أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
المفاهيم الإيمانية

تكامل الأسماء الحسنى في خواتيم سورة الحشر

تكامل الأسماء الحسنى في خواتيم سورة الحشر

د. أحمد أبو سيف•٤ أغسطس ٢٠٢٦•6 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 4 أغسطس 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

يلفت النظر تكامل الأسماء المقدسة لربّ العزة سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، حين يتحدث الله عن ذاته. ففي الآيات التي سيقت في أواخر سورة الحشر تسمع قوله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

أسماء تُذكر منفردةً ولا يُنظر في اجتماعها

دائمًا ما يتحدث الخطباء والمتحدثون عن كل اسم من أسماء الله الحسنى منفردًا، ولم نلحظ من يتحدث عن تكامل الأسماء العليا في موطن واحد. والمسألة مهمّة؛ فالتكامل الحاصل بين أسماء الله في كل موطن من مواطن القرآن له خصوصيته. فتعالوا ننظر في هذا الموضع من سورة الحشر.

ما الذي تعنيه كلمة «الحشر»؟

ما الذي تعنيه لنا هذه الكلمة، وما الذي ينبغي أن أتهيأ له نفسيًّا وأنا أتعامل مع هذه السورة المباركة؟

خرجتَ من قبرك، وخرجتُ من قبري، ثم سيق الإنسان إلى موطن الحشر، ثم مَثَلتَ بين يدي الله تبارك وتعالى، وليس على هذا الجسد شيء. الشمس دانية من رؤوس الخلق، ويغمرهم العرق على تفاوت؛ فمنهم من يلجمه العرق، ومنهم من يغطيه. والملائكة تحيط بالموقف من كل مكان. ثم يصدر ربّ العزة أمرًا بإلقاء الكتب إلى هؤلاء الخلق، والناس في حالة من الترقّب والرعب المتلازمين، اللذين يدفعان كل واحد إلى محاولة الفرار إلى أي موطن، لكنه لا يستطيع. ثم يُسمع النداء الإلهي بأن هذا وقت الحساب، فإذا كل واحد منا يقلّب صفحات كتابه الذي تلقّاه بيمينه أو بيساره أو من وراء ظهره. ثم نبدأ في التفكّر في كيفية التخلص من هذا الموقف: إلى أين نسير وكيف ننطلق؟ وإذا بنا أمام إجابات صادمة لم نكن نتوقعها؛ فحتى الألسنة التي تريد أن تكذب تُخرَس في ذلك الإلقاء، وإذا بأشياء تتكلم لم نعهد منها كلامًا: الأيدي والأرجل والأسماع والأبصار، ويُلزَم الفم بالصمت الإجباري. ليس هناك مفرّ بين يدي ربّ العزة سبحانه، جلّ في علاه.

موطن لا يتكرر

هنا، في مشهد الحشر، تأتينا منظومة الصفات الإلهية التي تُختتم بها السورة المباركة. والأسماء العليا بهذه الجملة المتكاتفة في موطن فريد؛ لا أذكر أنها أو شبيهًا بها تكرر في موطن آخر. تأمّل: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾، ثم في الآية التي بعدها: الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، ثم ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾. عدّ المتحدث هذه الأسماء أربعة عشر اسمًا[1]، وقال إنه لا يذكر في القرآن موطنًا عرض أربعة عشر اسمًا لله في موضع واحد، وسأل الله ألّا تخونه الذاكرة. فما سرّ اجتماعها كلها هنا؟

قلب المؤمن أرسى من الجبال

يقول ربّ العالمين سبحانه: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. فعلى أي شيء نزل القرآن؟ نزل على قلب المؤمن. ويقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى، وأكرر ذلك كثيرًا، إن قلب المؤمن أرسى من الجبال؛ فلو نزل القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا، أما قلب المؤمن فيتنزّل عليه القرآن فلا يصدر منه إلا الخشوع، لا يتصدّع وإنما يثبت، ويزداد ثباتًا بمزيد من تنزّل القرآن عليه.

فكأنّ ربّ العالمين يحدّثني عن فئة خاصة من البشر، أصحاب مستوى معيّن، هم القادرون على فهم ما يأتي في الآيات التي بعد ذلك. هذه الشريحة وحدها تستطيع أن تستوعب هذا الكلام.

من لم يجرّب لا يعرف الكلمة

تخيّل أنك تجلس مع حاكم طاغية ظالم وتحدّثه عن الإنصاف بين الناس والعدل والمساواة. ويُروى في ذلك مثل: أن مذيعًا كلّم رجلًا في بلد لا ينقطع فيه التيار، فسأله: ماذا تعرف عن انقطاع الكهرباء؟ فقال: وما معنى انقطاع؟ وما معنى أن تنقطع الكهرباء؟ فهو لا يتصور أصلًا أن يكون في الدنيا شيء اسمه انقطاع الكهرباء.

فلو أخذت هذا المثال البسيط، على بساطته، وطبّقته على حديثي مع أهل الفجور وأردت أن أحدّثهم عن الإحساس بالخشوع، لقال: وما معنى الخشوع؟ ولو جئنا إلى أهل التقوى وتحدّثتُ عن لذّة المعصية، لسألني: وما معنى المعصية؟ فهذا لا يعرف دلالة كلمة «خشوع»، وذاك لا يعرف دلالة كلمة «معصية»، لأنه لم يجرّبها.

