أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

التفكير الإيجابي في حياة النبي ﷺ

كيف يعلّمنا القرآن والسيرة أن نقرأ الموقف الواحد قراءتين، ثم نختار أحسنهما

د. أحمد أبو سيف•٦ مايو ٢٠٢٤•16 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت بعد صلاة العشاء وصلاة القيام بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠١٦م المصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد الله ونبيه ورسوله سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. حيّاكم الله وبارك خطاكم إلى هذا المكان المبارك، وأسأل الله العلي القدير كما جمعنا في الدنيا على طاعته وفيما يرضيه أن يجمعنا في الجنة.

كنتُ قد أعددتُ لهذا اللقاء مادةً حول الإيجابية في الإسلام، أو الإيجابية بصفة عامة. غير أنني، بعد إطلالة أخيرة على المادة وقبل الصلاة، أدركتُ أننا نسير في اتجاه مختلف نسبيًّا، هو الإيجابية في التفكير، أو «التفكير الإيجابي» إن شئنا. وشاء ربّ العالمين سبحانه أن يتلو علينا قارئنا في صلاة القيام قولَه تبارك وتعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.[1]

توجيهٌ إلهيّ في نمط التفكير

في هذا النص الكريم توجيهٌ من الله تبارك وتعالى لرسوله ﷺ في قضية التفكير خاصّة. فحين كان النبيّ ﷺ يسمع من المشركين ما يسمع، كان يسمعه على نمطٍ من التفكير هو أنهم يتعمّدون إيذاءه. ولننظر: ألم يحاول المشركون منذ بداية دعوته عليه الصلاة والسلام إلا إيذاءه ﷺ؟ بلى. فتفكيره ﷺ في هذه الجزئية قائم على التجربة السابقة، وعلى ما مورس معه من قبل؛ فهو يبني مجموعة من النتائج على مجموعة من المقدمات.

غير أنّ الله تبارك وتعالى أراد بنبيّه ﷺ مستوًى أعلى من التفكير. فبعد قوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ يوجّه ربّ العالمين تفكيرَه ﷺ إلى أنه ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾، وأنّ هؤلاء الرسل صبروا. فكأنه يريد أن ينقله إلى نمطٍ آخر من التفكير، هو التفكير في قضية الصبر. ثم يقول سبحانه: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ﴾، أي: لو ارتضيتَ هذا النمط من التفكير الذي تريد أن تبقى عليه، فاصنع المعجزات من تلقاء نفسك. ولن تستطيع، لأن ذلك ليس إلا بأمر ربّ العالمين سبحانه جلّ في علاه.

«أنتم أعلم بشؤون دنياكم»

نخرج من هذا القياس البسيط جدًّا إلى ما فعله رسول الله ﷺ في حياته كلها، حين كان يفكّر في مسألة ويريد من الأمة أن تفكّر بالمنطق نفسه. عندنا قصة مشهورة جدًّا يتساءل حولها الناس، هي قصة تأبير النخل. سمعتم أنّ النبيّ ﷺ سأل أصحابه حين رآهم يُلقّحون النخل: لِمَ تفعلون ذلك؟ فقالوا: يا رسول الله، اعتدنا ذلك، وهذا ما علمناه. فقال: ألا توكّلتم على الله تبارك وتعالى؟ — هذا إن صحّت الرواية في اللفظ الذي ذكرتُه — فتركوه. فلمّا كان العام القابل لم يجدوا ثمرًا بين أيديهم. فإذا بالنبيّ ﷺ يقول جملته المشهورة تمامًا: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم».[2]

ما المُفاد من وراء هذه الجملة؟ لقد فتح النبيّ ﷺ بهذه الكلمة الوحيدة، في بساطة لفظها، باب التفكير على مصراعيه لأصحابه؛ ليبدؤوا مرحلة الاجتهاد، ومرحلة التفكّر، ومرحلة من مراحل الإبداع وتصوّر المستقبل. وهي في مسألة بسيطة، غير أنها تضرب مثلًا وقياسًا لكل ما يتأتّى من أحوال الأمم بعد ذلك.

