من أسرار الدعاء النبوي: الأنبياء بشر يضيق صدرهم ويلجؤون إلى الله
الأنبياء بشرٌ يضيق صدرهم ويلجؤون إلى الله — خاطرة الفجر بتاريخ ١٩ مايو ٢٠٢٥م
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ١٩ مايو ٢٠٢٥م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
كنا قد تحدثنا عن المعاناة التي يعانيها الإنسان في يومه ليحصّل رزقه في آخر نهاره، وذكرنا أن النبي ﷺ جمّل يوم كل واحد منا وكمّله بمزيد من الأدعية.
هل عانى الأنبياء كما يعاني الناس؟
يسأل سائل: الأنبياء، هل كانوا يعانون مثلما يعاني بقية الناس أم ليس الأمر كذلك؟ والجواب أنهم كبقية الخلق: لهم قلوب ولهم نفوس ولهم عقول ولهم ألسنة ولهم أبدان تتحمل بالقدر الذي تطيقه القدرة البشرية، ويستغيثون برب العالمين سبحانه وتعالى فيما عجزت عنه أيديهم. فلسانهم يلجأ إلى الله ويلهج إليه قبل كل عمل، وأثناء كل عمل، وبعد كل عمل.
يوسف عليه السلام وقوله: «اذكرني عند ربك»
انظر إلى يوسف عليه السلام، وقد روى القرآن الكريم قوله لصاحبه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، ثم قال: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾.[1] وكثير من علمائنا يعقّبون على هذا بقولهم إنه لا يليق بمقام النبوة، وإنه لا ينبغي لنبي أن يستعين ببشر قبل استعانته بالله أو دونها.
والجواب أن يوسف عليه السلام كان يتبع الأسباب؛ كان يقدّم التماسًا، وهو ما يفعله أي إنسان في الدنيا: يا جماعة، لو سمحتم انظروا في قضيتي مرة أخرى، وأعيدوا هذه المحاكمة الظالمة، فلربما تبدلت الأحوال وتغيّر القضاء وتنوّعت أساليب الحكم، وربما أُلحقت استثناءات بالمواد القانونية الحاكمة، وربما تقادمت القضية، وربما تغيّرت وجهة نظر المدبّرين لهذه المأساة التي كان فيها نبينا يوسف عليه الصلاة والسلام.
ضيق الصدر عند النبي ﷺ
والشاهد أن الأنبياء يعتريهم ما يعتري بقية الناس: تضيق نفس أحدهم أحيانًا، أو يلجأ إلى الله عز وجل فزعًا. وربنا سبحانه وتعالى يحدّث النبي ﷺ في القرآن الكريم عن أن صدره يضيق بما يقولون.[2] فهو صلى الله عليه وسلم يتألم مما يقوله الكفار تجاهه وتجاه الدعوة المباركة، ويعلّمه ربه سبحانه أن يسبّح الله ويذكره بكرة وعشيًّا، بعد كل صلاة وعقب كل سجدة، فيعالج بذلك في نفسيته هذا الضيق الذي يلحق به كآدمي وكبشر يعتريه ما يعتري بقية الناس.
لماذا هذه البشرية؟
وقد يسأل سائل: لماذا هذه البشرية، ولماذا هذا الإحساس عند كل نبي مثل بقية الناس؟ ألم يكن الله تعالى قادرًا على أن يمنحه مزيدًا من القوة والجَلَد والصبر والتحمّل ليواجه كلام هؤلاء الناس وهذا التلسين من هنا وهناك؟
نقول: إذن أين تكتمل الرسالة؟ فالرسالة إنما خرجت من إنسان يطبّقها لأناس آخرين يطبّقونها مثل تطبيقه. فالله ينزل الرسالة على الرسول ليطبّقها ويمارس معالم هذه الدعوة وقوانين هذه الرسالة. ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فأول من يصلي الرسول، و﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾ فأول من يزكّي الرسول، وفي الصيام كذلك، وهو القائل ﷺ: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي».[3] فلو كانت للنبي ﷺ نفسية غير نفسية البشر لما كنا قادرين على تطبيق الرسالة كما طبّقها؛ لأنه أرفع كعبًا وأعلى منزلة. فرسول الله والأنبياء من قبله كبقية الناس.