ومثله أن تأتي بواحد من أبناء الطبقة العليا ممن يعيشون في فنادق الخمس نجوم، وتكلّمه عن عربة الفول في الشارع وعن سندويتشين فول من بائع الفول في الصباح؛ فينظر ويقول: يا للقرف! ويتعامل مع أسماء ومصطلحات غريبة عنه. لماذا أذكر هذا المثال؟ لأن مستويات التقوى والرقيّ تستلزم من الإنسان عقلًا ووجدانًا ونفسًا وارتياحًا وطمأنينة وخشوعًا؛ مستويات لها مصطلحاتها التي لا تتكرر عند بقية الناس.

فإذا حدّثتك: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، فهذا الكلام غير منطقي في مسامع الذين يؤمنون بما يلمسون قبل ما يتصوّرون. يقول: عِلمُ الشهادة أفهمه، فيعلم ما بين يديّ؛ فإذا انطلق لساني إلى ما وراء ذلك، وأنه يعلم الغيب أيضًا... أما المؤمن فيؤمن بالله الذي هو غيب، فإذا قيل إن ربّه يعلم الغيب، فهذا منطقي عنده. وحدِّث غير المسلم بهذا المصطلح، يقل لك: هذا كلام فارغ. هذا ليس مستقيمًا في عقل الإنسان. ومن هنا جاءت إشكاليات الإلحاد.

ترتيب الأسماء: الملك القدوس السلام المؤمن

﴿الْمَلِكُ﴾: وليس كل ملك منزّهًا عن النقائص؛ فقد يكون ملكًا عظيم الشأن لكنه يلهث وراء جارية جميلة تخطف قلبه. فجاء بعد الملك ﴿الْقُدُّوسُ﴾، المنزّه عن كل نقص. وهذا ما أستشعره: أن الملك القدوس، المنزّه عن كل نقص، لا يحمله ملكه على أن يظلم أحدًا أو يتجاوز. فهو ﴿السَّلَامُ﴾، والسلام عند ربّ العزة سبحانه ليس محض شعار يُمارَس لفظًا، وإنما يُمارَس وعدًا وعهدًا. فجاءت كلمة ﴿الْمُؤْمِنُ﴾. ولما كان كل مؤمن متصوَّر عند الناس يعتريه ما يعتري الخلق من ارتفاع وانخفاض، إذا بربّ العالمين يقول: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾.

وما الذي تمليه الهيمنة على النفس؟ ثم ﴿الْعَزِيزُ﴾، يتعامل بها سبحانه مع منتصف الطريق. وكأن عندي طريقًا بلغ بالمؤمنين مرحلة قمّة الإيمان، غير أن الأسماء والصفات عند ربّ العالمين تخاطب الطرفين كليهما. ففي الشق الآخر: ﴿الْجَبَّارُ﴾، ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾، المتكبّر عن أن يُشرَك به أحد سبحانه وتعالى. فهو في سموّ صفاته وأسمائه فوق محاولات التصوّر ومحاولات الاعتداء. وهل أحد يقدر أن يعتدي على جلال الله عز وجل وأسمائه؟

وعندنا مثال قريب: قالت اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وفي هذا الفريق قال الله عز وجل: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ…﴾. تأمل هذا الكلام، وانظر إلى هؤلاء الناس! وفي الجانب الآخر قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾؛ لا تقدر عقولهم ونفوسهم على تصوّر منظومة الألوهية، وأن ثمة إلهًا ليس متجزّئًا كما يعلمون من واقع حياتهم وشؤونهم. فقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

الخالق البارئ المصوّر

وإن كان ثمة بداية للمنطلقات الإيمانية عندي، فتذكّر معي أنه ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾. وهذه الأسماء الثلاثة تحتاج كل واحدة منها وحدها إلى شرح مفصّل، غير أن الخالق هو الذي يبتدئ مسألة الخلق في ذاتها، والبارئ هو الذي تتشكل عنده كيفية خلقه لهذا الخلق، والمصوّر هو التصميم الأخير، بمنزلة اللمسات النهائية. سبحان القدير! فقدرته على الخلق وقدرته على الإيجاد نراها بين هذه الأسماء الثلاثة.

ولما كان العقل يصل إلى هذه المرحلة ولا يستطيع ما بعدها، قال ربنا: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾. حتى إن لم تكن تستطيع أن تسبّح الله باعتبارك لهذه الأسماء وتصوّراتك، فسِرْ على الأقل مع بقية المنظومة الكونية: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يبصّرنا بما بين أيدينا.

--- [1]: توثيق المحرر: الآيات من سورة الحشر [٢٢–٢٤] وسورة الحشر [٢١] (آية الجبل)، والمائدة [٦٤] (يد الله مغلولة)، وآل عمران [١٨١] (إن الله فقير)، والمائدة [٧٣] (ثالث ثلاثة). عدد الأسماء (أربعة عشر) من عدّ المتحدث وتحفّظه، لم يُراجع.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