ظلم النفس وغَلَبة الشِّقْوة: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ — وما بين ظلم النفس وغَلَبة الشِّقْوة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 7 سبتمبر 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
افتتح الدكتور خاطرته بالصلاة على سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه، ثم دعا: اللهم إنا نسألك العافية في أولانا وأخرانا، ونسألك الستر في أمرنا كله، ونسألك أن تحفظ علينا ما أودعتنا من الخير، اللهم آمين يا ربّ العالمين.
سبحان الله! تسمع في القراءة قول ربّ العالمين سبحانه وهو يعلّم نبيَّه ﷺ الدعاء بأن يقول: ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.[1] والناس تنظر إلى هذه الجملة فيتخيل أحدهم أن الإنسان لا بدّ أن يكون منضمًّا إلى جيش أو إلى لواء أو إلى حاكم حتى يكون في القوم الظالمين. لكن المنع أعمّ من ذلك: فهناك ظلم فردي وهناك ظلم مجتمعي؛ ظلم الإنسان لنفسه، وظلمه لبيته، وظلمه لجيرانه، وظلمه لمن يحيطون به. والصورة التي تتبادر للذهن أن تقتنص من الناس مالًا أو شيئًا ماديًّا، غير أن أنواع الظلم كثيرة.
والشاهد في الكلام، باختصار شديد: «ربِّ فلا تجعلني…» — لا أتكلم عن الظلم في ذاته، بل عن أنماط الظالمين وأنواعهم: لا تجعلني في القوم الظالمين. فكيف يمنع الإنسان نفسه من أن يكون ظالمًا؟
ربطُ الجملة بجملة أخرى
تخيّل أنك تربط بين هذه الجملة وجملة أخرى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾.[2] قِف عندها وحدها في سياق التلاوة، وتفكّر في حال إنسان في غياهب السجن، حُكم عليه بالمؤبّد مثلًا، وينظر فيما فعله، فإذا هو قد قتل أحدًا أو اغتصب مالًا أو فعل كذا، ثم يراجع نفسه: لماذا أنا؟ لماذا حصلت هذه النتيجة؟ فلا يرى إلا أن شهوته حرّكته، أو ذلّته حرّكته، أو طمعه فقط، على سبيل المثال. وقالوا: «غلبت عليّ شقوتي». والشقوة لا تعبّر عن هذه الأشياء وحدها؛ كأنه كان شقيًّا حين لم يستمع إلى الصوت الآتي له من الأعلى، وكأنه كان شقيًّا حين غلبت هذه النفس فطغت على حركات البدن والعقل والمشاعر، فألجأته إلى خطٍّ معيّن من التصرف والسلوك فصار على هذا الحال. ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾: شقوةُ كل إنسان في دماغه وفي قلبه.
إلى أين نسير، وما الذي يحرّكنا؟
ما الذي يحرّك الإنسان؟ في حالات الغضب يرى الإنسان نفسه في أحسن مواطن اتخاذ القرار، وفي السرعة والإنجاز، غير أن الندم يتمّ بعد ذلك. وفي حالات الرغبة، حين نسمع القول: «الرغبة أو الشهوة عمياء لا ترى، صمّاء لا تسمع»، فإذا تمكّن الإنسان من شهوة غلب عليها وأراد أن يقتنصها فلا مجال للناصح. فما الذي يغلب في هذه اللحظة؟ شقوة الإنسان: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾.
فبين ظلم الإنسان لنفسه، والشقوة التي تغلب عليه، والنار التي ينتهي إليها، خطُّ سير في التفكير نريد أن نستبصره ونحن نخطو في حياتنا. مَن أدرك الآخرة وعرف الجنة وذاق طعم وصفها خطّ لنفسه خطًّا يبلغه. ومن لم يدرك هذه الغاية صار في الحياة سيرًا عشوائيًّا، يتخبّط بين نفس تأمر، وشيطان يوسوس، وصحبة تُغوي، إلى آخره، حتى يرى نفسه في شقوة، ثم يرى نفسه محشورًا في جملة هؤلاء القوم الظالمين.
اللهم خذ بنواصينا إلى ما يرضيك، ودُلّنا عليك، واهدنا إلى صراطك المستقيم، ولا تبتلِنا بأنفسنا، ولا تبتلِنا بما تسوء عاقبته في الدنيا.
--- [1]: توثيق المحرر: الآية في سورة المؤمنون: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: 93–94]. ولم تُسمَّ السورة في التفريغ. [2]: توثيق المحرر: الآية من قول أهل النار في سورة المؤمنون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون: 106]؛ والمتحدث اقتصر على قوله: «ربنا غلبت علينا شقوتنا».
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.