أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
المفاهيم الإيمانية

نداءات الإيمان في القرآن الكريم ١٣: مدخل إلى سورة آل عمران وصلتها بسورة البقرة

خاطرة العشاء — نداءات الإيمان (13): مدخل إلى سورة آل عمران وصلتها بسورة البقرة

د. أحمد أبو سيف•١٠ مايو ٢٠٢٦•14 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء أُلقيت بتاريخ 10 مايو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

اللهم إنا نسألك خير هذه الليلة وخير ما فيها وخير ما بعدها، ونعوذ بك من شرّ هذه الليلة وشرّ ما فيها وشرّ ما بعدها. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم لا تُمِتنا إلا ونحن على الإسلام، نشهد لك بالوحدانية، ونُقرّ لنبيّك بالرسالة، ونؤمن بكتابك وبقضائك وقدرك وبما أعددتَ لعبادك في الجنة، ونسألك ألا تُذيقنا النار. ثبّتنا وارضَ عنا واهدنا واجبر خواطرنا ويسّر أمورنا واقضِ حوائجنا، وأقمنا على ما تحبّ لعبادك الصالحين. اللهم آمين.

وبعدُ، حيّاكم الله ورضي عنكم. هذه رحلة جديدة مع نداءات متجددة: «يا أيها الذين آمنوا». ختمنا بفضل الله سورة البقرة، واليوم نستفتح الحديث عن سورة آل عمران.

ما الذي يجعل لسورةٍ هذه المنزلة؟

لسورة آل عمران منزلة كبيرة في ديننا، فقد حدّث النبي ﷺ أنها تأتي مع البقرة كالغمامة يوم القيامة تُظلّ أهل الإيمان، وكان يوصي بقراءة الزهراوين لأنهما تأتيان يوم القيامة كالغمامتين تُظلّان المؤمن. وأتساءل: ما الذي يجعل سورةً بهذه المكانة، وهذه المنزلة الخاصة يوم القيامة؟

أفهم أن سور القرآن الكريم بمثابة المنهج الإصلاحي الذي تقوم به الحياة. وأعود هنا إلى وصية النبي ﷺ بقراءة سورة البقرة في البيت، وإلى ما ذكره من أن الشيطان لا يقرب البيت الذي تُقرأ فيه[7]. ولماذا؟ عندنا سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، وعندنا سور تعدل ربعه، وعندنا ما قيل إنه أعظم ما في القرآن ويكفي أن يُقرأ وحده. فإن كان الأمر مرتبطًا بقدر الثواب وحده، ففي القرآن ما هو أقصر وما هو أعظم شأنًا في الدلالة النبوية. فلماذا تأتي البقرة لتكون حصنًا للعبد ولبيته وزوجته وعياله من الشيطان؟

هل المسألة مرتبطة بالثواب المترتب على القراءة فحسب، أم بعوامل نفسية تتصل بمزاج أفراد الأسرة وطريقة تفكيرهم ونمط تعاملهم قبل القراءة وبعدها؟ نحن نتكلم عن سيكولوجية النفس من داخل سورة البقرة؛ فهي ليست مشهدًا دراميًّا يجري أثناء القراءة والترتيل والناسُ تهتزّ، وإنما هي تحريك للكوامن الداخلية في أعماق النفس، حتى يصدر عنها تصرّف وسلوك بعد القراءة يختلف عمّا كان قبلها.

ماذا في سورة البقرة؟

في سورة البقرة تذكير بأنماط الناس وأنواعهم، وتذكير بكل المشاهد التي مرّت من بني إسرائيل. وفيها تنصيب إبراهيم عليه السلام إمامًا للبشرية، بما عنده من حسن النية وصدق الهمّة وتمام العزم، وحرصه على الأجيال التالية، ودأبه في العمل. وفيها رسول الله ﷺ يتلفّت يمنةً ويسرةً ينظر إلى أين يتجه وأين قبلته التي سيتولّى إليها.