والنبيّ ﷺ يضرب لنا هذه الأمثلة، ويمكنك أن تقرأ سيرته على هذا النحو: إذا أردتَ أن تُصنّف أوراقًا في التفكير الإيجابي في حياة النبيّ ﷺ من خلال سيرته العطرة، ثم قرأتَ السيرة وأنت تحاول أن تلتقط هذه الجزئية، فوالله لتخرجنّ بكنز كبير جدًّا.

يوسف عليه السلام: نزرع في القلوب بذرةً نجني ثمرتها يومًا

لكن دعونا ننتقل إلى ما تحدثنا عنه سلفًا من ذلك المنبر المبارك، وهو قصة يوسف على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام. أيّ نمطٍ من التفكير كان يمارسه سيدنا يوسف عليه السلام حين عاون كلَّ من قابله في حياته، ولم يدّخر جهدًا في خدمة المجتمع؟ كان تفكيره الإيجابي متّجهًا إلى أننا نزرع في قلوب الناس من حولنا زرعًا، أو بذرةً، سنجني ثمارها يومًا ما. متى؟ الله تبارك وتعالى أعلم. غير أنّ يوسف عليه السلام ما إن وطئ بقدميه بيت عزيز مصر حتى بدأ يعمل ما يستطيع عمله، وخدم الناس بكل ما يستطيع. حتى إنّ بعض الروايات تحدّث أنّ العزيز كان معجبًا به، وأنه أوكل إليه مهمة إدارة القصر — إن صحّ ما رُوي في ذلك — فصار من خلال تفكيره الإيجابي في أعلى الهرم، ولو كان هرمًا بسيطًا أمام عينيه وأمام الناس.

ثم تمرّ به الأزمة، وتأتي قصة امرأة العزيز، ويقضي الله تبارك وتعالى أن يكون في السجن. فكيف يكون التفكير حينئذ؟ رجلٌ مظلوم، مضطهد، مُفترًى عليه، مأمورٌ عليه بالسجن لا يدري إلى متى. ولكن تفكيره في هذا الاتجاه ينحصر في قضيةٍ أعظم، هي إرضاء الله من خلال إسعاد عباده: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا﴾، ثم يُردف: ﴿ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾؛[3] ليثير انتباه الجالسين والحاضرين — فيما يبدو من التفريغ — إلى أنّ هذا من ربّك الذي يعلّمك الغيب. فيبدأ في شرح العقيدة بمنتهى البساطة والتيسير في الفهم على الناس. وتلك قضية تُسمّى قضية الخطاب الديني: أين أبعاده ومحاوره ومهامّه، وهل يحتاج في ذاته إلى تطوير أم لا؟ مسألةٌ أخرى نتركها على جانب الحديث، فلا نريدها أن تخترق علينا كلماتنا في هذا النمط من التفكير. المهمّ أنّ يوسف عليه السلام ألقى في نفوس من حوله بذرةَ الإيمان، أو على الأقل قضيةَ التعقّل في تفكرهم في أمورهم التي يسيرون معها.

ثم تمضي الأيام ويأتيه ذلك الذي يقول: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾. ولنتأمّل هنا. لم يذكر ربّ العالمين سبحانه أنّ يوسف عليه السلام فكّر: ما الذي يمكن أن أتقاضاه من هؤلاء؟ ما الذي يمكن أن نتفاوض حوله؟ كيف ستكون النتائج بالنسبة لي؟ ما مصلحتي في هذه المسألة؟ والفرصة، لو أراد، غنيمةٌ عظيمة جدًّا. الشرط الأول: أن أخرج من السجن. الشرط الثاني: أن يُعترف بالإسلام دينًا لهذه الدولة. الشرط الثالث: أن يكون أمير البلاد في استقبالي. الشرط الرابع: أن تأتي امرأة العزيز إلى قدميّ تبكي دمًا على ما فعلت من ظلمٍ واعتداء، وهلمّ جرًّا. كلُّ هذه الشروط محتملة وقابلة للإجابة منهم، لأنهم مُقدمون على كارثة، والجميع يريد أن يُرضي ذلك الملك الذي رأى هذه الرؤيا.

