وقفات مع سورة المسد: الجزاء من جنس العمل
وقفات تربوية ودعوية مع سورة المسد، بعد السور الثلاث الأخيرة من القرآن
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ ١٦ أبريل ٢٠١٨م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
بسم الله الرحمن الرحيم. في الأسبوع الماضي تكلمنا عن السور الثلاث الأخيرة في القرآن الكريم، وذكرنا أن الله تبارك وتعالى أقام في قلب نبيه ﷺ منهج التوحيد الخالص بقوله تعالى له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾[1].
تنزيه الله عن الولد
ذكرنا أن في ذلك تمام التنزيه لله تبارك وتعالى، وأن مسألة نفي الولد عنه سبحانه تأكدت في آيات كثيرة من القرآن وفي مواطن مختلفة. ولماذا؟ لأنها ستكون من أكثر الشبهات التي تلحق بالمجتمع المسلم في حياته كلها. ولعلنا الآن نصارع هذه الدعوى ونكافح فيها بين الحين والآخر، كلما تكلمنا مع مسيحي أو مع من ينسب الولد لرب العالمين سبحانه وتعالى، وحاشاه عز وجل. وذكرنا بعضًا من آيات القرآن، وكيف علّمنا الله تعالى أن رد الفعل الطبيعي لادعاء الولد لله قد يكون تفطّر السماوات والأرض، سبحان الله العلي العظيم[2].
نوعان من الاستعاذة
ثم علّم الله نبيه ﷺ، وعلّمنا من بعده، أن نستعيذ بهذا الإله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. نستعيذ به من ماذا؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾[3]. أمرنا الله تعالى أن نستعيذ به، أي أن نطلب منه العون عز وجل، من كل شيء يقبل التقلب في الحياة؛ فكل شيء يُرجى منه الخير والشر، نستعيذ بالله من شره ونسأل الله تعالى خيره.
ثم تأتي الآيات لتعلّم النبي ﷺ نوعًا آخر من الاستعاذة، فيقول الله تعالى له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾[4]. فيتعوّذ الإنسان المسلم بالله سبحانه وتعالى من شر كل ما يمكن أن يلقاه في حياته التي يعيش فيها، ويتعوّذ بالله من شر كل أحد يمكن أن يحيط به ويبثّ في نفسه وسوسة. فعندنا نوعان من التعوّذ: تعوّذ من الأشياء في حد ذاتها، وتعوّذ من الأشخاص.
أما الأشياء فهي بين يديك وأنت تمشي في الحياة: تمشي على الطريق فتسأل الله تعالى خير الطريق وتعوذ به من شر الطريق، وتُغلق عليك بابك فتسأل الله خير هذا السكن وتعوذ به من شر هذا السكن، وتلبس ثيابك فتسأل الله تعالى خير هذا الملبس وتعوذ به من شر هذا الملبس. كل ما يوجد في الحياة تستعيذ بالله سبحانه وتعالى منه. وما معنى أن نستعيذ؟ كما قلنا المرة الماضية: أن نطلب من الله تبارك وتعالى أن يحمينا وأن يقينا من شر ما نستعيذ به منه.
سورة المسد: سبب النزول وجزاء من جنس العمل
فكان الأمر على هذا الترتيب: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ثم ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. والسورة التي قبل سورة الإخلاص هي سورة المسد. يقول رب العزة سبحانه وتعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾[5]. ما قصة الموضوع؟
أبو لهب كان من أقرب الأقربين، ومن عصبة النبي ﷺ، ومن أقرب من يُتوقّع منهم نصرة رسول الله ﷺ. وفي اليوم الذي خرج فيه النبي ﷺ يدعو الناس إلى التوحيد صعد الجبل ونادى في الناس جميعًا، وسألهم: لو أخبرتكم أن خيلًا وراء هذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدّقيَّ؟ فأجابوا بأنهم ما جرّبوا عليه كذبًا قط. أي إنك مهما قلت فسنصدقك، لأنك عندنا صادق.
وكثيرًا ما دندنّا حول هذه المسألة، وقلنا إن صورتك التي تتركها عند الناس هي مصداقية ما تدّعي. فإن كنت صادقًا ثم طلبت من الناس شيئًا لم يخونوك ولم يكذّبوك، أما إذا كنت كاذبًا وادّعيت بعد ذلك شيئًا، فالأصل عند الناس انطباعهم عني أني كذا، وبناءً عليه فلن يقبلوا مني أي شيء.
فلما نادى النبي ﷺ القوم وقال إنه لهم نذير مبين، أجابه أبو لهب بقوله: تبًّا لك سائر هذا اليوم، ألهذا دعوتنا؟ وقيل إنه أخذ حفنة من التراب أو من الحصى فألقاها في وجه النبي ﷺ، معبّرًا عن شدة غضبه مما يدعو إليه رسول الله ﷺ. فلما قال رب العزة سبحانه وتعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا﴾، أي هلكت يد أبي لهب، وتبّ، كان الله تعالى قد أجابه من جنس ما فعل.