وفيها خلافٌ بين زوجين يصل إلى حدّ الطلاق، ثم كيف تكون المفارقة بعد الطلاق، وكيف تكون تربية الأولاد بعد ذلك، وآيات طويلة تُذكّر الناس بأحوال الوفاق وأحوال الشقاق، وبما ينبغي أن يكون بينهم من الإحسان حتى في أوقات العسرة، ومن ضبط النفس في أوقات الخلاف والنزاع. وفيها لفتٌ إلى كيفية التعامل المالي وما ينبغي أن نسير في ركابه في معاملاتنا، وفيها تحريم الربا، وأصل تحريمه من سورة البقرة. وفيها يحدّث ربُّنا سبحانه وتعالى عباده بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وفيها يعلّم أمته أن تقول: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾، ﴿فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.[1]

وكأن سورة البقرة تُعين على صناعة عقلٍ يفكّر بنمط مختلف تمامًا عن عقلية من يبحث عن الكأس التي انكسرت، والكوب الذي تغيّر، والطبق الذي طُبخ، والنظافة والشكل و«البريستيج». هذا العقل يقول: عندنا قضايا أخرى أكبر وأعمق وأوسع وأخطر من هذه السفاسف التي يدور حولها كثير من الناس. فكأن البقرة تُعيد صياغة العقل، وتُنشئ في نفسك وقلبك ووجدانك عقلًا آخر يبحث حقًّا عن حقيقة الوجود الإنساني.

لماذا ثلاثة أيام؟

ولأن ذاكرة البشر تتناسى بعد حين، ففي المدة التي ذكرها المتحدث (ثلاثة أيام) ما يُبقي ذاكرتنا تعمل مع سورة البقرة، فإذا انقضت الأيام الثلاثة أعدنا تنشيط الذاكرة وتذكير أنفسنا بالمبادئ مرةً ثانية. وتخيّل عقلًا يردّد البقرة كاملةً كل ثلاثة أيام: أتظنّه ينساها بعد سنة؟ فلو حسبنا أيام السنة مقسومةً على ثلاثة لبلغ ما تقرؤه منها في السنة أكثر من مئة مرة، تعيدها على ذاكرتك بمعالمها وتفاصيلها وأحوال الأبطال الموجودين فيها.[2]

والقراءة هنا لغرضٍ، هو أن البيت الذي تُقرأ فيه البقرة لا يقربه الشيطان. فإن قرأتَها بحثًا عن حلول بينك وبين زوجك، فلن ترى فيها غير ذلك. وأضرب مثالًا: كنتُ منذ دقائق أنظر في سورة آل عمران لأتتبّع مواطن «يا أيها الذين آمنوا»، فأمسكتُ المصحف ووضعتُ نظارتي، وبدأتُ أقلّب الصفحات، فما رأيتُ إلا «يا أيها الذين آمنوا»، مع أن في الصفحات آياتٍ أخرى كثيرة. ومثالٌ أوضح: حين تشتري سيارةً من نوع معيّن، تبدأ ترى في الشارع كل السيارات من هذا النوع وما كنتَ تنتبه لوجودها. ذهبتُ إلى الوكيل لأشتري سيارتي التي أحبّها، فقال لي البائع: انظر إلى هذا الطراز، وهذه الخيارات القوية، وهذا يعمل بالكهرباء، وهذه الإضافة تكلّفك كذا. فلما أخذتُها وخرجتُ بها من عند الوكيل رأيتُ في الطريق سيارةً من نوعها، كأنني لم أرَ مثلها في حياتي. وهكذا إذا اشتريتَ لونًا جديدًا أو لبستَ ثوبًا جديدًا، بدأتَ ترى من يلبسه؛ أنت إنما تنظر إلى ما تبحث عنه.

فلماذا سُقتُ هذه الأمثلة؟ لأنك إن قرأت البقرة بحثًا عن صفات المتقين وجدتَ صفات المتقين، وإن قرأتَها بحثًا عن حلول لمشكلات زوجية في حياتك فلن ترى فيها غير ذلك: سترى النبي ﷺ نموذجًا للإصلاح بين الزوجين، وسترى رسول الله ﷺ يفصل في شأن النساء. فتخيّل أن السورة تُقرأ مئة مرة وأكثر على مسامع القارئ الباحث عن حلول بينه وبين أهل بيته وعياله، الناظر في مستقبل هذا البيت وهذه الأسرة: لن تحدث بين هؤلاء مشكلة أصلًا بعد حين، لأنه ما إن يبدأ الكلام حتى يقفز إلى ذهنه الموضع الذي يعالج هذه الجزئية، فيتراجع خطوتين إلى الوراء ولا يتصرف أي تصرف عشوائي. وكأنها إعادة ضبط لزوايا التفكير في العقل الإنساني.