ولكنّ يوسف عليه السلام ما اشترط شرطًا واحدًا. كانت كلماته في منتهى البساطة والوضوح، وفي منتهى الخدمة لهذا المجتمع الذي يعيش فيه، وهو إنسان مظلوم مُلقًى في السجن، مضطهد في هذا البلد بتهمة ديانته، أو تهمته الأساسية التي هي عفّته وطهارته وحرصه على الشرف وإكرام من أكرم مثواه. كان يوسف مثالًا في البساطة في التفكير الإيجابي الذي يخدم به المجتمع، ويخدم به قضيته الأم، وهي دين ربّ العالمين سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا…﴾. هكذا تعبّر لنا الآيات عمّا ينبغي أن نفعله: المسلم إيجابيٌّ في تفكيره نحو المستقبل.

وهذه مسألة لا تحتاج إلى شرح حين تقرأ قصة مؤمن آل ياسين، أو مؤمن آل فرعون — سمِّ ما شئتَ — لكنك تقرأ قصة رجلٍ قرأ المستقبل: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾.[4] فكّر بطريقة إيجابية نحو الحلول المتاحة: إما الجلوس على مائدة الحوار والتفاوض، وإما الخروج الفوري من هذا المكان، بحيث نجد ثمرةً بين أيدينا.

في البيت: قراءتان لموقف واحد

تعالوا نعُد بقضية التفكير إلى بيوتنا التي نعيش فيها، لنرى كيف يكون التفكير السلبي حين يدخل رجلٌ من باب بيته في آخر نهاره بعد عمله فلا يجد طعامًا. التفكير السلبي يُملي عليه مباشرةً أنّ هذه المرأة لا تحترم وجوده، وأنها لا تعبأ به حين يأتي إلى البيت، وأنها كسولة في هذا اليوم، وأنها وأنها... ويبدأ الشيطان في ملء هذا الرأس بما ينتج بعد لحظات قليلة كلماتٍ قاسيةً على اللسان. أما التفكير الإيجابي في الاتجاه الآخر فيقول: ترى ما الذي أخّر امرأتي عمّا اعتادت أن تفعله لي؟ وقد علمتُ عنها كرمًا وإخلاصًا وتفانيًا، وعلمتُ عنها تواضعًا، وعلمتُ أنها لا تتأخر في كذا. ترى ما الذي حدث؟ فيكون السؤال عن الحال وعن العافية وعن الأمور: كيف أنتِ؟ أبخير؟ وهكذا تبدو الأمور في مجموعة من المعالم في منتهى البساطة.

وتحضرني في هذا المقام نكتة طريفة، وهي لا رواية ولا سند، والعهدة فيها ليست على الراوي. يُحكى أنّ ثلاث نساء، إحداهنّ متزوجة من أمريكي، والثانية من فرنسي، والثالثة من مصري،[5] اتفقن فيما بينهنّ ألّا يصنعن طعامًا لمدة يومين أو ثلاثة. فلمّا التقين بعد ذلك قالت زوجة الفرنسي: أول يوم لم يقل شيئًا، وثاني يوم لم يقل شيئًا، وفي اليوم الثالث وجدتُه يأتي إليّ مباشرة ويقول: حبيبتي، هل نخرج لنتغدّى معًا اليوم؟ أحسّ أنك متضايقة. وصار يتلطّف معي بعد بضعة أيام، وصارت الأمور رومانسية، وعشتُ أحلى أسبوع في حياتي. وقالت الأخرى: أول يوم لم يقل شيئًا، وثاني يوم كذلك، وفي اليوم الثالث ذهب إلى المطبخ مباشرة واشتغل وحده، وإن بدا عليه الزعل، لكنني تركته زعلانَ لأرى آخرتها معه. أما المصرية — أكرمها الله سبحانه وتعالى — فقالت لهنّ: والله أنا أول يوم لم أرَ شيئًا، وثاني يوم لم أرَ شيئًا، وفي اليوم الثالث بدأتُ أرى بعيني الشمال! فالتفكير عندنا سريع الأثر طبعًا. وأقول هذا مازحًا، ولي دالّة على إخواننا المصريين هنا، فلا يفهمني أحدٌ غلطًا ولا صحًّا.

