أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
القرآن والحضارة

دلالات الألفاظ في قصة بقرة بني إسرائيل

ما تقوله كلمةٌ حُذفت وكلمةٌ اختيرت في أقصر حوارٍ بين موسى وقومه

د. أحمد أبو سيف•١٥ أكتوبر ٢٠٢٤•28 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت بتاريخ ٩ ديسمبر ٢٠٢١مالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد الله ونبيه ورسوله سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. اللهم إنا نسألك خير هذا المجلس وبركته وعافيتك فيه يا رب العالمين، ونسألك أن تؤمّن عقولنا من الزلل والشطط، وأن تحفظ قلوبنا سليمةً بحفظك ورضوانك. وبعد، فحيّاكم الله أيها الجمع الكريم، وزادكم من الخير والفضل، وجعل ما تتعلمون في موازين حسناتكم، وبارك لكم في أهليكم وبيوتكم. ولعلنا كنا قد افتتحنا حديثًا عن قصة آدم عليه السلام كما يرويها السياق القرآني، وحرصنا على أن نتناول الأحداث بحسب هذا السياق، لأن اختيار الألفاظ القرآنية وترتيب الله سبحانه للأحداث في ذكرها له أثر في كيفية تطبيق القصص في حياتنا. فليست في القرآن قصةٌ بلا مردودٍ موازٍ للزمن؛ كل قصة فيه لها فوائدها التي ننتفع بها جيلًا بعد جيل وفردًا بعد فرد، مع اختلاف أحوالنا الزمنية والاجتماعية والنفسية والعقلية. وبهذا نجد لنا، أشخاصًا ومجتمعًا، تطبيقاتٍ متمثلةً في القصص التي عرضها ربنا سبحانه.

الدور المنوط بنا أكبر مما نتصوّر

من الشواهد التي ذكرناها في قصة آدم أن الدور المنوط بنا في الحياة أكبر بكثير مما نتصوره أفرادًا. فما الذي يتصوره كل واحد منا حين يكون طفلًا أو شابًّا؟ يريد أن يتخرج في الجامعة، وأن يكون له عملٌ مستقل أو وظيفة، وأن يكون له بيت، ويتزوج وينجب. هذه الحياة الروتينية، إن اقتصرنا عليها، لا تختلف كثيرًا عن حياة الأنعام، مع فارق التعلّم. ولو لم يكن لهذا التعلّم أثرٌ في مستوى فكرنا ونظرنا إلى أثرنا الوجودي في الحياة لكان التعلّم وبالًا علينا بدل أن يكون فائدةً لنا.

وعلى هذا فقضية الاستخلاف التي أشار إليها الله في سورة البقرة، في بدايتها وفي قصة آدم، مؤشرٌ إلى عقلٍ ينبغي أن ينفتح بآفاقه وطموحاته حتى يستوعب الكون كله بكل ما فيه. الاستخلاف يعني أن نعمّر الكون بكل ما نملك من طاقات وقدرات، وأن نتفوق على الزمن وعلى الإمكانات الموجودة. والجبال والأنهار والبحار والشمس والقمر كلها، بالتسمية القرآنية، مسخَّرة لنا. وما معنى «مسخَّر»؟ أنه تحت أمر استخدامي. فإن لم تكن لي القدرة على استخدامه فالعجز عندي، ولستُ مؤهلًا للوظيفة التي انتُدبت لها في هذا الكون. وموظفٌ يُعيَّن في شركة ليقوم بمهمة ما فيقوم بغيرها لا يؤدي عمله، ولو كان يُجيد الصنعة الأخرى. وإن انتُدب عاملًا في شركة ثم قصّر في عمله، أو لم يبلغ ما أُريد منه في هذا العمل، فلا يستحق أجره آخر الشهر. أليس كذلك؟ (وأعتذر إن كنت أتكلم بسرعة قليلًا؛ فمن كان مستعجلًا تكلّم بسرعة، متخيلًا أنه سيمضي أسرع، كمن يركب الحافلة أو الطائرة فيدفع المقعد الذي أمامه ليصل أولًا، فكأني أفعل ذلك سبحان الله.)

الطموح التنفيذي: ماذا نترك وراءنا؟

والنقطة الأولى في قصة آدم عليه السلام هي قصة الطموح التنفيذي، الطموح الإنساني في إنجاز المهام. لو فكرتُ بدقة فيما سأتركه ورائي عبر الأرض التي أمرّ عليها لاختلف الإنتاج الصادر عني اختلافًا تامًّا. ما الذي سأتركه خلفي حين أنتقل من هذه الأرض إلى غيرها؟ ترى رجلًا عمل في أكثر من شركة، وهو في كل شركة يبحث عن بقائه هو فيها، ولا يبحث عن تطوير شأن الشركة. ورجلًا تزوج أكثر من امرأة، لم يكن له من كل مرة إلا همّه هو[1]. وامرأة تزوجت أكثر من رجل. فأيّ أثر تركنا؟ وأنجبنا أكثر من طفل، فلم يكن لنا من وراء كل طفل مرادٌ خاص به، كأن أقول: هذا الطفل ينبغي أن يكون عالمًا في الفلك، فركّزتُ علمي عليه وأوليتُ اهتمامي له. ثم إذا انتقلنا إلى المنظومة الأعم رأينا أن أبناء المسلمين أبناءٌ لنا، نحرص على مستقبلهم كما نحرص على مستقبل عيالنا في البيوت.