لو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف
وفي رواية أن النبي ﷺ حدّث بقوله: «لو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف لأجبتُ الداعي».[4] وانتبه: عندنا «داعٍ» وعندنا «داعية»؛ الداعية هي المرأة التي أرادت الفاحشة، أما الداعي هنا فهو الرسول الذي جاء يناديه، فقال له يوسف: ﴿ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾.[5] والرسول جاء يقول له: تعال اخرج، فالملك يريدك. والنبي ﷺ يقول إنه لو كان مكانه لخرج معه على الفور.
لكن يوسف عليه السلام كان حكيمًا؛ أراد أن يخرج إلى الناس بصفحة بيضاء نقية. أيصلح أن يخرج مباشرة ويتقلّد مقاليد الحكم، ثم يكتب عليه أحدهم في الصحف: صاحب السابقة القديمة، كان مسجونًا في جريمة شرف؟ أيصلح أن نأخذ قوانيننا من متّهم بالفاحشة؟ فقبل أن يخرج وقبل أن يجلس على مقاليد الحكم أو يكلّم الناس بأي قوانين، أراد أن يشهد كل البشر أن هذه الصفحة بيضاء، وأن هذا اللسان نقي، وأن هذا البدن طاهر لم يمسّ الفاحشة ولم تمسّه. فإذا قال صُدّق، وإذا أمر أُجيب، وإذا قنّن للناس استجابوا؛ ويكون اعتراضهم فقط على قابليتهم هم لتطبيق هذه المعالم من القوانين أو عدم قدرتهم على تطبيقها، لكن لا أحد يتكلم على شخص الداعي.
الذكر عُدّتنا في الضرب في الحياة
والشاهد أن الله تبارك وتعالى عندما أمرنا بالضرب في الحياة والسير فيها، أمرنا أن نتجلّد لها وأن نصبر عليها وأن نعتدّ لذلك بعُدّة قوية، وهي ذكر رب العالمين سبحانه وتعالى. والنبي ﷺ حين يذكّرنا بهذه الأدعية التي نقولها في كل صباح وكل مساء، إنما يذكّرنا بالحال الشديدة التي كان فيها موسى على نبينا عليه الصلاة والسلام، غريبًا في وسط قوم، يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.[6] سبحان الله العلي القدير! رب إني فقير لأي نوع من الخيرات تُنزله إليّ.
سرّ تقديم ذكر الله على وصف الحال
انتبه إلى أنه قدّم ذكر رب العالمين على وصف حاله وفقره؛ فما قال: رب إني فقير لما أنزلت إليّ. فما السرّ في ذلك؟ السرّ أن ما ينزله الله تبارك وتعالى لا ينزله إلا كرمًا منه عز وجل، وليس بسبب الحال التي أنت فيها. فلا تقل: والله أنا تعبان وربنا سيبعث لي الفرج لأنني تعبان. لا؛ سينزل لك الفرج لأنه يريد أن ينزل عليك الرحمة والسكينة والطمأنينة والعافية والأمن والاستقرار، لأنه عز وجل يريد أن يرحم عباده. أما حال الذين هم في شدة فليست حجة على الله تبارك وتعالى؛ لأن الله عز وجل إما أن يعافي، وإما أن يثيب، وإما أن يثيب ويعافي في الوقت ذاته.
أسأل الله تعالى أن يجبر خواطرنا جميعًا، وأن يجعلنا أهلًا لمرضاته، وأن يحفظ علينا عافية الإيمان وصلاح القلوب وسكينة النفوس وطمأنينة الصدور. اللهم ثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويوم يقوم الأشهاد.
--- [1]: سورة يوسف، الآية ٤٢. توثيق المحرر: اختلف المفسرون في مرجع الضمير في «ذكر ربه»، ولم يتبيّن من التفريغ ترجيح المتحدث فيه. [2]: توثيق المحرر: ذكر المتحدث أن الآية في سورة الأنعام، ولفظ الآية كما نطق به (ضيق الصدر بما يقولون) يوافق قوله تعالى في سورة الحِجر، الآية ٩٧؛ والتفريغ مضطرب هنا، فلم تُثبت الآية بنصّها في المتن. [3]: توثيق المحرر: الحديث في صحيح البخاري؛ ولم يذكر المتحدث مصدره. [4]: توثيق المحرر: لم يعزُ المتحدث الرواية، وقد أورد لفظها مختصرًا؛ وأصلها في الصحيحين بلفظ: «لو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبتُه». [5]: سورة يوسف، الآية ٥٠. [6]: سورة القصص، الآية ٢٤.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.