أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
قبسٌ من نور النبوّة

من أسرار الدعاء النبوي

من أسرار الدعاء النبوي: دعاء السفر

د. أحمد أبو سيف•٢٢ مايو ٢٠٢٥•6 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 22 مايو 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

اللهم نجاةً لعبادك المستضعفين في الأرض يا رب العالمين، وإجابةً لعبادك المستجيرين؛ اللهم ثبّتهم وأعنهم ويسّر لهم ما بين أيديهم واقضِ حوائجهم. وبعدُ، فنحن في رحلة السفر كما بدأنا في أحاديثنا عن أدعية النبي ﷺ.

إخلاصٌ في كل حال

هذه المعاني الراقية التي كان رسول الله ﷺ يحدّث بها نفسه قبل أن يحدّث بها أحدًا من أمته، كان عليه الصلاة والسلام يستجليها ويسترشد بها حتى يعلّم الأمة كيف يكون الإخلاص الحقيقي في التضرع إلى الله سبحانه وتعالى. والتضرع في حياة الناس معروف: يكون في أوقات الأزمات؛ ما إن يقع أحدنا في أزمة أو ملمّة إلا ويتضرع لرب العالمين، فكأنّ نفسه تنجلي فجأةً ويصفو فؤاده في لحظة. لكن النبي ﷺ لم يكن كذلك، بل كان متضرعًا لله في كل أحواله، عارفًا بربه في تقلبات الحياة كلها.

كان ﷺ لا يرى ذاته، وإنما يرى قدر الله عز وجل، ويرى أعمال الله وقدرته سبحانه في حياة الخليقة، فلا يكاد يفتر ببصره عن شيء مما خلق الله إلا ويسبّح الله ويحمده. وأستحضر لذلك مثالًا: لو كنتَ في مكان بديع جدًّا، لا تكاد تنظر في موضع إلا وتقول: ما أروعه! ثم تلتفت فتقول: مذهل! ثم تنتقل فإذا الإبهار نفسه، لا توجد جزئية من جزئيات المكان إلا وتثير اهتمامك وعجبك. ورسولنا ﷺ ما إن تقع عينه على شيء إلا ويرى فيه عظمة الخالق سبحانه وتعالى، وكفى بذلك تقديرًا لرب العالمين: أن تدرك أثر عظمته وقيّوميته على خلقه في كل شيء بثّه الله في هذا الوجود.

دعاء السفر

نستكمل، فإذا نحن أمام دعائنا المشهور الذي نعلمه جميعًا، ونبينا ﷺ يعلّمنا: «اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوّن علينا سفرنا هذا واطوِ عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في الأهل والمال».[1] والروايات تتعدد لكثرة المشاهد، وهي تُرينا أن النبي ﷺ إنما يتعبد الله بما يخطر على قلبه، ويستحضر من هذه المعاني ما يقدّمه وما يؤخّره بحسب حال المسافر وبحسب انشغاله.

السفر عبادة لا رفاهية

نبدأ بقوله: «اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا». كان السفر مهمّةً من مهمات التعبد، وليس رفاهيةً تحصل في حياة العبد للحظة من اللحظات؛ كان إنجازًا من الإنجازات تُضاف إلى الرصيد بين يدي الله يوم القيامة، وكان السفر، مع كل ما فيه من مشقات، مستهدَفًا لذاته، فهو إنجاز لأنه ينقل العبد من حال إلى حال.

البر والتقوى: ثبات النفس في تقلب الأرض

نحن نتكلم عن تقلبات الأرض: بيئة خصبة، ثم تنتقل بعد سفر إلى بيئة ليست كذلك، ثم بعد حين إلى أرض صحراوية، ثم إلى أرض أهلها لا يعرفون الثقافة، ثم إلى أرض حالها مختلف. هذا التقلب بين الأراضي تقابله نفسية واحدة: أنا خرجتُ من هنا وأنا أحمد، وذهبتُ إلى بريطانيا وأنا أحمد، وانتقلتُ إلى سويسرا وأنا أحمد، وذهبتُ إلى مصر وأنا أحمد، ثم عدتُ إلى أمريكا وأنا أحمد؛ هو نفسه الشخص، فلانٌ هو فلان. فكيف تستقر النفس مع تقلب الأحوال؟

مثالٌ على ذلك: إذا انتقلنا من بيئة جافّة إلى بيئة رطبة فجأة، ثم إلى بيئة أخرى، فإن تغيّر أحوال الجو يؤثر في البدن، أليس كذلك؟ فكيف بالنفس إذا ذهبتْ إلى أرض ثقافتها غير الثقافة، وأحوالها غير الأحوال، وعادات الناس فيها مختلفة؟ لا يصاحبك أعظم من البر والتقوى: «اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى».

