أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾: لا تتوهّم أنك الضحية الوحيدة

﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾: لا تتوهّم أنك الضحية الوحيدة

د. أحمد أبو سيف•٢٨ مارس ٢٠٢٦•6 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٢٨ مارس ٢٠٢٦مالمصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[1]. مفهوم الصبر في ذاته يحتاج إلى أن يُدرَك على أعلى مستوياته.

دلالة الاستعانة

دلالة الاستعانة في ذاتها أن هناك إدراكًا ووعيًا بمشكلة تُلِمّ بك وتحيط بجوانبك وجوانحك، فأنت تتطلع في الأفق لترى ضوءًا تستلهم منه فرجًا، وترى من خلاله مخرجًا من مصيبة تنزل بك أو عائق يقف أمامك تريد أن تعبره. وهذا السعي في حد ذاته يحتاج إلى صبر.

وإذا نظرنا إلى الصلاة في ذاتها فهي اقتطاع من الوقت، واقتطاع من تكسّب الأرزاق، واقتطاع من الانشغال بالأولاد وغيرهم؛ أجزاء من الحياة تأخذها. فأنت أمام نوع آخر من المواجهة: هل تخشع أم لا؟ تقول «الله أكبر» وذهنك لا يزال مشتتًا، فكأنك لم تصلّ. فالصلاة في ذاتها تستوجب نوعًا من الاستعانة لا يتم إلا بتحقق الصبر أولًا.

الصبر والصلاة معًا

ثم الآية التي تلتها: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾[2]. فكأن الصبر والصلاة يتعاونان معًا على بلوغ درجة من الفهم: أننا في هذه الحياة نخوض مقاتلات دائمة مستمرة بيننا وبين أطراف الحياة التي تريد أن تغزونا في داخلنا. وعندنا مفهوم آخر أكبر وأوسع وأشمل، لكننا على الأقل في المعالجات البسيطة نقاتل ليل نهار: مع الأحداث الجارية، ومع الشيطان الذي يريد أن يغويك، ومع الأولاد في الدار، ومع التكاسل، ومع أرزاقنا.

ثم يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾[3]. فكأن «الصبر والصلاة» إنما جاءتا مقدمات لقضية. و«ولنبلونكم» فيها مفهوم البلاء ذاته؛ تخيّل أنك تفكر في ولدٍ عندك يموت، نسأل الله العافية. مجرد الفكرة لا تُطاق. أو أن تذهب العافية فجأة. تخيّل شخصًا ذاهبًا ليرى نتائج تحاليل وهو مريض متألم، وقال له الطبيب إننا لسنا مرتاحين كثيرًا ولكن لنعمل كذا وكذا وغدًا القرار النهائي، ثم يتصلون به من العيادة كل قليل: احضر، احضر. تخيّل هذه الرحلة من البيت إلى العيادة؛ قد تستوعب من الصبر والاستعداد لتلقّي الخبر ما يعدل عشر سنوات ضوئية. ومن هنا: ﴿اسْتَعِينُوا﴾، التمسوا العون؛ تصوّر الصبر في ذاته معينًا على استكمال الرحلة.

الأصل في الحياة التعب

يا إخواني، حفظ الله مقامكم، الناس يريدون الحياة سهلة رغدة هينة لينة، وليس هذا من مفاهيم الحياة التي نعيشها. الأصل في الحياة التعب، والكدّ، والكدح، والمعاناة؛ لا بد أن نفهم هذا. وبناء عليه، إذا قابلتك مشكلة مع ولد أو زوج أو جار أو قريب أو أي أحد، فلا تتعجب كل هذا التعجب، ولا ترَ نفسك ضحية؛ أنت واحد من جملة الناس. ادخل بيوت الناس، فلن ترى بيتًا واحدًا خاليًا من المشكلات. من عنده بيت بلا مشكلة فليرفع يده، لن تجد أحدًا يرفع يده.

والمصيبة الأكبر أن في حياتنا مشكلات حقيقية ومشكلات متوهَّمة. هناك مشكلة حقيقية موجودة فعلًا وأنا أعاني معها، وهناك مشكلة متوهمة.

مشكلة حقيقية ومشكلة متوهَّمة

تصوّر امرأتين جلستا معًا، كلتاهما تشكو من زوجها. قالت الأولى: يفعل كذا وكذا. فقالت الثانية: ما أسعدَ حظّك! فتقول الأولى: كيف تقولين إني محظوظة وأنا أشتكي؟ فتجيبها بأنه صبور، وأنه كذا وكذا، فتكشف لها عن جوانب من شخصية هذا الإنسان لم تكن تطّلع عليها. هل كانت عند الأولى مأساة حقيقية أم متوهَّمة؟ متوهَّمة. ثم تبدأ الثانية تتكلم عن جوانب أخرى من زوجها لا تراها هذه، فتقول لها الأولى: أنتِ محظوظة. الله أكبر، كيف يحصل ذلك!