آل عمران تُتمّ البناء

هذا كله عن البقرة، فما بالنا بآل عمران؟ اتفقنا أن النبي ﷺ يوصي بسورتين تأتيان معًا يوم القيامة، كأنهما غمامتان. وفي تفكيري البسيط أن سورة البقرة عُنيت ببناء هيكل الأمة المسلمة، فإذا فرغنا من البناء تعالَوا معي إلى سؤال المهندس: أيهما أصعب، أثناء البناء أم اللحظات التي بعد أن تفرغ وتستلم مستحقاتك وتمضي؟ ثم يتصل بك صاحب المنشأة أول اتصال بعد التسليم: ماذا تتوقع في هذه المكالمة؟ لن تكون تحيةً وثناءً، بل ثانيتان وتُسحب إلى عالم آخر تفحص فيه كل زاوية في المبنى: من أين جاءت المصيبة؟ أين ضربت الشرخ؟ فالأصعب من البناء صيانة البناء.

فلك أن تتخيل أن سورة البقرة صعدت بنا إلى جبل القمة، وليست الصعوبة في الصعود، وإنما في الثبات على الجبل بعد الصعود. والتحديات التي واجهت أمة الإسلام وقت بنائها في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده ما كانت مشاكل ممتدة، بل مشاكل لحظية بالنسبة لعمر الأمة، قضى عليها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وما تجدد منها في عهد عمر كان من نمط المشاكل القديمة التي واجهها النبي ﷺ في مرحلة البناء، فعبروها. مرحلة البناء كانت صعبة جدًّا، لكن الأصعب هو صيانة البناء حتى يستمر. ولذلك انهار الكيان الرسمي الكامل للأمة بعد حين؛ لأن صيانة المبنى أصعب من بنائه، والمحافظة عليه وقتًا طويلًا أشق. وحتى وأنت تضع الأساس يتغير بحسب المدة التي سيستمرها المبنى: أساسات ثلاثة أدوار تختلف عن خمسة، وكلاهما يختلف تمامًا عن طابق واحد. وبحسب غرض المبنى: عيادات؟ إذن عزل أقوى. طبيب أسنان؟ وطبيب نفسي هنا؟ وقاعة للتدريس فيها أصوات عالية؟ فالتأسيس يختلف باختلاف الأهداف والأغراض.

فإذا برب العالمين سبحانه وتعالى يُكمل لي البناء في سورة آل عمران. وبماذا استفتحت؟ بنفس استفتاحية البقرة: ﴿الم﴾ في البقرة، و﴿الم﴾ في آل عمران. ثم نخطو خطوةً إلى الأمام فنقرأ في البقرة: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، وهنا يتأخر ذكر الكتاب قليلًا. لماذا؟ لأننا نُكمل البنيان، وأول ما يؤخذ من هذا الكتاب هو ما تعتقده في الله عز وجل. ألم نقل إننا نضبط الزوايا؟ نسمّيها في البناء «الأَلاينمنت». فأول بند وأول موضوع نحتاج أن نتحدث عنه: ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. ثم يأتي بعدها: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ … ﴿وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾. أوه، هذا كلام أكثر عن القرآن.[3]

ولو توقّفت المسألة عند الحديث عن الوحدانية لقلنا: هذا هو الهدف. لكنه حين تكلّم عن الكتاب فصّل فيه أكثر مما تحدّث به في البقرة. ولماذا؟ لأننا في البقرة بنينا الجدران وأسّسنا، وهنا نفرش، فنضع في كل ركن ما يحتاجه: هنا الأريكة، وهنا الكرسي، وهنا الطاولة. فربّ العالمين سبحانه يشرح لي بالتفصيل ما ينبغي أن يكون. فافتُتحت السورة بالحديث عن الوحدانية، وتفصيل الحديث عن الوحدانية وتأصيله لن يكون إلا في الكتاب. ولتصديق ذلك الكتاب لا بدّ من بيان للناس أنّ ثمة كتبًا جاءت من قبله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، فلا تتغافل عمّا كان سلفًا، ﴿وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾. أليس كافيًا قوله «لما بين يديه»؟ لا، ليس كافيًا، فجاء مزيد من التفصيل حتى تكون معالم الطريق واضحة الدلالة واضحة الوجهة واضحة الهداية: إلى أين تسير ومن أين تنطلق، حتى لا يبقى المسلم لحظةً من لحظات حياته يعيش عشوائيةً بأي نوع من الأنواع. الخط مستقيم، فامضِ.

