أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
المفاهيم الإيمانية

نداءات الإيمان: ﴿إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾

خاطرة العشاء — نداءات الإيمان: ﴿إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾

د. أحمد أبو سيف•٣٠ يونيو ٢٠٢٦•7 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء أُلقيت بتاريخ 30 يونيو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

اللهم احفظ علينا أبصارنا وبصائرنا، وثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عينٍ ولا أقلّ من ذلك. ربنا لا تُخلِ قلوبنا من ذكرك، ولا تُعطِّل ألسنتنا عن قرآنك، وارزقنا حسن الفهم عن مرادك، واجعلنا من الشاكرين لك، الأوّابين بين يديك، الطائعين لأمرك، المنتهين عند نهيك. ربنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

النداء ومقامه في سورة آل عمران

نحن الليلة مع نداءٍ من نداءات الإيمان في سورة آل عمران:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾[1]

ثم تتتابع الآيات: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾[2]. وسنأتي إلى هذا السياق بعد قليل. لكن ما ترتيب هذه الآية في جملة النداءات الإيمانية التي ساقها لنا رب العالمين سبحانه وتعالى؟

تعالوا نتذكّر مرةً أخرى: سورة البقرة هي سورة البناء، وسورة آل عمران هي سورة الصيانة. فالبناء للمجتمع المسلم تمّ على مراحله التي كررناها كثيرًا في ثوابت الإيمان، وذكرنا أن الآيات التي تنادي على المؤمنين هي المفاصل المحورية في مبنى المجتمع المسلم. تأمّل هيكلًا ضخمًا، والمهندسون يحدّثوننا في هذا بخبرة: تراه ضخمًا في موضع، وفيه مسمارٌ صغيرٌ بهذا القدر، لو أُزيل لوقع لك البناء كله. صغيرٌ هكذا، لكنه مفصلٌ محوريّ في الموضوع. وعندنا أحد عشر مفصلًا في سورة البقرة، وفي سورة آل عمران سبعة.

سلسلة النداءات في آل عمران

فهذا النداء: ﴿إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ﴾ جاء بعد أيّ نداء؟ جاء بعد ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾. وهذا جاء بعد أيّ نداء؟ بعد ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. وهذا بعد ماذا؟ بعد ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. وهذا بعد ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾، فجاء التحذير.

وإذا قارنتَ هذا بنداءات سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، ﴿أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، شعرتَ أن الصورة في جملتها مجموعةٌ من الأوامر التكليفية البنائية. أما في سورة آل عمران فكل الآيات جاءت على سبيل التحذير، سواء في صيغة التحذير المباشرة، أو في صيغة الشرط الذي يترتب عليه جواب: إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب، فالجواب: يردّوكم. وهكذا. فهذه نقطة مهمة نمضي معها.

تحذير من الطاعة ثم أمر بالاعتصام

فعندنا الأمر الأول: ﴿إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾. فحذّر من الطاعة، وبعد ما حذّر من الطاعة أمر بإقامة الإسلام، أو بالحفاظ على سلامة الإسلام من خلال الاعتصام.

والطاعة هذه تأتيك من الخارج؛ حين تسمع أحدًا وتطيعه، فهي تأتيك من الخارج لا من الداخل. وقد اتفقنا أن الطاعة إما أن تكون عن انبهارٍ بالمطاع، فأنت تطيع إنسانًا لأنك منبهر بما عنده فتسمع كلامه مباشرة؛ وإما أن يكون عندك ما يخوّفك منه فتطيعه خوفًا. فإما خائف وإما منبهر. وكلاهما الأصل أنه ليس عندنا؛ فشعارنا في حياتنا كلها: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ﴾، وقضية أن الله تبارك وتعالى فعّالٌ لما يريد مسألةٌ مسلَّمة في حياة أهل الإيمان.

فأمر رب العالمين سبحانه ألّا نطيع ما يأتينا من خارج، وأمرنا بناءً على ذلك أن نحفظ ما بين أيدينا. لكن يبقى احتمال أن أحدًا يندسّ فيدخل من الداخل، فيأتيك: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾[3]. ودلالة الكلمات الواردة في النص نفسها تخبر أن هؤلاء داخلون من الداخل؛ فالبطانة هي ما يطلع لك من تحت الصدرية، من تحت الثوب. فيحذّرك من طاعة ما يأتي من الخارج، ومن الغفلة عما يدور في الداخل. ومن أكبر الأمثلة التي تحصل بها فتنة المجتمع الإغواءُ بكثرة الأموال والمصالح والمنافع، فيأتي التحذير من أكل الربا.

الخسران: خسرانُ ما تملكه سلفًا

ثم نمضي، فإذا برب العالمين يعيدنا إلى الكرّة الأولى فيقول: ﴿إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. فحذّر في أول الأمر من الوصمة الكبيرة التي يخشاها كل مسلم، أن يكون كافرًا. ولكن لما كانت عند بعض أفراد المجتمع مآربُ أخرى يريدون منها ربحًا كبيرًا وغنمًا كثيرًا، أخبر أن السبيل الذي تسيرون فيه ليس فقط سبيلًا إلى الكفر بعد الإيمان، وإنما هو سبيلٌ إلى الخسران. وما رأينا أحدًا مِمّن اشتهروا بهذه الموالاة والتسليم ربح الله به في حياته شيئًا أبدًا؛ لا في حياته الدينية، وهذه مسلَّمة، ولا في الدنيوية كذلك. ونسأل الله تعالى السلامة والعافية.

