أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
التفسير المقاصدي

سورة النصر: بشارةٌ تُكلِّف ولا تُريح

سورة النصر: ليست بشارةً تُريح، بل تكليفٌ يزيد

د. أحمد أبو سيف•١٨ يونيو ٢٠٢٦•7 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 18 يونيو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقِنا عذاب النار واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة برحمةٍ منك ورضوان وكرم. وأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم هذه الخُطى، وأن يبارك سعينا ما حيينا، وأن يجعلنا من السابقين إلى ما يرضيه، وأن نلقاه على الإسلام بنفوسٍ سليمة وقلوبٍ مطمئنة وعقولٍ ذكية.

أيزداد الجهد أم يقلّ؟

في سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾[3].

لو كان عند واحدٍ منا مشروعٌ صغير وكبُر، فهل يُطلب منه جهدٌ أكبر أم أقل؟ ما رأيكم؟ أم أن العمل لم يبدأ بعد الفجر، والناس لم تشتغل بعد؟ نفتح فرعًا جديدًا، ونأتي بمحاسبٍ جديد ومشرفين أكثر، ونبدأ العمل بنظام جديد على مستوى الامتياز التجاري، فقد كبرنا شيئًا ما. لكن النص القرآني يقول للنبي ﷺ: إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيتَ الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، فهذه مسؤوليةٌ أكبر أم أقل؟ وما المطلوب؟ ماذا ينبغي أن أفعل؟ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾.

ومِمَّ نستغفر؟

لو ركّبتَ السياق: أولًا سبِّح بحمد ربك، وهذا نفهمه. لكن نستغفر من ماذا؟ هذه وفودٌ دخلت الإسلام، وهذه نعمةٌ كبيرة، ونحن نطلب من الله الثواب على ذلك! غير أن الآية تأتي على عكس ما يظن الناس: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، من أي شيء؟

المفهوم الذي نردّده دائمًا أنه قد يصدر منا أثناء عمل الطاعة نوعٌ من التقصير، يكون أشدَّ علينا من معصية غيرنا. تخيّل حين يقولون: «حسنات الأبرار سيئات المقرّبين»[1]. هل فهمتم العبارة؟ لو أن واحدًا قال: والله أنا أدّيت صلاة العصر، فهل هذه طاعة أم معصية؟ حسنة، صحيح؟

الشاهد: لو أن واحدًا صلّى العصر، ففي ذلك إضافةٌ إلى ميزان حسناته. غير أنه صلّى بعد الأذان بدقائق، أخّر الصلاة قليلًا لأنه كان يشتغل، فصلاها بعد أن فرغ من عمله، وصلاها وحده. أما هذه الصلاة في زمانها، فلو أداها واحدٌ آخر من المقرّبين، صاحبُ كعبٍ أعلى بين يدي الله سبحانه، لاعتُبر ذلك التوقيت تقصيرًا عنده؛ لأنه يُقيم الصلاة على وقتها، وينطلق قبل الأذان بفترة ليكون وسط الناس، يشهد الأذان في المسجد، ويدعو الله بين الأذان والإقامة، ويكون في وسط المصلين حين تُقام الصلاة، ويؤمّن مع الإمام. وهكذا في أي صلاة: عصرًا أو مغربًا أو عشاءً، جهريةً أو سرية. فبعض أعمال الطاعة التي يؤديها بعضنا قد تكون نوعًا من التقصير عند غيره. فهمنا المعادلة؟

حقيقة التسبيح

فأنا أمام قول الله تبارك وتعالى ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. التسبيح في صورته الظاهرة أمام الناس مجرد حركةٍ لسانية، يتحرك بها الفم بقول «سبحان ربي العظيم». لكن دلالة التسبيح الحقيقية تظهر حين تقرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ﴾: فاسبحه بماذا؟ بما خلق! وما الذي خلق الله؟ هل خلق لساني فقط؟ لا، بل خلق اللسان فاسبَحْ به، وخلق العقل فاسبَحْ به، وخلق اليد فاسبَحْ بها، وخلق القدم، وخلق البدن. فاسبَحْ عقلًا وقلبًا ووجدانًا ويدًا وقدمًا؛ اسبَحْ بكل ما تملك، فلا يصدر منك نوعٌ من المعصية، لأن المعصية تصدر عن الجسد، والجسد قد عزم ألا يعصي الله سبحانه.

﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾: الاستغفار إنما يكون عن معصيةٍ أو سيئة، ونوع التقصير الذي يصدر منا هو سيئاتنا. فنحن لا ننتقل إلى الجانب الآخر نفكّر في سيئةٍ حقيقية بحسب تصورات الناس، وإنما نفكّر فيما هو دون الأكمل، الذي لم نبلغ في أدائه الأحسن والأفضل، فيُعدّ ذلك بالنسبة لنا سيئًا. تخيّلوا مستوى الكمال الإنساني الذي يبتغيه ربّ العالمين سبحانه للمسلم في حياته، حين يخاطب النبيَّ ﷺ بمثل ذلك!

في نظم القرآن

نعود مرةً ثانية إلى النظم القرآني: سورة ﴿إِذَا جَاءَ﴾ إنما جاءت بعد هذه المفاصلة الكبيرة بينك وبين كل كافر وبينك وبين كل كفر ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. حينها فقط يتحقق ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾.

وسامحوني على هذا الافتراض الذي لا لزوم له، لكننا نتحدث بعد الفجر فيما بيننا: أليست هذه السورة أدعى أن تكون آخر سورة في القرآن؟ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ﴾، أما كان يصلح أن تكون خاتمةً للقرآن الكريم؟ بدأنا بكل هذه المراحل، والدعوة والإقناع لغير المسلمين، وأنواع المجاهدات، وأمرنا الناس بالطاعة، ثم نختم بأن البشرى كاملة قد جاءت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ﴾، الحمد لله، تمام، أدّينا الرسالة. أليست أدعى أن تأتي في آخر القرآن؟

لكن ربي سبحانه يبيّن لي أن ذلك حاصل، لكنك حتى بعد حصوله ستجد أمثال أبي لهب (سورة المسد)، فلا بد لك من التعلّق بـ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الفرد الصمد ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾، وستبقى محتاجًا إلى عون الله تعالى في حمايتك الخارجية: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ﴾، وهذا أذًى يأتي من الخارج، ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ﴾، ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ﴾. وتستعيذ به كذلك وتطلب حمايته من الداخل، من الذي يوسوس في صدور الناس. فالنصر الذي يتحقق لا يعني سكوت العمل، وإنما يعني استمراره.

التسبيح دافع العمل

ولا يحصل العمل من العبد وهو خالٍ من التسبيح؛ فالتسبيح هو الدافع الأول للعبد ليستكمل مسيرة عمله ويتحرك في الحياة ساعيًا. لولا اليقين فيما عند الله تبارك وتعالى وذِكره عز وجل ما تحرّكتم لصلاة الفجر، ولا أتيتم إلى هنا، ولا أخرجتم أموالكم التي تعبتم في تحصيلها لأجل صدقة، أو لواحدٍ يطلب أن ينشئ مسجدًا أو يُطعم فقيرًا أو يحمي شيئًا. لولا اليقين في الله والتسبيح لربّ العالمين ما كان منك هذا الجهد الذي تبذله لتربية أولادك وتعهّدهم والحفاظ عليهم وعلى سلامة دينهم، بل إنك لتبكي لأحفادك الذين يأتون من بعدنا خشية أن تنحرف بهم الأهواء أو تطغى بهم الحياة. التسبيح عمدة الإيمان، وهو صمّام ذلك اليقين في ربّ العالمين سبحانه.

«فذكّر»: كن النموذج

وفي سورة الأعلى يقول ربنا: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ﴾. فماذا بعد ذلك؟ هل هناك أمرٌ مطلوب بعد ذلك؟ ﴿فَذَكِّرْ﴾! أي: لا تنسَ المهمة، ﴿فَذَكِّرْ﴾. فكان التسبيح في الأول معينًا للعبد على أن يذكّر غيره.

