهلك قوم نوح، وأهلك فرعون الأكبر الذي قال: ﴿أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾[5] والذي قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ ٱلْأَنْهَٰرُ تَجْرِي مِن تَحْتِيٓ﴾[6] لعل الناس يعتبرون.

وعلى مستوانا الصغير

ولكن على المستوى الأقلّ، لا نريد أن نظلم أحدًا في حياتنا الصغيرة، ولا أن نتجاوز حدودنا في تعاملنا مع شرع الله في حياتنا الفقيرة، ولا أن تمتدّ أيدينا إلى ما لا يحلّ لنا في أموالنا القليلة، ولا أن نتجاوز بأخلاقنا ولا بأحوالنا شيئًا مما حدّه لنا رب العالمين.

أسأل الله العلي القدير أن يُمتّعنا بطاعته، وأن يوقفنا عند حدوده، وألّا يُذيقنا بأس المعصية، وألّا نتجاوز حدًّا من حدوده عز وجل. سلّم الله لكم يومكم، وبارك الله لكم وفيكم.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة مريم، الآية ٧١. [2]: توثيق المحرر: سورة مريم، الآية ٧٢، وتتمتها: ﴿جِثِيًّا﴾؛ والمتحدث وقف عند «فيها». [3]: توثيق المحرر: يشير إلى ما في سورة مريم (الآيات ٨٨–٩٢) من إنكار قولهم اتخذ الرحمن ولدًا، ولم يتلُ المتحدث الآية في هذا المقطع. [4]: توثيق المحرر: سورة مريم، الآية ٩٨، وتتمتها: ﴿رِكْزًا﴾؛ وفي التفريغ «أو تسمع لهم» ثم كلمة مضطربة. [5]: توثيق المحرر: سورة النازعات، الآية ٢٤. [6]: توثيق المحرر: سورة الزخرف، الآية ٥١.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