ثم إنك ترى في سياق الآيات أن هذه الآية جاءت في وسط الحديث عن غزوة أُحد، وفي جملة الحديث عنها جاءت لتخبر ما الذي حصل فيها، وهو سياق قريب من قوله: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾. ألا ترى مناسبةً بين هذا النص وبين ﴿فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾؟

الخسران في الغالب خسرانُ ما تملكه سلفًا. حتى الإنسان الذي يخسر نفسه قد أكسبه الله إياها فخسرها. في الدنيا لا يدخل أحدٌ صفقةً ثم يقول: خسرتُ، وهو لم يدخل صفقة أصلًا؛ لم يغنم ولم يربح شيئًا في يده، وليس لديه مكتسبات، فإذا لم يكن عنده شيء فهو لم يفقد شيئًا. إنما الذي خسر هو الذي غنم، الذي ربح، الذي اكتسب وتملّك وأخذ ونال. فإذا نال شيئًا من الطريق وصراطه، ربح به غنمًا دنيويًّا أو أخرويًّا، ومن ربح شيئًا أو نال شيئًا ثم مال به العِوَج خسره في الدنيا قبل الآخرة. اتفقنا على هذا.

بين «إذا» و«إن»

وعندنا فرقٌ في القرآن بين «إذا» و«إن». لما نسمع: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾، فكل «إذا» في القرآن تأتي على سبيل التأكيد لا الاحتمالية، تأكيدًا قولًا واحدًا. أما «إن» فتفيد الاحتمالية. ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ قولًا واحدًا: المؤمنون سيقومون إلى الصلاة إن شاء الرحمن. وهنا يقول: «يا أيها الذين آمنوا إن»، لا «إذا»؛ فكأنه أمرٌ ليس واقعًا لكنه محتمل. ومحتمل ممن آمن أن ينقص إيمانه إلى الحد الذي يبلغ بصاحبه أن يطيع كافرًا، والعياذ بالله: ﴿إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ﴾.

يردّوكم على أعقابكم

وكلمة «يردّوكم» فيها معنى الرد إلى نقطة البدء الأولى. والآية فيها لفتة متميزة أخرى: ﴿عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾. لما تقول لواحد: أنت لا تستحق هذا المكان، ارجع، فيرجع، فكيف يرجع؟ هل يرجع بظهره أم بوجهه؟ يستدير ويرجع. لكنه لا يرجع على عقبيه. فتخيّل أنهم لا يردّونك فقط إلى نقطة الصفر، وإنما يردّونك على عقبك. فتأمّل: المردود على عقبه، متزنٌ هو أم فاقدٌ للاتزان؟ العقب من تحت، فأنت تقع؛ هذا فاقد الاتزان. فكأن مهمة هؤلاء أن يجعلوا المجتمع المسلم فاقد الاتزان، فإذا فقدتَ الاتزان صرتَ متقبّلًا لأي شيء يُفعل بك وفيك. ونسأل الله السلامة.

أول أمارات فقد الاتزان

وما أول أمارات فقد الاتزان في المجتمع المسلم؟ أننا لا نستطيع أن نتلاحم مع بعضنا. معذرةً، استحملوني قليلًا. كل التأسيس الفردي، والبناءات الفردية في القرآن للأشخاص، انتهت في مكة. وإذا ذهبنا إلى القرآن المدني لا نرى تأسيسًا فرديًّا، وإنما تأسيسًا مجتمعيًّا، فأنت في قالب المجتمع. فإذا قلنا: يردّوكم على أعقابكم، فالمجتمع كله في حالة اهتزازٍ وعدم اتزان. لماذا؟ لأن أيدينا ليست في أيدي بعضنا.

تخيّل لو أنك تعثّرتَ وأنت ماسكٌ بيد أحدٍ بقوة، أفيتركك تقع؟ لا يصحّ ولا ينفع. وحتى لو قاربتَ الأرض، فهناك يدٌ مشدودة. أما الآن فقد انفصلت الأيدي المسلمة عن بعضها؛ لا يوجد بين المجتمع لحمة، ولا نرى هذا التواؤم ولا التعاون ولا التكامل ولا التضافر، غير موجود. الناس تشتكي من الفجوة النفسية الحاصلة لدى كل مسلم حتى مع أقرب الناس إليه. يعني انتقلنا من مرحلة الحديث عن تعاون وتكامل المؤسسات الإسلامية إلى أنه لا توجد أخوّة بين الأفراد: لا مشاعر صادقة، ولا صدق في المحبة، ولا كلمة تنمّ عمّا في الداخل، إلا من رحم الله، ونسأل الله تبارك وتعالى السلامة والعافية.

الخلاصة

فهمنا أن الآية تعاقبت مع أخواتها في السورة لتؤكد مفهوم استقلالية الفكر والمنهج والطريقة، واستقلالية المورد في الاقتصاد والتعاملات المالية. لأن الإنسان الذي يقدر أن يأتي بلقمته يقدر أن يعبّر عن نفسه فيقول: نعم، ويقول: لا، أنا موافق، أنا غير موافق، لأنه يكسب بنفسه. أما المذلول لغيره، التابع الخانع، فلا يملك شيئًا في حياته ولا يستطيع.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة آل عمران، الآيات ١٤٩–١٥١. [2]: توثيق المحرر: سورة آل عمران، الآية ١٥٢؛ اقتصر المتحدث في تلاوته على ما أُثبت. [3]: توثيق المحرر: سورة آل عمران، الآية ١١٨. وما ذكره المتحدث في سلسلة النداءات السابقة على ترتيب ورودها في السورة هو (الآيات ١٠٠ و١٠٢ و١١٨ و١٣٠) ثم هذا النداء (١٤٩)؛ وقد سردها هو بالترتيب العكسي.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