خاطرة [ معاشر المشايخ .. نحاسب كل الناس إلا أنفسنا؟ ]
خاطرة في مسؤولية أهل العلم وأسباب أخطاء المنتسبين إليه
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ 17 أغسطس 2021م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم إنا نسألك دوام الستر وتمام العافية وتتابع الرحمات، برحمة منك وكرم يا رب العالمين.
كان لي اليوم نقاش مع أحد مشايخي، حفظه الله وأدام عمره، تطرّقنا فيه إلى مسألة التصرفات التي تصدر من أهل العلم: ما الذي يصدر منهم؟ وكيف نتعامل حين نسمع عن خطأ صدر من واحد منهم؟ وما الأسباب التي أدّت إلى صدور كثير من الأخطاء عند المنتسبين إلى العلم، المتحدثين إلى الناس بالفضل والخير؟
نحاسب أصحاب المال، فمن يحاسبنا؟
قلت له: إن أذنتَ لي يا شيخي، نحن نتكلم دائمًا مع أصحاب الأموال ونقول لهم إن الله تعالى سيحاسبك على كل سنت أو قرش أو مليم أو دانق، أيًّا كانت العملة، أقلّ شيء في الدنيا؛ سيحاسبك على مالك كله وعلى كل شيء فيه، فإياك والإسراف، وإياك والمغالاة، وإياك وإنفاق المال في غير محلّه. فهل يفكر واحد منا أن يقارن بين ما عند الناس من أموال وما عندنا من آيات وأحاديث ومعلومات؟ إن كان ربنا سيسألك عن عدد الآلاف التي عندك من الدولارات: من أين اكتسبتها وفيما أنفقتها، أفلا يليق أن يحاسبني، من باب أولى، عن عدد المعلومات التي كسبتها، وعدد الآيات التي حفظتها، وعدد الأحاديث التي تعلمتها، وأين وضعتها، وكيف تصرفت فيها؟
إذا جلسنا في مجلس فمِلتُ في جانب دون الآخر، وغلبتُ بالنصوص والآيات، فسلّمتَ أنت بين يديّ وأنت مهضوم الحق، فكيف أكون أمام رب العالمين سبحانه؟ وإن خدعتُ فلانًا لأحصل من ورائه على نفع أو مال أو مادة، وغلبته بنصوص القرآن وسنة النبي وأفعال الصحابة وهدي السلف، فأين أنا أمام هذه المعلومات التي صيغت لتصل إلى غاية ما؟ لقد حرّمتُ عليك أن تنفق مالك في رشوة لتحصل على ما ليس لك؛ أفما كان من باب أولى أن أحرّم على نفسي أن أضع الآيات في غير محلها لأحصل على نفع مادي؟
أربع معطيات إلهية
قال النبي ﷺ إن العبد لا تزول قدماه يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه.[1] فهذه أربع معطيات إلهية لهذا الإنسان، يسأله ربه عن كل واحدة منها تحديدًا.
فماذا عن الأولى: عن عمره فيما أفناه؟ إفناء العمر: أي غاية حدّدتَ من البداية؟ ماذا تريد أن تخرج في الآخر؟ مهندسًا أم طبيبًا أم شيخًا؟ ثم عن علمه؛ لأن العمر لا يُذكر له كيان ولا وجود مع الجهل، فالإنسان الجاهل عمره غير محسوب كأنه ما جاء الدنيا أصلًا. وإنما يُحسب العمر لصاحب العلم، الذي سيأتي من خلاله بالمال بعد ذلك؛ فالمال يأتي على طول.
العلم لا يُعَدّ
وانظر إلى الفرق بين العبارتين: عن علمه «فيما فعل» ثم سكت. أما المال: «من أين اكتسبه وفيما أنفقه»، ففيه تفصيل. أتدري لماذا؟ لأن المال معدود: كم جئتَ به اليوم؟ كسبتَ كم؟ أم خسرنا اليوم؟ إنه رقم، وفي آخر النهار تضع الإيراد والنفقات فيخرج لك رقم. أما العلم فليس معدودًا، لا تستطيع أن تعدّه؛ فربما نمشي معًا، وأنت ماشٍ بجانب العالِم ونحن ساكتان لم نقل شيئًا، فتتعلم الهدوء والسكينة. وربما نقعد نتكلم في موضوع فتتعلم مما أحكي دروسًا ربما لم أقصدها أنا، لأن ما يرد على ذهنك من خواطر قد يفوق لفظ ما أذكر؛ أحكي حكاية فيحضر عندك مشهد من خمسين سنة، فتتذكر وتقارن وتقول: لا شك أن الشيخ يقصد كذا، مع أني لم أقصد ذلك.
ولذلك لما تحدث النبي ﷺ عن العلم لم يقل «من أين اكتسبه وفيما أنفقه»، وإنما قال «فيما فعل». وقد تكلمنا من قبل عن الفرق بين الفعل والعمل والصنع، وقلنا إن الفعل قد يكون عشوائيًّا يخرج منك بطبيعة الحال، كأنك تشرب ماءً أو تتنفس. فكأن العلم حياة لا مجرد أداء، يعيشه صاحبه بحكمته وتلطفه وعفوه وحزمه وقوته وحسن تصرفه وسرعة بديهته، فهذا هو الإنجاز الحقيقي في عالم الحياة. ولذلك لما وُصف النبي ﷺ لم يُوصف بأنه كان عالمًا، وإنما قيل: كان قرآنًا يمشي؛ قرآنًا يتحرك.
