الصبر بغير حساب: قنوت الليل وطلب العلم ومعاشرة الخلق
خاطرة الفجر | 20 يوليو 2025
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٢٠ يوليو ٢٠٢٥م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
السياق الذي وردت فيه الآية
وبعد، حياكم الله ورضي عنكم أجمعين. وقفتنا مع الآيات الكريمات التي قُرئت في صلاة الفجر، وفيها قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.[1] وينبغي أن ننظر دائمًا إلى ما يسمى السياق: في أي سياق وردت هذه الآية؟ فنرى قبلها قول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.[2]
فنسأل: في هذه الآية موضوعان أساسيان تقريبًا؛ أولهما حال القانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، والثاني: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فهل الصبر المنشود في الآيات هو الصبر على القنوت في الليل؟
الصبر على قيام الليل
قنوت الليل هو نموذج التعبد الأتم والأمثل في حياة الصالحين؛ حيث يتصل العبد بربه في خلوته التي لا يشاركه فيها أحد، فيخلو العبد بربه، ويتواصل القلب بالله تبارك وتعالى، وتنهمر الدمعات، وترتفع الدعوات، وتتجاوب النفوس، وتستريح القلوب وتطمئن، وتزكو، سبحان الخلّاق العليم، في أسرار خالصة مع الله في خلوة الليل. وحقٌّ لنا أن نؤمن بما وعد به النبي ﷺ حين حدّثنا أن قيام الليل شرف المؤمن؛ يرى فيه ذاته، وتتجلى فيه سريرته، وتهدأ فيه نفسه، وتخبت فيه القلوب لله تبارك وتعالى.
الصبر على طلب العلم
ثم ترى القضية الأخرى، وهي تعلُّم العلم، وهو مكابدة لا يستطيعها كثير من الناس. ولذلك فالجهد المطلوب في طلب العلم أشق من الجهد المطلوب في قيام الليل. وتدرك ذلك لأن قيام الليل قد يتحول في مرحلة من المراحل إلى مسألة روتينية، إلى «منطقة راحة» تستريح فيها النفس وتهدأ، فيؤدي العبد ما يؤدي دون كبير مجهود. أما العلم فمذاكرة ودراسة وحفظ ومراجعة وحركة وثبات؛ إنه مجاهدة للذات تختلط فيها أعمال العقل مع أعمال القلب مع حركة البدن، وليس هيّنًا ولا سهلًا، وهي عملية طويلة جدًّا.
وقيام الليل يكفّ الإنسان عنه متى أراد وهو متشبّع بما أراد؛ فإن صلى ركعتين ثم اكتفى فقد حصّل نصيبًا، وإن صلى أربعًا ثم اكتفى فقد حصّل نصيبًا، وإن صلى عشرًا ثم اكتفى فقد حصّل نصيبًا. أما العلم فطريق يبدأ ولا ينتهي، ومن أراد أن يتوقف فيه فقد جهل موطنه من العلم؛ ومن استشعر أنه قد اكتفى وأنه يمكنه أن يتوقف الآن فهو في أتمّ درجات الجهل. فالعلم كلما توغلتَ فيه رأيتَ فقرًا في نفسك، فازددتَ حرصًا على تحصيل المزيد منه.
الصبر على الخَلق
غير أن الصبر المراد هنا هو الصبر على الخَلق، وهو الصبر الذي يوطّن صاحبه على الحال، وهو أشق من الحالين السابقين. أعيد هذا مرة أخرى: الصبر المراد في الآية هو الصبر الذي يوطّن العبد على الحال التي هو فيها، سواء كانت قنوت الليل، أو طلب العلم، أو الصبر في ذاته على أحوال الخلق.
أين الحدّ؟
عندما يقول الله تعالى: ﴿يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فأين الحدّ؟ أين النهاية؟ إنها «اللانهاية»، إن صح التعبير بالعربية المحضة. ولهذه اللانهاية دلالة لا شك فيها: إذا كان الثواب بغير حساب فلا بد أن يكون الصبر أيضًا بغير حساب؛ فتصبر على كل شيء، وعلى كل أحد، وعلى كل حال، صبرًا لا ينتهي، صبرًا يصاحبه الاحتساب الحق مع الله الحق سبحانه وتعالى.
لا أطيل عليكم، لكن الأعمال المنشودة من العباد في حياتهم الدنيا كلها تستوجب صبرًا، ومن عرّف نفسه الصبر استطاع أن يتجمّل وهو يخاطب الخلق، وهو يخاطب نفسه، وهو يتعبد لله. فاصبروا واحتسبوا، قال الله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾،[3] ثم جاء الوعد من رب العالمين: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أسأل الله تعالى أن يكتب لنا من هذا التعبد نصيبًا، وأن يجعل أثره في قلوبنا ونفوسنا وعقولنا وأبداننا. اللهم آمين.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة الزمر، الآية ١٠. [2]: توثيق المحرر: سورة الزمر، الآية ٩. [3]: توثيق المحرر: سورة آل عمران، الآية ٢٠٠. ذكر المتحدث الجزأين على حدة ولم يذكر ما بينهما.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.