لا أريد أن أطيل في هذه النقطة، لكن قضية الاستخلاف قضية عقلٍ مستوعبٍ للكون، ينظر مواطن الإصلاح فيه ويبذل جهده بكل ما يستطيع من إصلاح، على أي نطاق. وإن لم نفعل فنحن لا نقوم بالمهمة التي انتدبنا الله إليها. ولا ينبغي أن ننسى أن أول مصطلح وُصف به الوجود الإنساني في هذه الحياة هو: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. فمن حاد عن هذا المصطلح، وهو أنه خليفةٌ لله في هذه الأرض، فقد أخطأ تقدير قيمة وجوده الإنساني. أنا إنسان، وأعظم كائن في هذا الوجود على هذه الأرض التي نحيا عليها؛ وكل شيء فيها في أصله مسخَّر لي، ولا ينبغي أن ينشغل المسخَّر بالمسخَّر له. فكل ما في الكون في خدمتي، ولستُ في خدمة شيء.

فالبيت الذي نسكنه ونضيق به ذرعًا، ونريد أن نخرج منه إلى بيت أوسع، متخيلين أن هذا هو الطموح، نسبحُ فيه عكس الفهم الطبيعي. هذا البيت مسخَّر لي أرتّبه كيفما أشاء، ولا أضجر منه، وإنما أستخدمه فيما ينفع أمة الإسلام. وكذلك هذا المال، قليلًا كان أو كثيرًا، الذي أفرح به أو أتعس لأنه غير موجود، أسير فيه عكس التيار الفكري للإنسان المستنير المقدِّر لقيمة وجوده. ولو اعتبرتُ هذا الميكروفون أمامي شيئًا أقدّسه، كأني أريد أن أعبده لأنه سبب شهرتي، لصرتُ عكس التيار. لكني أفكر فيه على أنه وسيلة انتقال للصوت؛ ليس لي من وراء هذه الجلسة غرضٌ إلا أن يبلغ صوتي بما عندي فأكون قد أدّيت ما عندي، فإن صدر مني صواب أفاد الله به الخلق فبها ونعمت، وإن صدر مني خطأ فرجائي الوحيد أن يأتي أحدٌ فيصوّب ما عندي حتى لا أكرر الخطأ في مكان آخر. هكذا نسير مع خط سير التواجد الإنساني في هذه الحياة كما أراده الله سبحانه.

وخلاصة الكلام: سخّروا كل ما عندكم لدعوة الله، ولا نكن إلا لله سبحانه، وما وراء ذلك أسباب يمضيها الله لنا. الأموال والثروات والمناصب والجهات أشياء تمرّ عبر الزمن، ويُسدَل عليها ستار الأيام والليالي، وتندثر مع التراب، ولا تبقى لأحد.

الخطأ في حياة السائرين، وقد وقع من آدم

والنقطة الثانية أننا قد نخطئ، فكل من يسير على الطريق يُحتمل منه الخطأ. وهذا من جملة الطبيعة الإنسانية، كما قال النبي ﷺ: «كل بني آدم خطّاء»[2]. وقد أورد الله لنا هذا المثال في آدم عليه السلام حتى لا يظن أحدنا أنه، وهو إمام، لن يخطئ، فيتعامل مع الناس بنبرة عالية؛ ولو كان بينكم أخواتٌ داعيات فلا تظن إحداهن أنها أكبر من بقية الأخوات وأنها هي التي تفعل وتفعل، فليست فوق الحساب. هذا ليس من جملة التفكير الإسلامي. بل نجد من أنبياء الله من يستغفر الله لذنب صدر منه، ووجدنا العبارة القرآنية تعبّر بشكل صريح عن آدم: ﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾[17]. فنسب الله إلى آدم مصطلحين ربما لا يحب الواحد منا أن يوصف بهما: العصيان والغواية. هكذا سمّى ربُّ العالمين. لكن العاقل هو الذي يتعلم من آدم أنه لما أخطأ ولما وقع في غير ما ينبغي عاد سريعًا إلى حيث يرضي الله سبحانه.

وإذا كانت احتمالات الخطأ موجودة في حياتنا فماذا نتعلم من هذا؟ نتعلم أن نتحسس الخطى ونحن نسير على الطريق، وأن تكون المراقبة الذاتية في داخل كل واحد منا: ما الذي يقوله، وما الذي يفعله، وأين ينظر، ومتى يُحلّ بصره، ومتى يتكلم، وكيف يتصرف مع الناس؟ كل هذه تبعات ينبغي أن نتحرّج منها. فيكون العقل، وهو مصدر تلقّي العلم، هو نفسه الوعاء الذي يستوعب حركته، فلا أتحرك إلا بحساب دقيق، لأني لا أريد أن أخطئ كما أخطأ آدم، ولا أريد أن أزيد من نسبة المعاصي. يكفينا المعاصي الفطرية التي تصدر مع كلمة خرجت أو تصرّف تصرفناه، فنستغفر الله تعالى منها، وهي التي وصفها ربنا بقوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾[3]، ونسأله العافية.