الناس في غير منازلهم
من الآفات الموجودة، والتي كثرت بسببها السيئات الصادرة من بعض أهل العلم، أن الناس أُنزلوا في غير منازلهم. تخيّل واحدًا صيدليًّا أو كيميائيًّا يخلط هذه بتلك فيخرج لك دواء. ثم يقرأ آيتين مضبوطتين، فيُقال له: ادخل القبلة، صوتك حلو جدًّا، كن إمامًا، عندنا عمل سهل وأجره طيب، يسترنا شيئًا ويمشّي حالنا خطوتين حتى نجد عملًا آخر. فلا يجد عملًا آخر، ويبقى كل يوم. ويدخل أحدهم صلاة المغرب مثلًا فيجد واحدًا واقفًا في القبلة: استقيموا يرحمكم الله. مَن هذا؟ الإمام. فيكبّر ويصلون خلفه، ثم يسلّم، وتنتهي الصلاة. لا يعرفون معه دبلومة زراعة أم مهندس أم طب. ولو أن الإمام الصيدلاني أو الطبيب أو المهندس التفت إليهم وقال لهم: اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فيقولون: ما شاء الله، حاضر يا إمام، تحت أمر حضرتك. ويسوق فيها صاحبنا، ويبقى ليس إمام الحرمين بل إمام كل الحرمات التي في الدنيا (يقولها مازحًا).
فيدخل على الأمر من ليس له به شغل، غير متخصص. وفي الطب مثلًا فرق بين الطبيب العام والطبيب المتخصص: الطبيب العام يعطيك وصفة عامة ثم يحيلك إلى المتخصص، حتى لو كان فاهمًا، لأنه لا يريد أن يتحمل المسؤولية. أما عندنا فأيّ أحد طلع المنبر وقال كلمتين أفتى وحكم في الناس، وأنزل الأمور في منازلها أو في غير منازلها، وخلط الأمور كلها، ولا يهم، فهو ليس صاحب التخصص ولا يعرف شيئًا.
لم نُربَّ لنكون دعاة
ومن الأمور التي أعانت على ظهور كثير من المشكلات عند بعض الدعاة أو المنتسبين إلى الدعوة أننا لم نُربَّ من البداية لنكون دعاة؛ فموضوع الدعوة جاء في الآخر. ولنتكلم عن جيلي مثلًا: دخلنا الأزمة ونحن في الثانوي، ماذا تريد أن تكون؟ أريد أن أكون دكتورًا، أو مهندسًا. وكان عدد قليل جدًّا ممن يقول: أريد أن أكون شيخًا. والمتربي منهم ليكون شيخًا، غايته من البداية أن يكون إمامًا. فتقول له: كم يأخذ الإمام إذا اشتغل؟ فيقول لك: ليس مهمًّا، أنا أريد أن أكون إمامًا. وكم واحدًا خرج هكذا؟ فنحن لما رُبّينا رُبّينا على أن نكون في جملة الناس، لم نتربَّ على أن نكون دعاة. وجاءت الدعوة متأخرة، وأدركنا بعد ذلك قيمة العمل وأهميته وثواب العاملين، وبدأت الرؤية تتضح والأمور تسير في مساراتها، إن شاء الله، مسارات طبيعية كما يريد الله تبارك وتعالى.
لكن تأمّل حين تأتي لتزرع زرعة، فيقال لك: هذه الزرعة تحتاج رملًا من النوع الفلاني، فنقعد نبحث عن هذه الرمل، لأن هذه الشجرة لا تنبت إلا في هذه الرمل أو هذه الطينة. وإذا غرسناها في غير تربتها، فمنها ما نبت صحيحًا، ومنها ما خرج عاطلًا، لأنها ليست تربته. وهكذا فنحن نحتاج أن نُعِدّ التربة التي يخرج منها داعية يقدر على حمل المسؤولية، ويتحمل حرّ الشمس، ويتحمل لفحات الهواء، ويتحمل تبعات هذه الدعوة من كل جهاتها.
ما خُتمت به الخاطرة
اللهم إنا نسألك أن نكون عند ظنك حين جعلت فينا رسالتك، ونسألك ربنا أن تنقذنا من كل شر يحيط بنا، وأن تغفر لنا كل زلة، وأن تديم علينا سترك ما حيينا. اللهم احفظنا على الحق وبالحق، واجعلنا أهلًا لحمل أمانة هذه الدعوة. اللهم إنا نسألك أن يكون ما أودعتَ قلوبنا وعقولنا شاهدًا لنا بين يديك يوم القيامة لا شاهدًا علينا. اللهم إنا نعوذ بك أن نكون موطن تهمة، وأن نكون في عون الصالحين من عبادك ما حيينا، وأخرجنا من الدنيا سالمين برحمة منك ورضوان يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
--- [1]: توثيق المحرر: الحديث أخرجه الترمذي وغيره من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، وقد نقله المتحدث بالمعنى فلم يُوضع بين علامتي اقتباس.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.