المحكم والمتشابه

ثم نجد في السورة بعد ذلك جملة في منتهى الأهمية. تقرأ في بداية السورة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾، ﴿لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فماذا بعد ذلك؟ يقول ربّ العالمين سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ ... ﴿وَأُخَرُ﴾. لماذا هذا؟ ألم نكن ماضين في خط الإيمان مصدّقين مسلّمين لا اعتراض عندنا؟ آمنتُ بالله، وما تقوله لي فسأمضي عليه. فلماذا تعرّض لقضية المحكم والمتشابه؟ لأنه لا يخاطب المنزِّل من عنده، وإنما يخاطب عقلك. فعقلي يستوعب بعض الأشياء ولا يُدرك بعضها. فإذا برب العالمين سبحانه يُثمّن لي ما أنالُه بين يديّ، بأن منه محكمًا سهل الوصول إلى إدراك معانيه ودلالاته وأفهامه واستنباط الأحكام منه والعمل بها وتنزيلها في مواقعها الزمانية والمكانية، ومنه ما لا أدركه.

ولماذا لا أدركه؟ لأن وقت الفهم لم يأتِ بعد. وهذه نقطة مهمة جدًّا: هناك أشياء في القرآن الكريم ليست غامضة، لكنّ وقت إدراكها لم يأتِ. وأضرب مثالًا شخصيًّا بسيطًا: لم أُدرك دلالة مصطلح «الأمومة» إلا حين رأيتُ ابنتي تبدأ مرحلة الحمل. تتعب وتتلوّى في الليل: يا بطني! وأنت لا تنام وتريد الذهاب إلى العمل صباحًا. وأنت لا تتوقع أن تسمع من أمك كلمة «أُفّ» أصلًا، ولا يبدو لك طبيعيًّا أن تسمعها تشتكي؛ هي دائمًا حاضرة، وتسبق الأحداث فتُلبّي لك ما ستحتاجه غدًا. كأنها تقرأ ما في رأسك، ونشرة الأرصاد بالليل تقول إن الجو سيبرد، فتكون قد جهّزت لك الثياب الثقيلة. وهكذا تمضي الدنيا بهذه الاستقامة بالنسبة إليك، فلا تُدرك مصطلحات الأمومة ولا أبعادها ولا آلامها، ولا تدركها مع زوجتك، لأنها بالنسبة إليك جناح آخر من التعاملات. لكن حين تأتيك ابنتك وأنت تربّيها ثم ترى ما ترى، تقول: آه، فما هذا العناء كله، أنتنّ متعبات هكذا لماذا؟ فهناك أشياء لا تُفهم إلا في وقتها.

وأضرب مثلًا آخر: طفل في الثانية عشرة يقف في الصلاة فيُزعج من بجانبه ويضرب هذا، ثم ينظر يمينًا وشمالًا، فتقول له: يا بُنيّ، اتقِ الله، واخشَ مقام الألوهية الذي تقف بين يديه. فيقول: ماذا تقول يا حاج؟ نعم أنا واقف أمام ربنا، وماذا تريد؟ إنها صلاة وخشوع؟ طيب يا حاج، الله يسهّل عليك. هو لا يدرك أبعاد ما تقول، لكن بعد حين، والقرآن الكريم يغوص في أعماق النفس ويجري مع الدم، يستشعر الإنسان مقام «الله أكبر»، وتبدأ تحسّ بدلالة «ربنا لك الحمد». ومثال ثالث: الطبيب الذي يعالج المرضى ولم يتألّم يومًا، يتعامل مع الآلام على أنها أحداث جارية يسمعها، فإذا رقد هو على الفراش وبين يديه طبيب يطببه، استشعر ثقل المهمة عند صاحبها، وألم الرقاد عند المرضى الذين مرّوا على يديه من قبل.

