غايتنا في الغرب
لماذا جاء الله بنا إلى هذه البلاد، وهل نحن حَمَلةُ هذا الدين أم معتنقوه؟
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت بتاريخ 31 يوليو 2026مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
تخيّل أن النبي ﷺ جالسٌ حول الكعبة في بداية الدعوة، يتفكر في مستقبل هذا الدين، وما كان له همٌّ في حياته أكبر منه. ثم تخيّله اليوم يدخل مسجدكم، فيرى ألوان الناس وألسنتهم وبيئاتهم، ومن أي بلاد جاؤوا، وكم لهجة اجتمعت. ألا يفرح بوجودكم، ويأنس بأن الله أعدّ لدينه في الأرض أهلًا؟ هنيئًا لمن كان سببًا في إسعاد النبي ﷺ بين يدي ربه. وعلى هذا المشهد بنى الخطيب سؤاله: ما غايتنا في هذه البلاد؟
لماذا أنت هنا؟
من اللحظة التي قررتَ فيها أن تنطلق من بلدك إلى هنا، ثم قررتَ قرارًا أخطر وهو أن تنجب أولادك هنا: ما الهمّ؟ ما الغاية؟ ما السبب؟ يقول الخطيب إن المعاملات اليومية علّمتنا أن الذين جاؤوا إلى أمريكا ليجمعوا الأموال الكثيرة انقلبوا في النهاية إلى رب العالمين وتركوا أموالهم. وهذه البلاد، كما يقول، تعرف كيف تعطيك وتأخذ منك مرة أخرى في اللحظة نفسها، ولا تدع لأحد شيئًا، والكل يتنافس ويركض وراء وهم يُسمّى جمع الأموال وتحسين الأحوال وزيادة الدخل.
لكن هذا حاصل في كل موطن من الأرض، فالأيام تمر على الناس وقد رزقهم الله رغدًا في العيش يعتادونه بعد حين، أو صعوبة في العيش يتأقلمون معها بعد حين. وانظر إلى أهل غزة، كيف يعيشون وكيف يمضي عليهم اليوم ومن أين يأكلون. وانتقل إلى الصومال أو مالي أو بلاد فيها شظف في المعيشة، وسترى الابتسامة على كثير من الوجوه، يبكون حينًا ويضحكون حينًا آخر. ثم يختصر الخطيب: خلاصة الدنيا موت، وخلاصة الحياة قبر، وخلاصة الأيام وقوف بين يدي رب العالمين.
الله أعلم حيث يجعل رسالته
ويبقى السؤال: لماذا نحن هنا؟ من قال «أنا الذي جئت» فقد أخطأ التقدير، فإن الله هو الجامع للناس في الموطن الذي يريده لهم، في الوقت الذي يعلم صلاح وجودهم فيه. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: 124]. تأمّل هذا النص القصير: الله أعلم أي قلب يستوعب الرسالة، وأي عقل يتفكر فيها، وأي لسان تُودَع عليه، وأي جسد يعبأ بها، وكذلك أي مدينة وأي دولة وأي بلد، وأي زمان.
حَمَلة الدين أم معتنقوه؟
وهنا سؤال بسيط: أأنت من حَمَلة هذا الدين أم من معتنقيه؟ فارق كبير بين من دخل الإسلام فرآه مريحًا لنفسه، مطمئنًا لقلبه، مهدّئًا لأعصابه، ورأى فيه نظامًا يسيّر الحياة؛ صلاة فجر وسلام، وصلاة عشاء ونوم هادئ بقلب مطمئن، واستقر الأمر. وبين شخص يُقال له ما قيل للنبي ﷺ في سورة الكهف: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]. هل ستقتل نفسك من كثرة الهم وتحمّل المسؤولية لأنهم لم يسلموا؟ هذه هي المسؤولية الكبرى التي أُنيطت بالنبي محمد ﷺ والأنبياء من قبله، فقد أُخذ عليهم عهد البلاغ، وحملوه أمانة وأدّوه للناس بمستوى الإتقان نفسه الذي كان عليه رسول الله ﷺ.
ونحن؟ نخرج من الصباح إلى أعمالنا مكدَّرين بيوم طويل مثقلين بأعباء كثيرة، ونعود إلى بيوتنا آخر النهار وقد خارت القوى وانعدمت الهمم، فيعود المرء بهمومه إلى بيته وينام إلى الصباح ثم يفتح عينيه مهمومًا بيوم جديد. وحلقة الوصل بين قلبي وعقلي وبين السماء مفقودة في همّها الأكبر، وهو همّ بلاغ الدين.