رتبتنا في الكون: خليفة بوظيفة

والأمر الأول إذن أننا في منصب آدم عليه السلام خلفاءُ لله في هذه الأرض، فينبغي أن نوسّع دائرة الطموحات ونرفع سقف الأمنيات في الحياة، وأن يكون هدفنا الأكبر عمارة هذا الكون بما فيه، لا مجرد إنقاذ أنفسنا. فإنقاذ النفس مسألة مسلَّم بها، ولا يوجد عاقل يريد أن يهلك نفسه. فلننتهِ إذن عن هذه التُّرَّهات والسفاهة الموجودة في الدنيا، ومنها الفلوس والمناصب والكلام الفارغ[4]؛ لأني من البداية عُيّنت في هذا الكون من قبل الله خليفةً. فإن سألتَ: ما هو منصبي؟ وقلتُ: أنا الإمام فلان، فليس هذا هو منصبي الحقيقي في الكون. المنصب الحقيقي أني خليفة، أو أني إمام برتبة خليفة، أو أن حضرتك ربّة بيت برتبة خليفة، أو أني صاحب متجر برتبة خليفة، أو مهندس إلكترونيات برتبة خليفة.

وأضرب لذلك مثلًا بأصحاب الرتب العسكرية والشرطية: الواحد منهم ينظر دائمًا إلى الشارات الموضوعة على كتفيه، يقول لك: ألا ترى هذا؟ فيه سيفان، وفيه كذا وكذا؛ فهو يتصرف بمنطق ما وُضع على كتفيه، سواء كان لواءً أو مشيرًا أو فريقًا أول، في المخابرات أو الدفاع الجوي أو الدفاع الإلكتروني، في أي موقع كان؛ فهو لا يزال يحمل هذه الشارة، وهذه رتبته. فما هي رتبتي أنا لله تبارك وتعالى؟ ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: خليفةٌ برتبة، أو بوظيفة إمام، أو في مجال الطبخ والغسيل، أو في مجال صناعةٍ ما، أيًّا كان. والنقطة الأولى أننا ينبغي أن نتحرّج من الخطأ؛ فالعاقل لا يخطئ كثيرًا، وإن أخطأ لا يعيد الخطأ مرتين.

التكامل لا الندّية

والأمر الثالث، وهو المهم، التكامل الحاصل بين آدم عليه السلام وحواء. العلاقات الإنسانية داخل البيوت لا تقوم أبدًا على الندّية، وقد ذكرنا ذلك كثيرًا؛ فإذا قامت عليها في مرحلة من المراحل هلك البيت. المرأة التي عرفت من طبع زوجها أنه لا يحب أن يُنافَس في ميدان ما، ثم تتعمد أن تفعل ذلك، إنما تكسر هذا البيت، لأنه ربما لن يعود إلى رشده، أو لن يتخلى عن مبادئه التي اعتادها. فإن عرفت متى تأتيه وكيف تأتيه، ومتى تقنعه وكيف تتحيّل عليه، فالأصل في التواجد الإنساني داخل البيوت هو محاولة التكامل، وليس الهدم ولا التصدّر. والرجل الذي علم من امرأته أنها لا تجيد هذا الفن ما ينبغي له أن يضغط عليها في هذه الجزئية. وكما ذكرنا، الأصل في التواجد الإنساني بين آدم وحواء هو الأصل بين فلان وفلانة وفلان وفلانة؛ كل هذه بيوت ينبغي أن نديم اجتماعها على ما يرضي الله سبحانه.

الانتقال إلى قصة البقرة

بهذا نكتفي من قصة آدم، وننتقل اليوم إلى ما صرّح القرآن به، وهي قصة بقرة بني إسرائيل. يفتحها لنا الله تبارك وتعالى، وأظنها الآية السابعة والستين والله أعلم: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: 67][16]. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: 68]. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: 69] إلى آخر القصة كما حكاها الله سبحانه.

وفي بعض الروايات، وهي ليست موثوقةً بسند نبوي صحيح، والله أعلم، أن رجلًا كانت له ابنة عمّ أراد أن يتزوجها، وأبوها رجل ثريّ جدًّا؛ وكأنه أراد أن يأخذ الفتاة ومال أبيها ويعيش حياة الترف في البلد كلها. فطلبها من أبيها فردّه ردًّا غير جميل، ولم يرتضه زوجًا لابنته، فقال: والله لا أتركك. فتربّص به وعزم على قتله، وأراد أن يجمع بين الفتاة والمال والدية أيضًا، ولكن ممّن يأخذ الدية؟[18] فخطط أن يذهب إلى الرجل خلسةً في الليل فيقتله ثم يخرج متسللًا، فيكتشف الناس الجريمة في الصباح، فيأتي هو يقول: ما هذا يا جماعة؟ هذا الرجل مقتول! يا الله، من قتل عمّي؟ وهو المثل الذي يقال عندنا في مصر: «يقتل القتيل ويمشي في جنازته»، وأظنه معروفًا في الوطن العربي كله؛ فما دام الناس كلهم قالوا هذا بصوت واحد فالظاهرة «إنترناشونال» ما شاء الله، والشياطين يشبه بعضها بعضًا[5]. فاجتمع الناس، ونادى صاحبنا فيهم: أنتم الذين قتلتم عمّي! قالوا: لا. قال: بلى. فذهبوا إلى موسى عليه السلام، فطلب منهم أن يذبحوا بقرة.