ثم يقول ﷺ: «ومن العمل ما ترضى». ربما يتصرف الإنسان بعشوائية في بعض الأحيان، بمعنى أنه يقلّد أهل البلد فيفعل مثلما يفعلون، لكن هذا لا يُرضي الله سبحانه وتعالى. فإذا بالنبي ﷺ يسبق بهذا الدعاء، ثم ينظر إلى طول المسافة وبُعد الشقّة وعسر المسير فيقول: «هوّن علينا سفرنا هذا».

«هوّن علينا»

تعلمون أن الأيام والليالي والأحوال كلها شاقّة وعسيرة إلا ما هوّنه الله تعالى على العبد. والله الذي لا إله غيره، تراك مثلًا متشوّقًا إلى السكنى في بيت كبير وثير عالي الرفاهية، ثم تنظر إلى نفسك بعد سنة من البقاء في هذا المكان وقد اكتشفتَ عيوبه ومساوئه واطلعتَ على الثغرات الموجودة فيه، فإذا أنت تصيبك نوعٌ من الملل، ويبدو لك بعض ما كان عظيمًا جدًّا بالنسبة لك مصدرَ كآبة وإحباط، والعياذ بالله. فما الذي حوّل النفوس وغيّر النوايا وبدّل الهمم؟ إنه ربّ العالمين سبحانه وتعالى. فسبحان من يهوّن على العباد!

ولذلك رُوي في هديه ﷺ عند دخول البيت: «بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى ربنا توكلنا».[2] والأصل في مصطلح التوكل إذا ذُكر أنه يصاحب الانطلاقَ خارج البيت؛ فكيف يصاحب الإنسانَ وهو يركن إلى موطنه الذي ينام فيه ويستريح على فراشه ووسادته، مع زوجه وأهله؟ إنه توكّل النفس في أن تُحسن رؤية من في داخل الدار؛ التوكل على الله تبارك وتعالى ليهدي العقل لاستيعاب المكان بجماله وكماله وثغراته ومساوئه. إنه التكامل الحاصل في داخل هذه النفس البشرية حتى تستشعر حسن ما بين يديها من الخير.

«واطوِ عنا بعده»

ثم يقول ﷺ: «واطوِ عنا بعده». أحيانًا، والله الذي لا إله غيره، تسير ساعات طويلة وأنت منطلق، فتمضي عليك وكأنها خمس دقائق، سبحان الخلّاق العليم! وأقسم بالله القدير أنك أحيانًا تسير في جوف الليل، في الثلث الأخير منه، وتشعر في بعض اللحظات كأنّ الملائكة تحمل الدابة حملًا، وكأنك تحلّق في أجواء السماء، وكأنّ الملائكة تحيط بك من كل مكان، من أثر الذكر والدعاء، ومن شعورك بصفاء النفس وطمأنينة القلب وهدوء البال؛ تشعر مع التسبيح والذكر وترديد الدعاء لرب العالمين كأنك تعيش في عالم آخر غير هذا العالم الذي يعيش فيه بقية الخلق. سبحان الخلّاق العليم!

وأحيانًا تضيق نفسك بطريق لا يتجاوز ساعة واحدة، وتكون فيه مضطربًا ضجِرًا، والأرض ثقيلة وطويلة، والمشوار صعب جدًّا. كيف يحصل هذا؟ إنه أثر بركة يودعها رب العالمين سبحانه وتعالى في هذه النفس التي تسير في هذه الأرض وتتقلب فيها. فيقول النبي ﷺ: «واطوِ عنا بعده». إنه من البداية يستشعر خطة الزمان ويعلم بُعد المكان، ولكنه قد هيّأ نفسه لتتحمّل، ويعينها على هذا التحمل ما يودعها رب العالمين سبحانه وتعالى من الهمة والعافية والقوة، ومن زاد القلب قبل زاد البدن.

