أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
التفسير المقاصدي

أصحاب الجنة في سورة القلم: أمالكٌ أنت أم مؤتمَن؟

أصحاب الجنة في سورة القلم: أمالكٌ أنت أم مؤتمَن؟

د. أحمد أبو سيف•٢٧ يوليو ٢٠٢٦•5 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 27 يوليو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

اللهم إنا نعوذ بك من شرّ هذا اليوم وشرّ ما فيه وشرّ ما بعده، ربَّنا أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، واغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبّت أقدامنا، وافتح لنا في هذا اليوم الكريم برحمتك وعفوك ولطفك أبواب رزقٍ وفضلٍ وكرمٍ منك يا أرحم الراحمين.

وبعدُ، فسورة القلم سورةٌ قديرة مُلهِمة، تُوقِظ في الإنسان ضميرًا حيًّا يتعامل به مع الواقع والحياة.

أين جنّتك؟

القصة التي رُويت في السورة المباركة: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ تعرّفنا في بدايتها أن كلَّ صاحب مال مُختبَر بما عنده، وكلَّ صاحب جنّةٍ مُختبَر بجنّته. فأين جنّتك؟ أين الجنّة التي أنت فيها؟ أم لعلّك لا تحسب نفسك صاحب جنّة؟

قد تكون الجنّة عند واحدٍ منا رأسَ مالٍ ضخمًا، وعند آخر رأسَ مالٍ علمي في ذهنه يعدل ثروةً كبيرة، وعند ثالث عَزوةً وأهلًا وأقارب يساوون عنده أكثر من المال كلِّه. ونحن نضرب المثل بالأرقام، لكنّ المسألة أوسع. فقد تكون جنّتي هي سترَ الله الذي أنا فيه، أن ألهمني الستر فأنا مستور في الدنيا. وقد تكون جنّتك ناسًا من البشر، وقد تكون مالًا أو منصبًا، وقد تكون قدرةً وعقلًا وذكاءً وحيلةً وتمكُّنًا. فأين جنّتك، وفيمَ تصرفها؟ هذا سؤال نحتاج أن نفكّر فيه تفكيرًا عميقًا جدًّا.

الآفة الأولى: استشعار الملك

المسألة تتلخّص في أنهم ادّخروا المال لأنفسهم فقط، وقالوا: لن يأخذ منه أحد، وخرجوا بذلك عن سُنّة أبيهم. والفاصل في القضية هو التطلّع إلى التملّك الكامل التام، واستشعار الإنسان أنه صاحب القرار. وهذه نقطة يتفق فيها أصحاب الجنّة مع الكفار الذين سيأتي نقاشهم بعد ذلك. فماذا حصل عندهم؟ استشعروا أنهم أصحاب القوة المالية التي بين أيديهم، فأرادوا أن يتخذوا قرارًا منفردًا في طريقة تقسيم هذا المال: فبدلًا من أن يُوزَّع على ثلاثة أجزاء، أرادوا أن يُوجَّه في اتجاه واحد فقط.

واستشعار الملكية دون الله سبحانه وتعالى يجعلك تبدأ في اتخاذ القرار على أنك أنت صاحب القرار، وليس من أودع بين يديك الأمانة. فالسؤال الأول الذي ينبغي أن تطرحه: هل أنا مالك أم مؤتمَن؟ فإن كنتُ مؤتمنًا فيما أودعني ربُّ العالمين سبحانه، فأنا مؤتمن على الجمع وعلى الإيداع. من أين أحصّل رزقي ومالي ومنصبي، وأين أودعه؟ أما أن أقول: أنا أتخذ القرار، أنا صاحب المال، فهنا تأتي المعادلة الخطأ.

مشهد القسم والتدبير

والمشهد المعروض رهيب جدًا، سبحان الله! تخيّل أنهم جالسون يتعاهدون ويقسمون: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾.[1] و«يَصرِم» معناها أنه سيأتي على كل شيء. ورُوي في ذلك: «إنّ الدنيا قد آذنت بصُرمٍ وولّت حَذّاء، ولم يبقَ منها إلا صُبابة كصُبابة الإناء يتصابّها صاحبها».[2] وهو كلام يحتاج إلى شرح، لكن المقصود هنا أن «يَصرِم» أي يأخذ كل شيء ولا يترك فيه لأحد شيئًا أبدًا.

ونحن نعرف هذا في الزراعة: تجمع القطن مثلًا، وبعد أن تهدأ الدنيا ويذهب الناس يأتي من يلتقط ما تبقّى. وعندكم في فلسطين، بعد أن يجنوا الزيتون تخرج البنات يجمعن ما تخلّف. أما هؤلاء فلا يتركون شيئًا، حتى ما يُنتفع به من حطب أو غيره، يجمعون كل شيء ولا يتركون وراءهم شيئًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾، يظنون أنهم يسبقون الزمن فلا يدركهم أحد.

فطاف عليها طائف

ثم ما الآية التي بعدها؟ ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾.[3] نحن نتحدث الآن عن شباب جالسين في البيت كأنهم في مؤتمر عائلي: ماذا سنفعل بالمال؟ كيف نجمعه؟ إلى أين نذهب؟ لا يأخذ أحدٌ منه قرشًا ولا مِليمًا ولا دينارًا ولا درهمًا. يقولون: لننَم باكرًا لنصحو باكرًا جدًّا. لكنّ لله جنودًا تعمل في ميدان آخر وفي وقت آخر، في الليل. في الوقت الذي تنوي فيه أن تحرم أحدًا من شيء، يدبّر الله تبارك وتعالى لهذا الشخص شيئًا آخر. وفي الوقت الذي تريد فيه أن تمنع الناس، يدبّر ربُّ العالمين لك رزقًا لا تحتسبه ولم تكن تتوقعه. وسبحان من يصرّف الأمور!

فبينما تقول أنت: يا رب من أين آتي بكذا؟ ارزقني، افتح لي أبواب الخير، اشفِ كذا، هناك جنود لرب العالمين سبحانه تعمل في الكون ليدبّر الله لك من خلالهم. فلا يقنط العبد بين يدي الله من قلّة زاده، ولا يفرح أحدٌ بكثرة ما بين يديه، فإن العطاء من الله والأخذ من الله. وربنا سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ويقبض متى شاء أن يقبض من يد عباده، فهو صاحب الملك. تخيّل أنك استأجرتَ بيتًا أو شقة، ثم قال لك صاحب الملك في الوقت الذي يريد: لو سمحت، اخرج.

خاتمة

فالشاهد أن ربَّ العالمين سبحانه حذّرنا من أن نستشعر أننا أصحاب ملك، وعلّمنا أن ما بين أيدينا أمانة: نجمعها من حيث أراد لنا، ونضعها مرةً أخرى حيث أراد لنا، فاستبصِر ما بين ذلك. لا أطيل عليكم.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك لنا في هذا اليوم الكريم، وأن يرزقنا فيه من لدنه رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا فيه، وأن يمتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّاتنا ما أحيانا، وأن يبارك لنا فيما أودع أيدينا، ونعوذ بالله عز وجل من السَّلب بعد العطاء، ومن الانقطاع بعد المدد، سبحانه.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة القلم، الآية 17؛ وقد تلا المتحدث بعدها «ولا يستثنون» وهي من الآية 18، ولم تُثبت في المتن. [2]: توثيق المحرر: هذا اللفظ معروف فيما نعلم من خطبة عتبة بن غزوان رضي الله عنه في صحيح مسلم، وقد نسبه المتحدث إلى النبي ﷺ، فيُراجَع عزوه قبل النشر. [3]: توثيق المحرر: سورة القلم، الآية 19.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