لماذا طلب منهم أن يذبحوا بقرة؟ كنت صباح اليوم أقرأ للشيخ ابن عاشور رحمه الله، وهذا هو السؤال. والجواب الصريح موجود في القرآن: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ … ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾[19]. فهل هو شرعٌ مستقل خاص بموسى عليه السلام، أم كان موجودًا في تشريعات من قبل؟ يختلف الناس: فبعضهم يقول إنك لو قرأت في التوراة لوجدت أنه إذا قُتل قتيل ولم يُعلم قاتله ينبغي أن يأتوا ببقرة فيذبحوها، ويذهب أشراف الناس فيقسم كلٌّ منهم على كذا. وهذه حكايات ليس لنا فيها شأن، لأنها ليست من جملة التشريع الذي نتعبد به نحن المسلمين؛ هي معرفة لا تنفع وجهلٌ لا يضر. والذي أركّز عليه هو السياق القرآني.

«لقومه»: لماذا لم يقل «يا قومي»؟

في السياق القرآني عمومًا، إذا قال موسى عليه السلام لقومه يقول: «يا قومي»[6]. أما هنا فقال القرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ﴾، ولم يحكِ عنه «يا قومي». لماذا؟ لأننا نتعامل مع جريمة، والتعامل مع الجرائم دون تحديد المتهم الحقيقي يجعل الشك ينسحب على كل الناس. فلن ينسب موسى إلى نفسه أناسًا يُحتمل أن تصدر منهم جريمة قتل. وكما تعلمون، كل جريمة يمكن أن يُتجاوز عنها إلا سفك الدماء، وقد قال النبي ﷺ، كما نُقل عنه، إن ابن آدم صنعة الله، وإنه ملعون من هدم بنيان الله[7]. فالإنسان بنيان الله سبحانه، ومن هدم هذا البنيان ملعون عند ربّ العزة جل في علاه. وبناءً على ذلك أجد أن موسى لم يقل «يا قومي» لأنه لم ينسبهم إلى نفسه.

مع أننا نجد أن الأنبياء الآخرين ينسبون أقوامهم إليهم، وأن الله ينسب لهم ذلك: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ …﴾[8]. وموسى حين يقول لقومه «يا قوم» في مواطن أخرى من القرآن ينسبهم إليه، مع أنهم لم يكونوا مسلمين في ذلك التوقيت. فما الحكاية؟ أقول: إن الرجل إذا كان على الشرك ولم يؤمن بالله بعدُ، ويُحتمل أن يُسلم، فإنه يتصرف بناءً على ما يعتقد. ولنفهم هذا: بين من يتصرف بناءً على ما يعتقد وهو صريح مع نفسه وصريح مع الآخرين، يقول: أنا رجل حرامي، أقول لكم ذلك بمنتهى الوضوح، فانتبهوا، وليمسك كل واحد حقيبته ويثبّت عليها، أنا هكذا؛ هذا رجل صريح، قال ذلك من بداية الأمر، متسق مع نفسه، عارف خط سيره، متفاهم مع نفسه، فرقٌ كبير جدًّا بين هذا وذاك. هل هذا أخطر، أم شخص آخر دخل إليك بلغة التدين والبكاء والاستعطاف، حتى إذا فتحتم كلكم حقائبكم لم تجدوا فيها شيئًا؟ من الذي سرق المال؟ الشيخ الذي كان يعطينا الدرس من قليل؟ يا نهارٌ أبيض، كان يبكي! هذا عادي جدًّا، وهكذا كثيرٌ منهم يسرق، لا أموال الناس فحسب، وإنما فكرهم وعقيدتهم. نعوذ بالله من ذلك، ونسأل الله أن يبلغنا قبورنا.

والشاهد في القول أن موسى عليه السلام لما كان هناك احتمال أن يكون المتَّهم أحدَهم لم ينسبهم إلى نفسه، فلم يقل: أنتم الآن تستحقون أن تكونوا قومي.

وعلينا نحن: هل نستحق أن يُنسب إلينا عباد الرحمن؟

ونحن جالسون في مجالس النميمة ونعرفها جيدًا، بالله عليك، هل نستحق أن ننال لقب المستخلَفين، أو لقب عباد الرحمن؟ وإذا جلستُ أفكر في معصية، كيف أدبّر لها وأتبع خطواتها حتى أفعل وأفعل، هل أستحق لقب عباد الرحمن في هذا التوقيت؟ وأنا لن آخذ من الكلمة إلا ما لم يرد فيها: أنه لم يقل «يا قومي» لأنه لم يرد أن ينسبهم إلى نفسه في هذا الموطن. وأتعلم منها أني لا ينبغي أن أضع نفسي في موقف لا أستحق فيه أن أكون عبدًا من عباد الرحمن. فانتبهوا للتصرفات، وللكلمات، وللأفكار، وللنظرات، ولظنّ السوء، وانتبهوا لغزوات الشيطان التي يغزو العبد من خلالها، ولهذه النزغات التي تقلب كيان المرء.

سوء الظن: أسهل كيد الشيطان

أسهل شيء يفعله الشيطان أن يدعك تسيء الظن بفلان، بمنتهى البساطة. تخيلوا أني أكتب رسالة لأحدهم، ثم يرد عليّ بعد حين، وأغيب عنه خمس دقائق، ثم أفتح الهاتف فأجده يقول لي: ماشي يا عم، أنتم الناس الذين تكبّرتم علينا ونحن غلابة، ماذا نفعل؟ وأنا كنت أقول له: فينا، لو لم أكن أقول لك إني محتاج أن أتكلم معك إلى آخره. لكنه لا يعلم أنه جاءني، وأنا أكتب له، اتصال مهم اضطررت أن أردّ عليه، فأخذ مني خمس دقائق، وحين أغلقت الخط ورجعت إليه لأرى وجدت هذه المصيبة كلها. ما الذي حصل؟ هل وقعت الدنيا؟ إنه سوء الظن؛ بمنتهى البساطة يأتي الشيطان إلى ذهن الإنسان ليصوّر له صورة غير حقيقية.