فالتفكير الإيجابي قد يسير بك إلى اتجاه تفترض فيه أحسن ما يمكن أن يُفترض، والتفكير السلبي يسير بك إلى اتجاه تفترض معه أسوأ ما يمكن أن يُفترض.

شاهدنا فيديو صغيرًا جدًّا وبسيطًا جدًّا لطفلٍ يلعب على الحائط ويكتب عليه، فدخل الأب فضربه لأنه يُوسّخ الحائط؛ هو فكّر في هذا الاتجاه. وفي صورة ثانية يأتي الأب فيربّت على الولد ويقول له: ماذا تكتب؟ فيقول: اليوم عيد ميلادك، وكنتُ أكتب لك كل سنة وأنت طيّب. فما رأيكم؟ هو نفس الطفل يكتب نفس الجملة وفي داخله نفس المشاعر، لكنّ التفكير السلبي سار بنا في اتجاه، والتفكير الإيجابي سار بنا في اتجاه آخر.

ولو حاولنا أن نضرب الأمثلة: غاب واحدٌ من الموظفين عندك في العمل، فيقول لك التفكير السلبي: هذا الرجل لا يستحق، ونحن أنعمنا عليه وآويناه، وها هو لا يردّ الصنيع، وهذا الإنسان لا بدّ أن يُفصل. ونوعٌ آخر من التفكير الإيجابي تسأل فيه عن صحته وعافيته وأحواله، فإذا هو قد حدثت له مصيبة، أو ألمّ به عذر، أو ضاقت به ضائقة، إلى آخر ما يمكن أن يكون.

في المجتمع: المشاركة والسمعة

ويتجه التفكير الإيجابي كذلك نحو هذه البلاد التي نعيش فيها الآن، ونحن على أبواب هذه الانتخابات — وقد علمتُ أنّ لديكم محاضرة حول هذا التوجّه. ما الذي يمكن أن تؤول إليه الأمور مع التفكير السلبي؟ يقول: ما لنا دعوة بهذا، والذي سيحصل سيحصل، ونحن متوكّلون على الله وعايشون وخلاص، وربنا يسترها علينا وعلى أولادنا، وماذا نعمل يعني؟ أنتدخّل في شؤون الدنيا والدين؟ وإلى آخره. هذا تفكيرٌ سلبي.

أما التفكير الإيجابي، فتأمّلوا النبيّ ﷺ حين انتُدب ليقضي بينهم في مسألة وضع الحجر الأسود. أتعلمون ماذا فعل النبيّ عليه الصلاة والسلام؟ لا، السؤال: ما الذي قاله؟ كان يمكن ﷺ أن يقول لهم كلماتٍ ويمضي: هؤلاء ناس كفار لا يستحقون، مشركون يعبدون الأصنام، وليسوا في مستوانا. لكنّ النبيّ ﷺ لم يفكّر بهذه الطريقة، وإنما فكّر بطريقة أخرى: أن يمدّ يده فيما يُسمّى بالمشاركة الاجتماعية، التي نتجت عن تفكير إيجابي يحمل ثمرةً لهذا المجتمع الذي عاش فيه رسول الله ﷺ. وبناءً على ذلك كان هذا في سجلّ أعماله ﷺ المشهود له بها عند هؤلاء الناس. فلمّا صعد الجبل يومًا وقال: «لو أخبرتكم أنّ خيلًا وراء هذا الوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مصدّقين؟»، كيف كان جوابهم؟ قالوا: ما جرّبنا عليك كذبًا قطّ.[6] لقد أثمرت الأعمال فكرًا عند هؤلاء الناس، وأصبحت أرضيةً مشتركة نبني عليها بعد ذلك العلاقة الوثيقة بيننا وبين الناس الذين يعيشون حولنا.