النقطة الدعوية: لا يذهب ظلم الظالم هباءً
فما النقطة الدعوية التي تتعلمها من هذه الآية؟ إياك أن تظن أن ظلم الظالم يذهب هباءً؛ فرب العالمين سبحانه وتعالى يجازي كل إنسان بما عمل، من جنس ما عمل. فمن عقّ والديه عقّه أولاده، ومن ظلم جيرانه ظلمه جيرانه، ومن فعل كذا فُعل به كذا؛ كما تدين تدان، والمسألة منتهية تمامًا. فمن أراد لنفسه ضمان الخير والسلامة فليحفظ الناس من شره. أتريد لنفسك ضمان الخير والسلامة؟ فما عليك إلا ألا تفعل شرًّا في الناس، وأن تستقيم. فإذا استقمت أقام الله تعالى الكون من حولك.
وربما مررتَ بمواقف ما كنت تتخيل أبدًا أنك ستمر بها، فينفّذ رب العالمين سبحانه وتعالى فيك وعده جلّ في علاه. فعلى قدر ما تتقي، وعلى قدر ما ينجّي رب العالمين العباد من الويلات؛ وعلى قدر ما يظلمك الخلق، على قدر ما يجدون أثر هذا الظلم وعاقبته في حياتهم قبل أن يموتوا أو قبل أن ينتقلوا من الدنيا إلى الآخرة. ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾: جزاء من جنس العمل.
لماذا سُمّي أبا لهب؟
ودون أن ندخل في تفاصيل كثيرة، أبو لهب هذا تعرفون لماذا سُمّي بهذا الاسم؟ يقولون إنه كان من أجمل الناس، حتى إن وجهه كان يشرق كأنه لهب يخرج منه، فكانت تلك كنيته. فرب العالمين سبحانه وتعالى وصفه بأحسن ما كان يوصف به في قومه. وبعض المفسرين يقولون إن الله سبحانه اختار هذا اللقب تحديدًا ليصفه به، لما كان يوصف به في وسط قومه، ولما سيؤول إليه ماله: فإلى أين يذهب في النار؟ يذهب إلى اللهب أيضًا. فكما كانوا يصفونه، كأن ذلك بشارة له من وجهة نظر هؤلاء الكفار، بأنه منير مستدام طوال حياته، ولكنها انقلبت بكلمات القرآن إلى وصمة له بأن مصيره إلى النار، والعياذ بالله.
ما أغنى عنه ماله وما كسب
ثم يقول رب العالمين في السورة الكريمة: ﴿مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾[6]. وهذا أيضًا مدعاة لمزيد من اليقين عند أهل الإيمان بأن نصر الله تعالى آتٍ، وأن هؤلاء الكفار الذين أعجبتهم أموالهم وأولادهم واستكثروا منها، لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، وأولئك هم وقود النار. وهذه قاعدة مهمة جدًّا: فمهما بلغت إمكانياتهم وعددهم وعتادهم وتياراتهم وقنابلهم وضربهم للبلاد والعباد وإبادتهم للخلق، فكل هذا لا يغني من قضاء الله تبارك وتعالى.
فكيف يتلقى المؤمن هذه الابتلاءات؟ يتلقاها على أن ذلك قدر الله تبارك وتعالى، وأنه يفعل في عباده ما يشاء، وأنه يختار لي ما لا أحسن اختياره، سبحان الله العلي القدير. فإذا اختار الله عز وجل لي، فلا شك أن ذلك هو الأولى والأفضل.
أبو لهب مثال لكل الظلمة
تخيّل أن الله سبحانه وتعالى يعطيك في أبي لهب مؤشرًا أو مثالًا لكل هؤلاء الظلمة؛ فأبو لهب مثال، وكما فُعل به سيُفعل بالكثيرين اليوم. ومن الأمثلة أن أبا لهب كان كلما سار النبي ﷺ في وسط الناس يدعوهم إلى التوحيد يمشي وراءه، فإذا كلّم أناسًا قال لهم: لا تصدقوه، إنه خرج عن طاعة آبائه، ونحو ذلك. تخيّل كل الجهد المبذول في الدعوة، ثم يأتي من يتتبعه فيبطله. فلا تستكثر جهدك في سبيل الله سبحانه وتعالى؛ لأنك تبذل لله، ولا شك أن غيرك سيأتي ليُبطل ما بذلته، لأن هناك قاعدة تقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾[7]، وهناك ما يسمّى بسنة التدافع بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر، وبين التوحيد والشرك. ورب العالمين سبحانه وتعالى جعل ذلك من سننه.
فنظلّ ندافع عن الحق إلى متى؟ إما أن ينصره الله، وإما أن نموت دونه. تلك هي القاعدة. فإن قيل: إذا متنا دونه فلنوفّر جهدنا؟ كلا، لا بد أن تؤدي الذي عليك. ولو متَّ على فراشك دون أن تدافع عن الحق وأهله والخير، فإن الإنسان ساعتها يكون مثل الأنعام، ماتت في مواطنها التي ترتع فيها. فالأصل في المؤمن أنه يبذل جهده ليوفّي الحق حقه. ونسأل الله تعالى البركة والعافية يا رب العالمين.