قضايا آل عمران الكبرى

وقد أطلتُ عليكم، فأعتذر؛ ولم نصل بعدُ إلى «يا أيها الذين آمنوا». فالشاهد أن آل عمران جاءت لتُتمّم البناء الذي حصل في البقرة، ولتُكمل هذه المنظومة المفهومية والعقلية، ولتُتمّ بناء التصور الكامل لما يسمى الإسلام. ولذلك ترى في السورة تقريبًا ثلاث قضايا أساسية. القضية الأولى: الوحدانية، وتعاملنا معها من خلال الإيمان بالمحكم والمتشابه. والثانية: غزوة أُحد. وما صلة أُحد بسورة آل عمران؟ أردتُ أن أجد الرابط بين غزوة أُحد تحديدًا، التي يعلّمنا الله عنها في هذه السورة الكثير، وبين السورة. والبعد الثالث في السورة هو الصبر والتربية عليه.

فبدر بالنسبة لنا لحظة انفعال إيماني تحرّك في أرجاء البدن وملأ جوانح الناس، فانطلقوا في إثرها، ونصرهم الله عز وجل، وعادوا فرحين، فرحًا بلغ موطن العتاب من الله. أتتخيل الناس فرحانة إلى درجة أن يعاتبهم؟ لا، ليس إلى هذه الدرجة. تمهّل قليلًا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ…﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ثم يصفهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ…﴾. فنحن نعيد صياغة الموقف. ولك أن تتخيل أن هذا الحدث مرّ على ذاكرة التاريخ كأنه حلم تحقق في صبيحة يوم مليء بالظلم والظلمة.[4]

لكن في أُحد ظهر لنا نوع من النفاق لم يكن موجودًا قبل ذلك، بدأ من بداية التحركات، وكأن السورة صياغة لأنواع التشقق المحتمل ظهورها في المبنى. كأن مهندسًا فرغ من مبنى منذ قليل، فتكلّم صاحبه وقال: يا رب يلطف، ظهرت تشققات في هذه المواضع. فتخيّل بداية احتمالات التشققات في جدار المجتمع، جدار الأمة المسلمة، فتأتي آل عمران وتقول لك: انتبه، هذه الاحتمالات قائمة، وهناك نفاق جديد على الساحة لم يكن الناس يرونه من قبل.

وأما العلاقة بين المسلمين واليهود في بداية دخول النبي ﷺ المدينة المنورة، ففي الأوقات الأولى كانت علاقةً صامتة؛ كلٌّ يختبر الآخر ويعرف إلى أين يبلغ عمقه. ولما كان ما كان في بدر ثم جاءت أُحد، ظهر لهؤلاء اليهود أن النبي ﷺ ليس مجرد كلام، وإنما هو عمل وأثر وحركة ومضيّ، فلا يُستهان به، فلا بدّ أن يبدؤوا مرحلة جديدة من مراحل العمل الخفي كالعادة. فبدأ يظهر في المجتمع المسلم هؤلاء المنافقون الذين يقفون خلف النبي ﷺ، ومنطقهم: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. من تقصد يا هذا؟ ماذا يقول؟ يقول «ليخرجن الأعز منها» وهو يتكلم عن محمد ﷺ! فيرد ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ سبحانه جلّ في علاه.[5]

جناحا الدعوة: مرجعية التوحيد ووحدة الأمة

فالشاهد أن السورة جاءت لتُتمّ أمرين مهمين جدًّا. الأمر الأول، وهو الجناح الأول لدعوة الإسلام المنطلقة: مرجعية التوحيد. وهذا أول ما نُمسك به لنتحرك. ولو غلط أحد في شيء، فالجملة الأولى والوحيدة التي أقولها لا تتغير: «اتقِ الله» — اللهم ارزقنا تقواك. فرجعنا خطوةً إلى الوراء، واستقامت الصفوف، وأكملنا مشوارنا الدعوي وتحركنا بما يسمح لنا هذا الحراك من مضيّ المجتمع. فمشينا مع الموضوع بكلمة واحدة فقط: اتقِ الله. هذه مرجعية التوحيد.