ويبقى السؤال، انطلاقًا من التفكير الإيجابي: ما الذي نتركه من سمعة في وسط من يعملون معنا أو نعمل معهم في مواطننا المختلفة؟ إن كنتَ تعمل في مدرسة مدرّسًا، أو طبيبًا في مستشفى، أو أستاذًا في كذا، أو مهندسًا في كذا، أيًّا كان عملك، في وسط عمّال أو أساتذة أو مهندسين: ما الذي يقولونه عنك إذا أدرتَ ظهرك وانصرفت؟ أيقولون: إرهابيٌّ متخفٍّ، خلّوه نائمًا؟ هذا الرجل مستخبٍّ إلى أن تحصل مصيبة فنجده هو الذي صنعها؟ أم يقولون عنك: رجلٌ مخلص، متقنٌ لعمله، محتفظ بوقته، يحترم الآخرين من حوله، يتأدّب مع الناس بقدر ما يستطيع؟ ما الذي يتحدّث به القوم من حولك عنك؟ وإن كان لك جيران، فكيف سيرتك وسمعتك في وسطهم؟ أليس من التفكير الإيجابي أن نترك عند هؤلاء الناس بصمةً حسنة، حتى إذا قدّر الله وابتُلينا معهم بما تُبتلى به الدنيا الآن من حدثٍ أو مصيبةٍ أو كارثةٍ أو غيرها، أليسوا هم الذين سيكونون بإذن الله العماد الأول من البشر بالنسبة لنا، والمحافظين علينا، وأول من يحافظ علينا من الناس الذين هم حولنا؟ وربما كانوا أقرب إليك، وأجرأ على مواجهة المجتمع والناس، من كثيرين من المسلمين الذين سيضعون رؤوسهم في الرمال حينها، فلا تتحرك لهم ألسنةٌ ولا أقدام ولا أيدٍ، ولن يفعلوا شيئًا في نصرتك إن كنتَ متهمًا في شيء زورًا أو بهتانًا أو ضلالًا أو غيره.

في التربية: تعلّم من صنيع النبيّ ﷺ

نريد أن نتعلّم ممّن حولنا كيف يكون ذلك التفكير الإيجابي وهم يتعاملون مع المواقف البسيطة جدًّا. ما رأينا النبيّ ﷺ يُعنّف ولدًا يتربّى على يديه. ورواية أنس رضي الله تعالى عنه في غاية الشهرة: عايشتُ النبيّ ﷺ سنين، فما قال لي يومًا لشيء فعلتُه: لِمَ فعلتَ؟ ولا لشيء لم أفعله: لِمَ لم تفعل؟[7] أتظنون النبيّ عليه الصلاة والسلام كان تاركًا الأمر سائبًا، والولد يفعل ما يشاء، والحياة مفتوحة بالنسبة له؟ أم كان يربّي؟ إن لم تكن هذه وسيلته في التربية، فلا شك أنّ للنبيّ ﷺ وسائله الأخرى في التربية، وأنه كان يريد أن يُنضج تفكيرًا.

واليوم في خطبة الجمعة وردت علينا رواية تحدّث أنّ السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، يوم مرّ اليهودي على النبيّ ﷺ فقال: السامُ عليكم، قالت عائشة — إن صحّت الرواية، فهكذا سمعتُها —: وعليكم السامُ وعليكم اللعنة. فقال لها النبيّ ﷺ: يا عائشة، لِمَ هذا؟ فقالت: أوَما سمعتَ يا رسول الله أنه دعا عليك بالموت؟ فقال: «سمعتُ، ولكنني قلتُ له: وعليكم».[8]

ما المُفاد من ذلك؟ التفكير السلبي يسيء الظن بها فيتوهّم أنها لم تكن تحترم وجود النبيّ ﷺ، وإنما كانت تتجرّأ بين يديه، وأنها وأنها وأنها. والتفكير الإيجابي يقول: إنّ غَيرتها على النبيّ ﷺ، حبيبِ قلبها قبل أن يكون رسول الله، ورسولِ الله قبل أن يكون زوجها، ذلك الإنسان الذي تغار عليه؛ انطلقتْ من غيرتها فما استطاعت أن تتحمّل كبشر، وهذا أمرٌ محتمل وارد عند كل الناس. فيُحمد الموقف لها قبل أن يكون ضدّها. ثم تأتي المسألة الأخرى: أنّ النبيّ ﷺ يغيّر نمط التفكير، ويعلّمها كيف يكون الجواب. انظري إلى المسألة في نوعٍ من الإيجابية.