وانظروا في بيوتكم: يدخل الزوج مكفهرًّا، فتقول الزوجة في نفسها: إنه قرفان منا، لا يريد أن ينظر في وجهنا؛ ثم تقوم فتلصق ذلك به في وجهه، وبالهناء والشفاء أيًّا كان. أو يدخل الزوج من الخارج فيجد زوجته ما زالت متلخبطةً من أيام الطبخ التي كانت طول النهار، فيقول: هي لا تعتبر وجودي، ولذلك لم تتهيأ لاستقبالي[20]. وهذه مجرد أشياء بسيطة جدًّا. فما بالنا إذا انتقلنا إلى عالم الأموال والتعاملات المالية بين الناس؟ أسهل ما يمكن أن يحدث للإنسان من كيد الشيطان أن يحمله على سوء الظن بالناس، لأنه إنما يحرّك زرًّا صغيرًا فيتوجه التفكير في اتجاه آخر.

ولذلك لا بد أن تكون هذه القاعدة ثابتة جدًّا، وهي الأساس: الثقة في الناس. هل بيننا وبين بعضنا ثقة أم لا؟ نقطة ومن أول السطر. هل ما زلتُ أثق في هذا الإنسان أم انقطعت الثقة؟ فإن كنتُ لم أزل أثق فيه فكل تصرفاته محتملة عندي، وأنا محترمٌ لها تمامًا، وأضعها فوق رأسي. وإذا فقدنا الثقة فقد انتهى التفكير، فبطّل توجع دماغك.

«إن الله يأمركم»: لم يقل «إني آمركم»

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67]. عبّر موسى عن الأمر على أنه أمرٌ من الله تبارك وتعالى، وليس أمرًا من ذاته. وسأخرج قليلًا عن السياق القرآني في هذه الجزئية لأعبّر عن موضوع بالغ الأهمية: أحيانًا، وأنا فقيه أو إمام أو مفتٍ، ألزم الناس برأيي أنا، وأحيد بهم عن آراء الآخرين، متناسيًا أن رأيي ليس إلا نوعًا من الفهم لنصٍّ قرآني.

حين عرّفوا لنا علم أصول الفقه قالوا: هو استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية. فما معنى «استنباط»؟ أهو استخراج؟ أهو كأننا نفكّ مسمارًا؟ أم أني أحاول أن أفهم وأحلّل؟ أيًّا كان المصطلح فهو يعبّر عن أني شغّلتُ عقلي قليلًا ففهمتُ من الدليل شيئًا. فما الثابت في الموضوع: فهمي أنا أم الدليل؟ الدليل هو الثابت. أما فهمي فقد أقول بعد عشر دقائق: لقد فاتتني هذه الجزئية، لا بد أن أغيّر تفكيري في الموضوع؛ أو بعد عشر سنين. تخيلوا: صار لي إحدى عشرة سنة في هذه البلاد، والفتاوى التي كنت أصدرها قبل إحدى عشرة سنة تختلف مئةً وثمانين درجة عما نتكلم فيه اليوم. ما الذي حصل؟ جئتُ بالخلفية التي هناك، بطريقتي في التفكير مع مسلمين في مجتمع إسلامي تحيط بهم البيئة الإسلامية، والأذان حولهم من كل مكان. لم نكن قد عرفنا ما معنى تطور الشباب في هذه المجتمعات، بالغرابة التي رأيناها مع عِشرتنا لأولادنا وأولاد الناس الذين تعرّضنا لهم.

والشاهد أن إلزام الناس برأيي ليس صوابًا. لم يقل موسى: إني آمركم، وإنما قال: إن الله يأمركم. وكأن موسى عليه السلام لم يتعجل في إصدار هذا الطلب، مع أنه مجرد طلب، وحتى لو كان متعارفًا عليه قبل ذلك، إلا بعد أن جاءه الأمر من ربه سبحانه. وعلى هذا فأسأل: شرعَ مَن تنفّذ في حياتك؟ شرعَ مَن تطبّق؟ أحيانًا للأسف نطبق شرع أنفسنا من غير أن ننتبه. وبعض الأشخاص يستحل لذاته ما حرّمه الله، معتمدًا على فهمه هو، وذلك بمنتهى البساطة، خاصةً إذا اعتدنا تمييع المصطلحات وتبديل المفاهيم وتغيير الكلمات في وصف الأشياء. ساعتها نلعب بالتشريع لعبًا. وهنا ملحوظة على فكرة: العب بالشرع ستجد الدنيا كلها تعطيك المال من كل ناحية. لماذا؟ لأن الذين يشترون الباطل أكثر بكثير جدًّا ممن يعينون الحق، للأسف الشديد. نسأل الله السلامة والعافية.