وعندما يأتيني رجل يشتكي من ولده، يقول كذا وكذا، أقول له: يا أخي، هل يمكن أن تحمد الله أن عندك ولدًا أصلًا؟ من بداية العمر احمد الله أن عندك ولدًا؛ الخير الذي فيك ينتقل إليه يومًا ما، حتى لو خرج وابتعد، فإن الله تبارك وتعالى يأتي به يومًا. هل يمكن أن تحمد الله أن علّمك كيف تدعوه أن يرد إليك ولدك إن كان قد غاب عنك؟

وبعض الناس يشكو من الفقر. هل هذه مصيبة متحققة أم ألم متوهَّم؟ فتقول له: ما الذي ينقصك من جوانب الحياة؟ فإذا هو مكتمل العافية، الحمد لله، وغيره مريض عنده مال كثير لا يكفيه لعلاج مرضه؛ فعوّضه الله تبارك وتعالى بالعافية مكان المال. ورجل آخر يشكو، وآخر يشكو، وكل الناس يشكو. فربّ العالمين سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.

السياق القرآني: لا تنسَ الصورة الكبرى

انظر في أي سياق وردت الآية. وردت في الربع الذي بدأ بقوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[4]. فكأنك نسيت كل هذا الكلام، وانتبهتَ أول ما سمعتَ «يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر»: يا سلام، تبكي لماذا؟ عندك مشكلة! نسيتَ السياق القرآني، وأن هناك معركة تدور حول الإسلام والمسلمين، وأن هناك قضية كبرى جدًّا في عالم الحياة اسمها الفساد، وأن هناك شيطانًا أكبر وشيطانًا أصغر وشياطين في الوسط يلعبون ليُغووا البشرية. نسيتَ ذلك كله، ثم التفتَّ إلى جزئية صغيرة جدًّا في حياتك.

وإذا أردنا أن نخلص من هذه الكلمات، فإننا نبتغي من الله عونًا على كل خطوة نخطوها. لا تتوهّم الألم وأنت معافى، فإن الله مطّلع على حالك، عالم باحتياجاتك، مجيب لسؤالك في كل وقت. ولا تتصوّر أنك الضحية دون غيرك؛ فلكل إنسان ابتلاؤه الذي يخصّه، ولا يستطيع أحد أن يعرف بلاءه على حقيقته إلا إذا تعرّف على بلاءات الناس الذين يعيشون حوله.

﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾

انظر إلى الآية التالية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ…﴾. إذن البشارة لن تكون هنا وإنما هناك. ولما قال رب العالمين: «وبشِّر»، هل قال: وبشّر المحصِّلين للنتائج التي يبتغونها؟ لا، بل قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. فما معنى أنهم صابرون إلى النهاية؟ أنهم لم يحصلوا على ما يريدون. أليس كذلك؟ لو أني أشتهي الآن أن يكون عندي مبلغ كبير، فهل أحتاج أن أصبر قبل حصولي عليه؟ كنت أحتاج أن أصبر: أذهب إلى عملي وأنطلق في الناس وأصبر عليهم حتى أحصّل شيئًا فشيئًا بما شاء الله. فإذا حصل المبلغ انتهى مفهوم الصبر. فإذا بربنا سبحانه يقول: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾[5] ماذا قالوا؟ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ…﴾[6]. «إنا لله»: أنا بكينونتي أنا لله.

فكأنه ينقل مستوى التفكير من تحصيل الجزئيات المادية في الدنيا إلى ما وراء هذا الكون الذي يعيشه الناس، إلى عالم آخر مختلف تمامًا، يثيب الله فيه عباده بقدر ما صبروا، لا بقدر ما حصل في أيديهم.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يثيبنا وإياكم، وأن يعلّمنا كيف نتصبّر على ما بين أيدينا، وأن يرزقنا حسن الاستعانة بما عنده سبحانه جلّ في علاه.

--- [1]: البقرة: ١٥٣. توثيق المحرر: نطق المتحدث بالآية كاملة. [2]: البقرة: ١٥٤. [3]: البقرة: ١٥٥. توثيق المحرر: اكتفى المتحدث هنا بقوله «ولنبلونكم»، ثم ذكر الآية لاحقًا حتى «وبشر». [4]: البقرة: ١٤٢. ذكر المتحدث أنها بداية الربع. [5]: البقرة: ١٥٦، وتمامها: ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. توثيق المحرر: أثبتُّ من الآية قدر ما نطق به المتحدث. [6]: توثيق المحرر: انقطع التفريغ عند «وإنا إليه» فلم يُتمَّم في المتن.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