سمعنا وأطعنا: أيهما أسبق السمع أم الطاعة
بين من يطيع وسط القطيع ومن يسمع قبل أن يطيع
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 26 يونيو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم إنا نسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه وخير ما بعده، ونعوذ بك ربنا من شر هذا اليوم وشر ما فيه وشر ما بعده، سلِّم لنا قلوبنا، واحفظ علينا عافيتنا وأمننا في أنفسنا وأهلينا، اللهم إنا نسألك أن تُوطِّنا للإيمان في جذر قلوبنا يا رب العالمين.
وبعد، ففي قول الله تبارك وتعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾[1]
يلفت نظرك أن سؤالهم الغفران لم يأتِ إلا بعد السمع والطاعة. فكان أصل طلب المغفرة من أهل الطاعة والمقبلين على الله، لا من أهل المعصية والفجور والبعد عن الله. ومن هنا ندرك أن لطلب المغفرة درجاتٍ ومستويات.
بين أهل الطاعة وأهل السمع والطاعة
ونفرّق هنا مرة أخرى بين أهل الطاعة وأهل «السمع والطاعة». فما دلالة هذا؟ دلالته أن هناك من يطيع وسط القطيع ولا يدري ما يطيع ولا ما يفعل؛ فيصلي كما يصلي الناس وهو مأجور، ويصوم كما يصوم الخلق، وهو يعبد رب العالمين سبحانه عبادةَ المتَّبِع الذي يسير مع بقية المسلمين، لا يخرج عن الأصل ولا يبتكر شيئًا، فهو يسير مع الناس، ونسأل الله له ولنا القبول في كل حال.
لكن هناك من يسمع قبل أن يطيع. هذا من أهل التدبّر والفهم لما يفعل؛ فلا يقوم لصلاة إلا وهو يتذوّق دلالتها ومعناها وحلاوتها، ويفهم آياتها ويتدبرها، ولا يؤدي صيام يوم إلا وهو مستشعر نعمة الله عليه في كل لحظة يصومها، ولا يطوف ببيت ولا يسعى بين جبلين إلا وهو يدرك تمامًا أبعاد ما يفعل، تربويًّا وإيمانيًّا وعقليًّا. هذا يتعبد لله تبارك وتعالى لا بمحض البدن، وإنما تجتمع عنده جوارح البدن والعقل والوجدان لتؤدي العبادة في تمام حالها: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.
من يستشعر التقصير
هؤلاء وحدهم من أهل الطاعة الذين يستشعرون التقصير مهما بلغوا من جبال الطاعة. هؤلاء وحدهم يستشعرون أنهم لم يوفّوا رب العالمين سبحانه حقه، وإن بلغت بهم الأبدان كل مبلغ؛ إلا أن في قلوبهم استشعارًا، لا أقول للنقص، وإنما للتقصير.
ترى النبي ﷺ يعلّمنا أن نستغفر الله بعد الصلاة، عقب الصلاة، فمن تمام ذكر الله بعد الصلاة: «أستغفر الله»[2]. وتتساءل كما تساءلنا كثيرًا: لماذا؟ ما وجه هذا الاستغفار في هذا الموطن؟ إنه خشية التقصير؛ خشية أن تكون قد أدّيت الصلاة وفاتتك منها لحظة من زمانك لم تستشعر فيها حلاوة القرب من رب السماوات والأرض، ولم تستشعر فيها حلاوة التلذّذ بالطاعة بين يدي من دعوتَه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ولم تستشعر فيها عون المستعان به في قولك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؛ فإننا لا نقدر على أن نعبد إلا بعد أن تعيننا، فأنت وحدك الذي به نستعين.
حلاوة الطاعة مع الفهم
هؤلاء الذين قالوا «سمعنا» أي فهمنا وأدركنا وعرفنا. وأهل التعقّل فقط هم الذين يدركون حلاوة الطاعة ولذّتها مع الفهم. ولذلك ترى الفارق بين شخصين: أحدهما يتلذّذ بالعبادة، مدرك عارف يعرف خبايا الأمر ودقائقه، وبين مصلٍّ عابر تعبر الصلاة على قلبه وعقله كما يعبر الماء على الصخر، ينظّفه من خارجه لكنه لا يسبر أغواره ولا يتعمّق فيه.
الدعاء
اللهم بصّرنا بما بين أيدينا، واجعلنا ربنا ممن عرفوا وذاقوا وأطاعوا، واجعلنا ربنا ممن قبلتهم وقبلتَ منهم، وأذقتهم حلاوة ثوابك في طاعتهم بين يديك، بمزيد إيمان تودعه في القلوب، ومزيد حكمة تركّزها في العقول، ومزيد استخدام لهذه الأبدان الطائعة. اللهم آمين يا رب العالمين. سلّم الله لكم يومكم، وبارك الله لكم وفيكم.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢٨٥؛ والمتحدث نطق بها إلى «غفرانك ربنا». [2]: توثيق المحرر: أخرجه مسلم (٥٩١) من حديث ثوبان رضي الله عنه: «كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا».
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.