نحن نقف على المنابر فندعو على الناس: قاتلهم الله، وأباد الله، وأذهب الله، وربنا يرينا يومًا أسود، وكذا. فما النتيجة؟ لن تجد أحدًا يؤمن معك بعد اليوم إن أباد الله تبارك وتعالى البشر. ونحن نريد أن نصل إلى الله عز وجل بحصيلة عظيمة من الناس تكون في موازيننا، كما سيجد أبو بكر رضي الله تعالى عنه في موازين حسناته فلانًا وفلانًا، ويكفيه بلال، وكما يقف عثمان بن عفان وحوله كل هؤلاء الخلق الذين أعانهم في الله تبارك وتعالى.

التفكير الإيجابي يقول إنّ النبيّ ﷺ علّمها كيف يكون الجواب المختصر الواضح الصريح، الذي يعطي الأمر مثلَه دون أي نوع من التنازل، ولكن في الوقت نفسه لا يكون فيه أي نوع من الاعتداء. وتأمّلوا في بيوتنا: الأخت تقول لزوجها: سلامٌ عليكم، فيقول لها: مالكِ أنتِ اليوم؟ فتقول: ضيّقة يا سيدي! أقول لك سلامٌ عليكم، ردَّ عليّ: وعليكم السلام! وكذلك هو يدخل فيتكلّم بكلمة، فإذا هي تجيبه بسيّئ القول أو بغليظ القول على الأقل.

البيوت والأولاد والمستقبل

والأولاد في بيوتنا لا يجدون متّسعًا من الأريحية يُفضون فيه بأسرارهم وأقوالهم إلى أبٍ وأمٍّ متفقَين دائمًا، يشعران بينهما بالتوأمة. نحن والعيال والزوجات في عالمٍ يسير في اتجاهات مختلفة: نحن ماشون هكذا، والأمهات ماشيات هكذا، والعيال ماشون هكذا. ثم بعد قليل من الزمن نبكي الأطلال: إنّ أولادنا خرجوا من البيوت، واختلطوا بالأجانب، وإنهم يسيرون الآن في توجّه إيماني مختلف، وإنّ هذه سارت مع ذاك، وإنّ هذا انطلق مع هؤلاء ليشرب مخدّرًا أو يفعل كذا.

التفكير الإيجابي يحملنا على أن نلُمّ شعث بيوتنا، وأن نحفظ أمن هذه البيوت، وأن نقيم فيها أسرًا يظلّلها الإيمان. ولا أقول كلماتٍ رومانسية؛ بل هي قمّة الرومانسية حين نقول: يظلّلها الإيمان. ولا نريد أن نكون في أعمالنا على نوعٍ من التنازع يجعل الناس تحمل في نفوسها ضدّنا وعلينا. ولا نريد أن نكون في مستقبلنا غافلين، مغمضين أعيننا عمّا يمكن أن يحدث، وعمّا يمكن أن يتنبّأ به عباد الله.

«اقرأ»: أول كلمة نزلت

ولا تنسوا أنّ أول كلمة نزلت في القرآن تحمل في طيّاتها كلَّ أنماط التفكير الإيجابي، حين قال الله تبارك وتعالى لرسوله ﷺ: ﴿اقْرَأْ﴾.[9] والقراءة، كما تعلمون، ليست مجرّد ورودٍ على الحروف لمعرفة هذه الكلمات، وإنما هي القراءة بمعنى التعرّف على الأشياء والأشخاص والمستقبل والواقع، والاستفادة من خبرات الماضي، إلى آخر ذلك.