والتذكير هنا، لو وسّعنا إطار النقاش، لا يكون بمحض القول، وإلا فمئات الآلاف والملايين من الأشرطة والفيديوهات والبودكاست كلها موجودة الآن والناس تسمع، وليست هي في ذاتها داعيةً للناس إلى الخير. وإنما الأساس في تذكير الناس أن تكون أنت النموذج الذي يتحرك بهذا القرآن في الأرض. فهمنا المسألة؟

تكليف أكبر وحياء من التقصير

فكأن ربّ العالمين سبحانه حين يقول ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ لا يعطي بشارةً بقدر ما يمنح مزيدًا من التكليف. وحين يأمر النبيَّ ﷺ والناسَ من بعده بالتسبيح والاستغفار، فإنما يأمرهم بأمرين: بمزيدٍ من العمل، وبالاستحياء من أي نوعٍ من أنواع التقصير يقع أثناء مسيرة العمل.

أتخيّل نفسي: ما الذي آتي به يوم القيامة؟ أنا والله العظيم أستحيي جدًّا من ربي سبحانه أن أذهب إليه فيسألني: ماذا عملتَ في الدنيا؟ ما الذي فعلته؟ ما الذي سوّيناه؟ أأنا موجودٌ هنا لأربّي أولادي من حولي، وأكبّر مشروعي شيئًا ما، ثم أسقط على الطريق أو على فراشي أو في عملي، وأترك كل هذه الأموال لغيري يأخذها؟ ويتخاصمون: مَن يرث مَن؟! ما الذي فعلته؟ ما الذي أنجزته في حياتي؟ ما الضمير الذي ألقى الله تبارك وتعالى به يوم القيامة حين أقف فأقول: يا رب، كنتُ عضدًا لدينك، وسندًا لرسالة نبيك، ورسولًا لرسولك ﷺ؟

وداع النبي ﷺ

السورة تثير في النفس كثيرًا من الشجون، حين نرى الصحابي الجليل يقول: أرى فيها وداع النبي ﷺ، أراها مُؤذِنةً بموت رسول الله ﷺ[2]. فرسول الله ﷺ ما كان ليُبشَّر إلا في أواخر حياته ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾. فإذا حملنا الآية على محض التسبيح والاستغفار، فإنما نحملها على المقام نفسه: أنها تأتينا في آخر الحياة. فمن كان منا صاحب إنجازٍ كالذي بذله رسول الله ﷺ، فيما نتشبه به في الدعوة والحركة والعمل، فليكن صاحب الاستقبال لها على أنها محض تسبيحٍ لساني. ومن طبّق التسبيح على مقتضاه الحقيقي في أبعاده في القرآن الكريم، فتلك مسألة تستلزم مزيدًا من الجهد المضاعف.

والله الذي لا إله غيره، إن عمر الواحد منا، ثمانين سنة أو تسعين أو ستين أو أيًّا ما يكون، والله الذي لا إله غيره لا يكفي لأن يؤدي عُشر مِعشار حقّ الله تبارك وتعالى عليه في هذه الحياة، وحقّ الإسلام وحقّ الدين علينا. ينبغي أن نفعل شيئًا.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا إخلاصًا نلقاه به يوم القيامة، وأن يرزقنا صدق رؤيةٍ لما نبغي في حياتنا، وأن يخلص نوايانا له عز وجل وحده، وألّا نُشرك معه أحدًا ولا شيئًا. اللهم آمين.

--- [1]: توثيق المحرر: عبارة مشهورة تُتداول في كلام أهل العلم والسلوك، وليست حديثًا نبويًّا. [2]: توثيق المحرر: ورد في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن السورة أجلُ رسول الله ﷺ أعلمه الله إياه؛ والمتحدث لم يسمِّ الصحابي. [3]: توثيق المحرر: [النصر: 1–3]، [الأعلى: 1–2]، [الكافرون: 6]، [الأعلى: 1–6]، وسور الإخلاص والفلق والناس والمسد استُشهد بها إشارةً.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