فخرجنا من هذا بأن العبد لا بد أن يقيس حاله على الميزان الذي وضعه الله، وليس على موازين البشر. وكنا نقول دائمًا لإخواننا المنتمين إلى بعض الجماعات: يا بني، أنت متعصب لشيخك أكثر من تعصب شيخك لنفسه، فما لك وأين يذهب عقلك؟ تجد بعض الناس متعصبًا لرأي شخص واحد فقط، يقول لك: شيخي قال. فتقول له: اسمع للرأي الآخر، فلا يريد، وكأنه بلغ بشيخه مرحلة من التقديس. ونعوذ بالله سبحانه من الزلل والغواية.

«بقرة»: التعميم يُسر، والدين لا يُشاد

﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾: التعميم الحاصل في كلمة «بقرة» متسقٌ تمامًا مع كلام النبي ﷺ: «إن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحدٌ إلا غلبه»[9]. فالأمور على بساطتها تمامًا، في منتهى البساطة، وليس في التشريع الإسلامي أي نوع من التعقيدات. فما الذي وراء النص التشريعي؟ ما المقصد من وراء الحكم الشرعي الذي وضعه الله سبحانه؟

وانغلاق بعض العقول على مفاهيم محددة لا يمكن أن نتجاوزها، مع أنها مجرد فهم، شيء يقيّد حركة الناس. ولا أريد أن أقول إنه يسيء، ولكنه يقلل من نسبة التزام الناس بالتدين. وإلى جانب هذا، تخيلوا شخصًا يأتي يسأل عن أن المرأة لا بد أن تبقى في بيت زوجها تطبيقًا لهذا الحكم الشرعي المأمور به من الله سبحانه، وقد ضاع ماله كله، فيما يبدو، في الخمر أو نحوها[10]؛ فأنت تتكلم على جزئية تشريعية في موضع، وعلى مصيبة تشريعية في موضع آخر، فكيف نوائم بين هذا وذاك؟ جزاك الله خيرًا أنك محافظ على هذه النقطة[11]. ولنأخذ القضية نفسها من زاوية أخرى: أن أكون في منتهى التألق اللفظي واختيار الكلمات وأنا أتكلم مع الناس، فإذا عدتُ إلى بيتي كانت امرأتي أحقر الناس على لساني. هل هذا منطق؟ هذا كلام فارغ، ودعوى كاذبة، وصاحبه يتعامل بوجه هنا ووجه هناك.

ما حصادنا من الألفاظ حتى الآن

والشاهد في القول أن الله يرينا من وراء هذه المصطلحات القرآنية كيف نعبر مسارات الحياة. فبدايةً لا ينبغي أن نكون في موقف لا نحسن معه أن يُنسب إلينا عباد الرحمن، كما لم ينسب موسى قومه إليه في ذلك الموطن. والأمر الثاني أن الفهم الحقيقي لنصوص القرآن، لدلالات الألفاظ القرآنية، هو الفهم المتجدد.

الفهم المتجدد، والثوابت التي لا تتجدد

أحمل كلام الإمام الطبري والإمام النيسابوري والإمام السيوطي، وكل هؤلاء الخلق، على رأسي، بوصفهم ناسًا فهموا دلالات اللفظ القرآني فيما يتعلق بمجريات الحياة في زمانهم. ولا أتكلم على نصوص التشريع؛ لست أريد أن أغيّر صلاة العصر لتكون ست ركعات لأننا صرنا في أمريكا! وإنما أتحدث عن كيف أستنبط من كلام الطبري، الذي مات في ذلك الزمن، ما أنتفع به الآن، وليس المقصود أن أُجري حال زماني على ما قاله الطبري في زمانه. عندنا قضيتان: كيف أستخدم كلام الطبري فيما يناسب الواقع ولا يتصادم معه، أو أن أحبس الزمان نفسه على كلام الطبري الذي قيل قديمًا. تخيلوا لو أن أهل الحاسوب حبسوا لغة الحاسوب على ما قاله من اخترع أول حاسوب، لكنا ما زلنا جالسين حول حاسوب حجمه قدر الغرفة، ولما كان معنا العالم كله في هذا الهاتف الذي أحمله في يدي كأنه جزء من الحاسوب الصغير. ولو تكلمنا عن عالم الطب واستنباط الأطباء الأوائل من واقع الحياة والتجربة، وحبسنا علم الطب عليهم، لكنا إلى اليوم نخيط الجروح بالإبرة والفتلة، ولا بنج عندنا ولا غيره. وبناءً عليه فتطبيق القرآن الكريم في عالم الحياة ينبغي أن يتناسب مع المراد القرآني لتطوير الحياة.

وأقول المسألة مرة أخرى: كلام الله ثابت، حاضرٌ ثابت، ليس فيه تغيير ولا تبديل، وحاشى لله أن نتحدث في شيء من ذلك. وتفسير النبي ﷺ للقرآن تفسير ثابت، لا يستطيع أحد أن يقترب منه ليغيّر منه شيئًا. وكلام أهل العلم الثقات فيما يتعلق باللغة والبنيان اللغوي والدلالات القرآنية للألفاظ وتعبيراتها، كل هذه متعلقة بثوابت. لكننا نتكلم اليوم عن فهمنا لتطبيق هذا النص القرآني في الواقع.