لا أريد أن أطيل عليكم، وإن كنتُ قد أطلتُ — فسامحوني، وبارك الله فيكم. أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا مبرورًا مغفورًا له ذنبه كلُّه عاجلُه وآجلُه، وأن يجعل اجتماعنا هذا في موازين حسناتنا، وأن يجمعنا في الجنة فنتذكّر هذه الجلسة، فيقول فلان: لقد أطال علينا ليلتها، ويقول آخر: لا، كان صوت الشيخ القارئ ممتازًا رائعًا، ويقول الثالث كذا. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا في الجنة، وأن نتذاكر هذه الجلسات الطيبة، وأن يحملنا على ما يرضيه عز وجل حملًا، وأن يجعلنا وإياكم من السابقين إلى مرضاته سبحانه، وأن يغفر لنا ما أسلفنا من أعمالنا، وما أخطأنا من تفكيرنا، وما جنينا من معاصٍ في حياتنا، وأن يسلّمنا من كل سوء وإثم ومعصية يا ربّ العالمين، وأن يباعد بيننا وبين الشيطان، وأن يحفظنا على ما يرضيه، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. سلّم الله لكم ليلتكم، وبارك الله فيكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم.

--- [1]: توثيق المحرر: في التفريغ اضطراب في أول التلاوة (جاء فيه «ولقد نعلم انك يضيق صدرك» ثم «قد نعلم إنه ليحزنك…»)؛ والثابت ما أُثبت، وهو من سورة الأنعام: ٣٣. وما ذكره المحاضر بعدها هو من الأنعام: ٣٤ (﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾) والأنعام: ٣٥ (﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ﴾)؛ وأرقام السور والآيات في هذه الخاتمة من وضع المحرر، ولم يذكرها المحاضر. [2]: توثيق المحرر: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» في صحيح مسلم في قصة تأبير النخل، وفيه: «لو لم تفعلوا لصلح»، فخرج شيصًا، ثم قال ما قال. ولم يرد فيه «ألا توكلتم على الله»، وقد علّق المحاضر ذلك بقوله «إن صحّت الرواية في لفظي». [3]: توثيق المحرر: مواضع آيات يوسف التي ساقها المحاضر، وأرقامها من وضع المحرر: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ…﴾ و﴿ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ في يوسف: ٣٧؛ و﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ…﴾ في يوسف: ٤٦؛ و﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا…﴾ في يوسف: ٤٧، وتمامها: ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾. والمحاضر ذكر «سورة يوسف» عند الآية الأخيرة. [4]: توثيق المحرر: الآية من سورة القصص: ٢٠. أما مؤمن آل فرعون ففي سورة غافر (آية ٢٨)، وصاحب «يس» في سورة يس (آية ٢٠)؛ وقد جمع المحاضر الأسماء بقوله «سمِّ ما شئتَ»، والعزو إلى القصص من وضع المحرر. [5]: توثيق المحرر: في التفريغ اضطراب في جنسيات الأزواج («سمين فرنسي» ثم تساؤل المحاضر «صيني ولا إيه؟»)، فأُثبت «فرنسي»، وقد بدأت بالحكاية زوجة الفرنسي بحسب التفريغ، أما الأمريكي فبالاستنتاج من سياق الحكاية. [6]: توثيق المحرر: متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما (البخاري ومسلم). والمحاضر يرويه بمعناه، وفي التفريغ «خيرًا» والصواب في اللفظ المعروف «خيلًا»، وفيه «أكنتم مصدّقيّ» والمثبت في المتن لفظ المحاضر «مصدّقين». [7]: توثيق المحرر: رواه البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه؛ ومدّة خدمته المشهورة عشر سنين، ولم تتضح في التفريغ فلم تُثبت في المتن. [8]: توثيق المحرر: القصة في البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، وفيها قول النبي ﷺ لها: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله»، ثم قوله: «قد قلتُ: وعليكم». وسياق الألفاظ هنا بحسب ما ساقه المحاضر، وقد علّقه بقوله «إن صحّت الرواية». [9]: توثيق المحرر: العلق: ١، والعزو من وضع المحرر.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