أموال الباطل وسنن الله
﴿مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾: كل الأموال الطائلة التي تُنفخ لنشر الباطل والفاحشة والمنكر في وسط الناس، ما أغنى عنه ماله وما كسب. وانظر إلى القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾[8]. ومعنى ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا﴾ أنهم سينفّذون مشاريعهم فعلًا، ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾، أي أن رب العالمين سيريهم حسرتهم، والمهم أن ما أنفقوا لم يؤدِّ دوره على الوجه الأكمل. فيكون الغلط منا نحن إن انخدعنا بهذا الهراء. ثم ﴿يُغْلَبُونَ﴾، و﴿يُحْشَرُونَ﴾ إلى جهنم. ولماذا يحصل ذلك؟ ليميز الله الخبيث من الطيب، وليعلم الله الذين جاهدوا فيه، وليمحّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين[9]. تلك سنن رب العالمين سبحانه وتعالى في قومه.
وامرأته: تخيّر من تكون عندها نطفتك
وأبو لهب كان النصف الثاني من أمره كالأول: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾[10] ... ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾. فتخيّر من تكون عندها نطفتك، ومن تحمل ولدك، ومن تعينك على الحق أو على غيره، ومن تدفعك إلى فعل الخير أو فعل الشر؛ تخيّر وأنت صاحب القرار. فمن رُزق منا بامرأة تعينه على طلب الحلال فقد رُزق الخير كله، ومن رُزق منا امرأة تعينه على الباطل أو على الشر فقد ابتُلي بأعظم بلية في حياته؛ فإنها وعاؤك، وإنها غطاؤك، وإنها سندك، فإما أن تكون لك أو تكون عليك.
ويُذكر عن امرأة أنها كانت تقف لزوجها على باب البيت قائلة له: اتقِ الله فينا، فإنا نصبر على جوع الدنيا ولا نصبر على حر النار. توصيه ألا يُطعمها حرامًا. وهذا الذي يتلقى هذه الوصية قبل أن يخرج من بيته لن يغشّ إنسانًا ولن يظلم أحدًا ولن يكذب في معاملة ولن يزوّر في ورق ولن يبدّل الحقائق ولن يهضم الناس حقوقهم، لن يفعل شيئًا من ذلك. لماذا؟ لأنه أخذ جرعة كاملة قبل أن يغدو إلى عمله[11].
خلاصة الوقفات
هذه بعض الوقفات مع هذه السورة الكريمة. ومرة ثانية نقول: الله سبحانه وتعالى أعطى نموذجًا للنبي ﷺ بأنه لن يقف في وجه هذه الدعوة أحد، فتفرّغ لتوحيد الله تبارك وتعالى. وإن طلبتَ العون فاطلبه من الله، واستعذ به من شر كل ما يتقلب في الليل والنهار، واستعذ به من كل من يأتي منه الشر في الليل أو النهار. أسأل الله تبارك وتعالى أن يأجرنا وإياكم خيرًا على هذه الأوقات.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة الإخلاص، الآيات ١–٤. [2]: توثيق المحرر: أشار المتحدث إلى آيات تفطّر السماوات والأرض من ادعاء الولد لله دون تعيين الآية؛ يُنظر سورة مريم، الآيتان ٩٠–٩١. [3]: توثيق المحرر: سورة الفلق، الآيات ١–٥. في التفريغ «وقع» والمثبت «وَقَبَ» على لفظ المصحف. [4]: توثيق المحرر: سورة الناس، الآيات ١–٦. [5]: توثيق المحرر: سورة المسد، الآية ١. سبب النزول بمعنى ما ورد في الصحيحين من صعود النبي ﷺ على الصفا ونداء قريش، وقد سرده المتحدث بالمعنى. أما رمي التراب أو الحصى فنقله المتحدث بصيغة «يقولون» ولم يُتحقق من ثبوته. [6]: توثيق المحرر: سورة المسد، الآية ٢. [7]: توثيق المحرر: سورة الأنبياء، الآية 18. [8]: توثيق المحرر: سورة الأنفال، الآية 36. وقد نطق المتحدث بالآية مع وقفات تعليق بين أجزائها. [9]: توثيق المحرر: عبارة المتحدث في التفريغ: «ليعلم الله الذين جاهدوا فيه ليمحّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين»؛ أثبتناها غير مقرونة بعلامتي الآية لأن الجمع بين العبارات لم يتضح. وفيها معنى قوله تعالى ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (سورة الأنفال، الآية ٣٧)، وقوله ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (سورة آل عمران، الآية ١٤١). [10]: توثيق المحرر: سورة المسد، الآيتان ٤–٥. اقتصر التفريغ على قوله «وامرأته حمالة الح...» ثم «في جيدها حبل من مسد»، فلم تُتمّم الآية في المتن. [11]: توثيق المحرر: ذكر المتحدث «الصحاب...» بكلمة غير واضحة في التفريغ، فلم يُنسب القول في المتن إلى شخص بعينه.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.