والجناح الثاني: وحدة الأمة. ولذلك ترى جملةً عجيبة، وأنا دائمًا أكرر هذا الكلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ — «حق تقاته» لم تأتِ في القرآن في موضع آخر — ثم ماذا؟ ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. أتتخيل خطورة هذه الجملة وصرامتها؟ يعني: لا تسمحوا لأي شيء أن يتسلل إلى إسلامكم فتموتوا على غير الإسلام. فاللاحق بعد ذلك بيانٌ لنواقض الإسلام فينا.

والأصل في السياق أن يُقال: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مؤمنون»، لكن الكلمة جاءت بخلاف ما صُدّرت به الآية. فما وجه هذا الخلاف؟ وجهه أن بين أهل الإيمان مساحةً للاختلاف، وأن الخلاف قد يصل حتى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ…﴾، لكن لا ينبغي لأحد الطرفين أن يتخلى عن إسلامه، فلا يبالغ في العداوة حتى تتجاوز حدّ الإسلام.[6] ألم تسمع هذه الجملة من قبل من صوت جهاز الملاحة في السيارة؟ تقول لك: خلّك في الخطوط الثلاثة اليسرى وأكمل، ثم: خلّك في الخطين اليمنيين لتدخل يمينًا. تسأل: لماذا خطان؟ لماذا لا تقول لي خطًّا واحدًا؟ فتقول: لا، حركتك تسمح لك في إطار ثلاثة خطوط. فهذا حدّ الإسلام وهذا حدّ الإسلام، وما بينهما إيمان، فيجوز أن نختلف في وجهات النظر والاختلافات، ونشتد ونتخاصم، لكن يبقى كلٌّ منا داخل الحدّين.

فالجناح الآخر هو جناح وحدة الأمة، التي يُخشى من أي خلاف فيها على الإسلام. وهو الهمّ الأول المنظور لدى كل الأطراف المتعاملة مع أي أحداث مستجدّة على ساحة الأمة، وإلا خسرنا إسلامًا. ونستكمل، إن شاء الله تبارك وتعالى.

--- [1]: توثيق المحرر: الآيات من سورة البقرة (282، ثم 286). أوردها المتحدث مقتطفةً، فأُثبتت بقدر ما نطق به دون إتمام. [2]: توثيق المحرر: الأرقام في التفريغ مضطربة (ذكر المتحدث نحو 122 و123 مرة في السنة بعد قسمة أيام السنة على ثلاثة)، فأُثبت المعنى دون الرقم. وحديث الزهراوين نُقل بالمعنى كما ذكره المتحدث، وأصله في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة رضي الله عنه. وربط المدة بـ«ثلاثة أيام» اجتهاد من المتحدث في الفهم لا نصّ نبوي ثابت منقول هنا. [3]: توثيق المحرر: سورة آل عمران، الآيات 2–7 (وآية الافتتاح من سورة البقرة 2)، وأُوردت منها الأجزاء التي نطق بها المتحدث فقط. [4]: توثيق المحرر: سورة الأنفال، الآيتان 1–2. والتفريغ في هذا الموضع مضطرب، فلم يُتمّ المتن ما لم يُسمع. [5]: توثيق المحرر: سورة المنافقون، الآية 8، ونُقل الربط بأُحد كما أورده المتحدث؛ ونزول الآية كان في غزوة بني المصطلق (المريسيع) كما في صحيح البخاري من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه، فلا يُجزم بصلتها بأُحد. [6]: توثيق المحرر: الآية 102 من سورة آل عمران؛ وعبارة «طائفتان» يُحتمل أنها من الحجرات (الآية 9)، لكنّ التفريغ عندها مضطرب فلم تُتمّ. [7]: توثيق المحرر: الثابت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة؛ أما تحديد «ثلاثة أيام» فلم يُتحقق منه، ووردت «ثلاث ليال» في حديث آخر خاص بالآيتين الأخيرتين من البقرة (رواه الترمذي وأحمد والحاكم من حديث النعمان بن بشير)، فلا يُنسب التحديد للحديث الأول.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