«أنت الصاحب في السفر»

ثم يقول ﷺ: «اللهم أنت الصاحب في السفر». نراه في حياته ﷺ إذا سافر لا يصعد موطنًا إلا ويكبّر، ولا يهبط من موطن إلا ويسبّح. ويحدثنا رسول الله ﷺ بمثل هذه الأدعية: «اللهم إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي».[3] أي ظلمٍ منك لنفسك يا رسول الله ﷺ، بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام؟ ولكنه ظلم النفس عندما تظن أن شيئًا صعب في الحياة. وأريد أن أقف عند هذه الجزئية: أحيانًا نستصعب المواقف، واستصعاب المواقف معناه أن العبد بدأ يفكر في قوته هو وحوله هو وطَوْله هو، ونسي للحظة ما أقدار الله عز وجل له على طيّ هذه المسافات. فإذا استشعر أن الطريق طويل وأن المشوار صعب، سواء كان مشوارًا بسيارة أو بطائرة أو في الدعوة، أو مشوار الحياة في حد ذاتها، أو مشوار العمل، أو مشوار تربية الأولاد، فكلها مشاوير؛ فإذا استشعر العبد وعورة الطريق وصعوبة المهمة فكأنه ينظر إلى قدرته هو، ونسي أقدار الله للخلق على إنفاذ الأعمال، ولولا هذه القدرة ما استطعنا فعل شيء ولو صغُر.

يقول ﷺ: «واطوِ عنا بعدًا، اللهم أنت الصاحب في السفر». وصحبة العبد لربه في سفره: استشعاره رقابة رب العالمين له، وأُنسه بذكر الله تبارك وتعالى. ولك أن تتصور أن واحدًا مثلًا يقول: والله هذا المشوار، هذا الطريق، إنما هو بالنسبة لي ختمةٌ للمصحف ليس أكثر من ذلك؛ فيحسب حسابات الزمان بمقدار الأعمال التي توضع في الميزان، ليس أكثر من ذلك وليس أقل.

«وسوء المنقلب»

ويقول ﷺ: «ونعوذ بالله من سوء المنقلب»؛ يستعيذ بالله من سوء المنقلب، أي أن ينقلب إلى موطن فلا يراه كما ظنّه، أو ينقلب مرة إلى أهله فيراهم على حال غير الحال التي تركهم عليها. يقول ﷺ: «ونعوذ بك من سوء المنقلب في المال والأهل والولد».

ومما يُذكر كذلك أن النبي ﷺ عندما خرج قال: «استودعتكم الله الذي لا تضيع ودائعه».[4] ونستكمل بإذن رب العالمين سبحانه وتعالى في غدٍ. أسأل الله أن يتمّ لنا أمورنا كلها بخير.

--- [1]: توثيق المحرر: دعاء السفر مروي في صحيح مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفي الباب روايات أخرى تتفاوت ألفاظها وترتيب جملها، وهو ما أشار إليه المتحدث بقوله «روايات تتعدد». وجاء في المتن مقدار ما نطق به المتحدث من ألفاظه. [2]: توثيق المحرر: دعاء دخول البيت أخرجه أبو داود من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه بلفظ قريب: «بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا»، وفي إسناده مقال؛ فصُدّر بصيغة الرواية، ولم يُجزم بأنه كان لا يدخل بيته إلا به. [3]: توثيق المحرر: التكبير عند الصعود والتسبيح عند النزول في السفر في صحيح البخاري من حديث جابر رضي الله عنه. أما الدعاء المروي عند الركوب فلفظه عند أبي داود والترمذي من حديث علي رضي الله عنه: «سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»؛ وأُثبت هنا لفظ المتحدث. [4]: توثيق المحرر: «استودعتكم الله الذي لا تضيع ودائعه» رواه أحمد وابن ماجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ولم يعزُه المتحدث.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