قصة سبأ: كيف يبدأ الإعراض من نقطة صغيرة في القلب
قصة سبأ: كيف يبدأ الإعراض من نقطة صغيرة في القلب
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 5 أكتوبر 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم أصلح لنا دنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقِنا عذاب النار، واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة برحمة منك ورضوان، يا ربّ العالمين.
نعمةٌ في كل وجهة
قصة سبأ قصةٌ لافتة للنظر وللقلب في الوقت ذاته. ربنا سبحانه يصف لنا حال القوم فيقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.[1]
فما دلالة هذه المصطلحات في ذاتها قبل أن نمضي؟ جعل الله تبارك وتعالى لهم النعمة لا في جهة واحدة، بل أينما يمّموا وجوههم وجدوا خير الله، وأينما ساروا كانت النعمة. وأذكر أني سمعتُ في سنة 2008 تقريبًا جملةً من رجلٍ كان يحدّثني عن أمريكا، قالها بالإنجليزية: «هذا بلدُ الفرص»، وكنتُ يومها لا أفهم هذا الكلام الكبير، فشرحها لي: هذه أرض الفرص. فهل تتحقق الجملة نفسها اليوم؟ هل ما زالت أمريكا أرضَ الفرص؟ نحن نتكلم عن فارق زمني يسير، عشرين سنة أو ما يقاربها. فهل تتبدّل الأحوال في عشرين سنة بهذا الشكل؟ كان الواحد في ذلك الوقت أينما يمّم وجهه وجد خيرًا ووجد رزقًا؛ الناس تشتغل في أي عمل فتكسب، والقرش له قيمة معتبرة، وتستطيع أن تدّخر. أما اليوم فالحال مختلف تمامًا.
وتأمّل قوله: ﴿كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ﴾، لم يقل «من رزق الله» وإنما «من رزق ربكم». وقد اتفقنا من قبلُ أنه إذا وردت كلمة «الرب» فدلالتها أنه سبحانه يراعي هذا الجسد وهذه النفس وهذا العقل؛ فهو قبل كل شيء موجودٌ ليرعاك، سبحانه، جلّت أسماؤه. ثم قال: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، فماذا نشكر؟ ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾. وفي قوله ﴿غَفُورٌ﴾ دلالةٌ على أن هؤلاء الناس كانت تصدر منهم أخطاء كسائر الناس؛ فإذا وردت «غفور» فلا بدّ لورودها من سبب.
كيف يبلغ الإنسان الإعراض؟
لكن المفاجأة أنهم أعرضوا. وكلمة ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ تعطينا انطباعًا خاصًّا جدًّا، ومثلها قوله تعالى في سورة فصلت: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ﴾.[2] فدلالتها أنهم تحوّلوا مئةً وثمانين درجة. فما خطّ السير الذي يمرّ به الناس حتى ينقلبوا هذا الانقلاب؟ كيف يتحوّل الإنسان من الهداية إلى الفجور، ومن الإيمان إلى الشرك، ومن الطاعة إلى المعصية؟ قال ربنا: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾، كلمة واحدة تعطيك هذا التصوّر كلَّه؛ فبدلًا من «كفروا» أو «خرجوا عن الطريق» أو «عدلوا» (والكلمات كلها موجودة) اختار سبحانه «أعرضوا». والإعراض إنما هو تحوّل قلبي أو عقلي يفضي إلى التحوّل السلوكي.
تخيّل رجلًا مرتاحًا في أهله وبيته، أموره مستقرة تمامًا، وطعامه موضوع أمامه، وخيرات الله موجودة، وزوجته موفّية كل الاحتياجات لا غبار عليها. ثم يمشي في الشارع فيُعجبه شيءٌ آخر، فيبدأ عقله يعمل؛ وهذا عمل عقلي وشهوة تخالط شغاف القلب وتبدأ في تحريكه. فيصير الطعام الذي كان يشكرها عليه بالأمس ويقول لها: «كثّر الله خيرك، تسلم يداك»، لا يعجبه اليوم! هي نفس الصنعة ونفس اليد، فما الذي تغيّر؟ لا دخل لها في الموضوع. ثم بعد قليل يصير للأولاد ذنبٌ أيضًا، وتصير أخطاؤهم الصغيرة كبيرة، حتى تأتي على الإنسان لحظةٌ يترك فيها هذا البيت وينصرف. ما الذي حصل؟ أعرض. كيف حصل الإعراض؟ بدأ من نقطة صغيرة جدًّا.
وكذلك رجلٌ مستقيم كلّمه أحد الناس فقال له: كيف يكفيك هذا؟ فبدأ يتحوّل، ومدّ يده، فكثر المال نسبيًّا، وتزيّنت في عينه تلك المعصية فكبرت المسألة، فصرنا نغشّ ونزوّر ونقلّب، وصار المال كثيرًا. كيف بدأ هذا؟ بدأ بتحوّل في النفس، تحوّل القلب أو العقل.
ربنا باعد بين أسفارنا
﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ …﴾[3] ولم تكن تلك النعمة الوحيدة، فقد كان ربّ العالمين سبحانه مهّد لهم السير في الأرض. فمن الناس من يتمتع بأن يكون في مكانه مستقرًّا وأحواله تمام، ومنهم من يتمتع بأن يتنقّل في الأرض ويضرب فيها بسهولة لا مشكلة عنده. فقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾. وكان ذلك من نماذج الإعراض: استشعروا الاطمئنان والقوة الذاتية والاستغناء عن ربّ العالمين إلى الدرجة التي قالوا فيها: نحن نستطيع. فإذا قال الإنسان في لحظة من اللحظات: «أنا أقدر»، أراه الله عجزه فأسكته، ويكون إسكاته عبرة له ولمن حوله.
ثم وصف ربّ العالمين المشهد: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾. تخيّل هذا القدر من التنكيل بناسٍ كانوا في قمة الشكر وقمة العطاء، لكنهم تحوّلوا.
فإن كان لنا من دعوة في هذا الصباح بعد هذا التعلّم، فنسأل الله تعالى أن يثبّت قلوبنا وأن يربط عليها، وألّا تتحول قلوبنا إلى غير طاعته سبحانه. نسأل الله أن يبارك لنا ولكم.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة سبأ، الآية 15. [2]: توثيق المحرر: تتمة الآية في سورة فصلت (فصلت: 13) ﴿صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾؛ ولم ينطق المتحدث بالتتمة فلم تُثبت في المتن. [3]: توثيق المحرر: التفريغ هنا مبتور («فأرسلنا عليهم سير الع…»)، والآية في سورة سبأ: 16، وتتمتها المعروفة ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾؛ ولم تُثبت في المتن لأن المتحدث لم يُتمّها في التفريغ.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.