ويضرب الخطيب مثلًا: لو سألتك عن وظيفتك فستقول إنك طبيب أو مهندس أو معلم، وما تتطلبه الوظيفة. لكن هذه الوظيفة رقم اثنين. مهمتي الأولى في الحياة أني مكلَّف من رب العالمين ببلاغ الرسالة، وأني وارث لإرث النبي ﷺ. فهل نبلّغ هذا الفهم عقولَ الناس وقلوبهم فينهضون لأمر دعوتهم، ويتحملون مسؤوليته مالًا وجهدًا ووقتًا وبذلًا؟ أم نقعد حول مائدة الطعام التي تسمى الأرزاق، نلتفّ حولها ونحفظها، ولا نعرّض أنفسنا للخطر لئلا نعرّض المائدة للخطر؟ نخشى على أولادنا من كل همس ولمس، وعلى رزقنا من كل احتمال.
أبو بكر: تركتُ لهم الله ورسوله
وهذا خلاف حال أصحاب النبي ﷺ. كان رسول الله ﷺ يقف على منبره فيسأل: أيها الناس، نريد مالًا لكذا، فمن أول من يرفع يده؟ أبو بكر الصديق، أول المجيبين لرسول الله، لا في المال فقط، بل في كل نداء ينادي فيه النبي ﷺ. كان يذهب إلى بيته ثم يعود بالمال، ويأتي بكل ماله. ولو كبر رأس ماله أضعافًا أتى به كله. وكان جوابه حين سأله رسول الله ﷺ: ماذا تركت لعيالك؟ «تركتُ لهم الله ورسوله»[1].
هذا مع أنه تاجر ماهر، لكن عقلية «البزنس» تقول: لا بد لي من رصيد واحتياطي مالي واستراتيجيات ومخزون بضائع. أما أبو بكر فكان في كل مرة تقريبًا يبدأ من الصفر. لأنه يثق في أن باعث الأرزاق هو الله، فهو لا ينظر إلى ما في جيبه على أنه سيغطيه خلال اليوم أو الأسبوع. الذي يعمل في هذه الأسباب هو مسبِّبها سبحانه. فمن عنده مهارة التجارة وعنده مع ذلك قوة اليقين فيما عند رب العالمين، يضع في الصفقة 100% من ماله وهو متأكد أنها ستعود إليه.
بعد مئة سنة
عباد الله، نحن هنا لبلاغ أمانة، ولأداء رسالة، ولحمل هذا الدين. سنموت جميعًا، بعد عشر سنوات، بل بعد عشرة أيام، بل بعد ساعات ربما. فإذا قلنا: بعد مئة سنة من اليوم، فمن يظن منا أنه لا يزال فوق التراب؟ لا أحد. وبعد أن نكون تحت التراب: إما أن نترك وراءنا إسلامًا يتحرك على الأرض كما فعل أصحاب النبي ﷺ، وإما أن نكون قد ذهبنا إلى ما تحت التراب وأرحنا البشرية من العبء الذي كنا نحمّلها إياه.
ثم إننا في زمان يتقلب بأهله، والناجي فيه من حرص على دينه، كما جاء في الحديث الذي أورده الخطيب بمعناه: أنه يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر[2]. تخيّل أن تمسك جمرة لا تستطيع أن تتحملها ثوانيَ، تحرق يدك، ومع ذلك تحرص عليها. ذلك هو أمر الديانة: من حرص عليها فقد نجا، ومن أهملها فقد هلك.
مسجد يُربّي الأئمة
وهذه هي الغاية نفسها التي قرر الخطيب وإخوانه أن يسيروا عليها منذ أعوام كثيرة، منذ أن جاؤوا إلى هذه البلاد: عاهدوا رب العالمين أن يكونوا من حمَلة هذه الأمانة في هذه الأرض. وهو يقول إن لديهم الآن في منطقة دالاس بتكساس مسجدًا ليس فقط محلَّ صلاة، بل موطنًا لتربية الأئمة، وتعليمهم كيف يصعدون هذه المنابر، ويؤمّون الناس في الصلوات، ويحلّون المشكلات بين الأزواج، وينصفون المظلوم. «نربّيهم على ما تربّينا عليه وزيادة»، والفارق الوحيد فارق اللغة والثقافة، فيضيفون إلى ما تعلموه في الأزهر ما تمليه الحاجة في هذه البلاد من أحوال مستجدة.
وبيّن أن توفية الطلاب ما يحتاجون إليه، وبقاء أبواب المسجد مفتوحة والإنارة مضيئة والسجاد مفروشًا، لا يكون إلا بإنفاق الصالحين أمثالهم، وسأل الله أن يجعلهم من السابقين إلى الخيرات.
وختم بالدعاء: اللهم أرضِنا برضاك، وثبّتنا بتثبيت من لدنك، وبلّغنا مرادك حيث كنا، واهدنا إلى ما تريدنا له من الخيرات. اللهم كن لكل مستضعف في الأرض، وكن لأهلنا في فلسطين وغزة.
--- [1]: توثيق المحرر: رواه أبو داود والترمذي من حديث عمر رضي الله عنه في قصة تصدق أبي بكر بماله كله: «أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ». ولفظ الخطيب: «تركت لهم الله ورسوله». [2]: توثيق المحرر: رواه الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ». وقد أورده الخطيب بلفظ «القابض فيه على دينه».
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.