وسأضرب مثالًا ضربتُه قبل هذا عشرات المرات. قال الله في قضية الوصية: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ … الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180][21]. يقول علماؤنا إن هذه الآية منسوخة؛ فلا مال يُدفع لأحد من التركة بوصية، وإنما يُورَّث الوارث. منسوخة بماذا؟ بقول الله تبارك وتعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾[22]. فعندنا نص في سورة البقرة يقول إن الله كتب علينا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، وعندنا نص آخر يقول: يوصيكم الله في أولادكم. فقلنا لنتفادى الإشكال إن الآية الأولى منسوخة بالثانية، واكتفينا وآمنّا بالله العظيم. ولماذا بقيت الآية؟ قالوا: حتى نتعبد بتلاوتها. توكلنا على الله، فبقينا نتلو الآية ونحن معتقدون أنها منسوخة، حتى جئنا إلى أمريكا.

فقالت لنا أمريكا: تعالَوا، أنا لازم ألزمكم أن ترجعوا إلى تطبيق النص الأول. يا أمريكا، استهدي بالله، خلينا نتكلم كما يتكلم العقلاء. قالت: لا، أبدًا، لا بد أن أرجعك إلى تطبيق النص الأول. لماذا؟ لأنك إن لم تطبق الوصية المرادة في النص الأول فلن يرث أولادُك منك، وسنذهب بالمال إلى الكلب الذي كان عندكم في الدار! أي: لو لم تكن عندنا هذه الوصية مكتوبةً ومدوَّنةً أني أريد أن يرث من بعدي بهذه الأنصبة كذا وكذا، فإن القاضي سيقول لك: هذه الأموال كلها لمن؟ ثم يوزعها على الجمعيات الخيرية مثلًا. فما الذي فهمناه هنا؟ أن المسائل الفقهية المرتبطة بالتطبيق التشريعي في أرض الواقع يدخلها تجدد الفهم أيضًا.

وما الذي يخيفنا إذا قلنا إننا نريد أن نجدد الفهم؟ أن المجددين صاروا يتهاونون كثيرًا، وكل واحد حضر درسين مثل هذين صار فقيهًا يريد أن يجدد للأمة. الكلام ليس كذلك. من يجدد لهذه الأمة أمر دينها، كما جاء عن رسول الله ﷺ، ينبغي أن يكون على درجة الاجتهاد المطلق كما تحدث أهل الأصول وأهل الفقه.

«أتتخذنا هزوًا؟»: ردود الأفعال على التكاليف

والآن نعود إلى المسألة. قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. والجزئية هذه من الآية فيها عدد من النقاط.

النقطة الأولى: ردود أفعال الخلق على التكاليف التشريعية. ما ردود أفعال الناس على التكاليف الشرعية؟ إنها تكون بحسب نسبة إيمان الناس بالنصوص التشريعية. وقد جاءني اتصال أمس من أخت تتحدث عن زوجها، أنه في نقاشاته مع الناس من حوله يسأل: ما هذا أصلًا؟ ليحاول أحد أن يفهمني لماذا أقعد بلا أكل من الصبح إلى المغرب؟ ويقول: أنا هكذا صمتُ؟ ما هذا الهبل؟ ما منطق هؤلاء الناس؟ وبعدين أنا رجل أعمال ناجح، عندي عشرة أو عشرون مليون دولار ألعب بها في السوق، فلماذا أترك كل هذه الأعمال المهمة جدًّا وأقوم فأتوضأ وأصلي أربع ركعات أو اثنتين؟ ما هذا الكلام؟ دعونا نرى شغلنا، وأركن هذا الكلام جانبًا.

فما نسبة التزام هذا الرجل بهذه النصوص التشريعية؟ ردود فعله ناتجة عن غياب القناعة. القناعات المترسبة في ذهنه مبنية مبدئيًّا في خط واحد فقط: تنمية الأرقام واستغلال الوقت. فنقول له: افتح لنا طاقة صغيرة فقط، شباكًا صغيرًا، نحاول أن ندخل منه لنفهمك. لو قطعتَ هذه الأعمال... لم يقل لك أحد أن تقطع اجتماعًا مهمًّا، وعندنا في التشريع ما يستوعب ذلك. وإذا احتجتَ أن تجمع بين الصلاتين فسنسمح لك بذلك، وإذا احتجتَ أن تقصر الصلاة لأنك مسافر فسنسمح لك، إلى آخر هذه المنظومة التشريعية. ولكن لو سمحتَ لنا أن نزيدك معلومة صغيرة: أنك حين تصلي تعيد تجديد نشاطك الذهني والنفسي كله، فتستقبل أعمالك بشكل مختلف، فبدل أن تكسب خمسين تكسب سبعمئة وأربعين، يا أخي. لكنه لما سار في هذا الاتجاه، والكلام هذا نفسه من جنس الشبهات التي أثارها المشركون لما قالوا: «إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع»[12]، لم يستوعب ما وراء النص. قالوا: أتتخذنا هزوًا؟ أتسخر منا؟ أتهزأ بنا؟ ما هذا الكلام الفارغ الذي تقوله؟

لماذا قالوا هذا؟ لأن نسبة التزامهم بهذا المنطق التشريعي غير موجودة، هذا رقم واحد. ورقم اثنين: أنهم قارنوا بين ما يأتيهم من تكليف تشريعي وبين ما يريدونه هم، فنصّبوا أنفسهم في مقابل الله تبارك وتعالى. نظروا إلى أنفسهم فقالوا: أتتخذنا هزوًا؟

ولنضرب مثلًا آخر: نحن نتكلم الآن في مسألة حسابية، معادلة، فاختلفنا في الطريقة. أنا سأصل في الآخر إلى ناتج، وأنت ستصل إلى ناتج آخر. فهل جعلنا أنفسنا طرفًا في المعادلة، أم أن كلينا يعالج المعادلة؟ وما الذي نريد أن نصل إليه؟ حين تقول لي إن النتيجة كذا، لا أقول لك: أنت تسخر مني، وما الذي حشر أنفك في هذه الجزئية؟ فلماذا يضع الإنسان نفسه في مثل هذا الموقف؟ لأني لا أنظر إلى الطرف الآخر على أنه شريك في العمل، وإنما أنظر إليه على أنه نِدٌّ لي. فلما رفعوا أنفسهم إلى مكان الندية لموسى، وهو نبي، خرج منهم هذا المصطلح: أتتخذنا هزوًا؟ وأنا جئتكم، وأنا أكلمكم، وأقول: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، فقالوا: أتتخذنا هزوًا.

فالنقطة الأولى التي فهمناها: ما نسبة استيعابك لوجود تكليف شرعي، وتسليمك بتطبيقه أيًّا كانت تبعاته؟ ورقم ثلاثة، من الأشياء المهمة جدًّا: لا تضع نفسك في مقارنة مع المشرِّع. لا تقل: هذا الكلام لا ينفع. وإن قلتَ: «غير معقول» فقلها لتستوعب الأزيد والأولى، ولتفهم[23]. وأنا دائمًا أقول: لا تتلقَّ نصًّا تشريعيًّا أبدًا في حياتك إلا وتسأل بعده: لماذا؟ لكن لا لماذا على سبيل التحدي، بل لماذا على سبيل المزيد من الفهم والاستيعاب. لأن الذي يطبق وهو فاهم غير الذي يطبق وهو حافظ فقط. الذي يطبق وهو حافظ يُلخبط الدنيا، لأنه قد ينسى جزءًا في الوسط. أما المستوعب لما يقوله، المدرك لأبعاد الكلمات حين يقولها، فهذا يطبق أحسن: يطبق بشمول، ويطبق بعمق، ويطبق بترتيب وبنظام يتبعه عبر رحلة حياته.

«أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين»

قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. فما المراد بالجاهلين هنا؟ الجهل ضد العلم. وفي استعمال هذا اللفظ إشارة إليهم أنهم لم يسمحوا لأنفسهم باستيعاب المعلومة الآتية إليهم من الله. فلا تَرُدّ قبل أن تسمع. يأتيني أحيانًا زوج وزوجة، فيبدأ الرجل يتكلم فتقاطعه الزوجة، فأقول لها: يا ستي، دعيه يُكمل الجملة، الله يرضى عنك. لا تسبقي بالحكم قبل أن نستوعب الكلام على بعضه؛ دعونا نكمل جملة مفيدة، ثم نصدر أحكامنا عليها بعد قليل. فالسبق في إنفاذ القرارات يجعلنا نضيّع كل شيء بمنتهى البساطة.

وهناك ما يسمى الانفعال اللحظي، أو القرارات اللحظية. صاحبنا يقول لها: قومي اعملي لي طعامًا. فتقول: أنت تسخر مني؟ طلّقني[24]. ما الذي جاء بهذا؟ استهدِ بالله، اعمل معروفًا، اهدأ قليلًا. فالانفعال اللحظي مدمِّر. فقال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، للدلالة على أن المراحل التي ينبغي أن توجد في ذهن الإنسان لاستيعاب معلومة أو لتطبيق حكم شرعي لا بد أن تكون أطول من هذا. لماذا تتعجل؟ لماذا تتعجل في الفهم؟ لماذا تريد أن تفهمها بسرعة وتصرّ على أن الذي فهمته هو الصواب؟ ولماذا تتعجل في رد الفعل؟ ولماذا تتعجل في القرار؟ كم مرحلة؟ على قدر ما أفهم، وربما تكونون أفهم مني: ثلاث مراحل على الأقل.

فأنا أتعجل في فهم الموضوع، فأقول: فاهم يا عم، دعني أكمل لك الشرح لتفهم جيدًا. رقم اثنين: رد الفعل على الفور، استهدِ بالله، لكن بعدما تنتهي من الفهم انظر ما رد فعلك، ما ردة فعلك. رقم ثلاثة: القرار المتخذ بناءً على الفهم. وكثيرًا جدًّا ما نخسر أناسًا بسبب أنه جاءتني رسالة فانفعلتُ جدًّا، وقمتُ فأرسلت له الرد، فوجد الموضوع ليس سهلًا، فقلت له: أنت تستخف بي، فعاد يردّ عليّ، فقلت له كذا. ما الذي حصل؟ ما بالك يا عم؟ قم اقرأ لك آيتين، أو توضأ وصلِّ ركعتين، أو اهدأ قليلًا. ما الذي حصل؟ ردود الفعل: قال لها يمين وقالت له شمال، يمين، شمال، فطلّق كلٌّ منا الآخر وانتهينا. هذه الانفعالات اللحظية تنمّ عن جهل الإنسان، لأنه لم يعطِ نفسه الفرصة الكاملة لاستيعاب دلالات الكلمات والوضع الطبيعي للموقف الذي نتكلم عنه، وكيفية اتخاذ القرار المناسب، وتنفيذ هذا القرار الآن أم بعد قليل، إلى آخر ذلك.

سؤال القوم: ما هي؟

﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 68]. ويبدو أنهم تسرعوا جدًّا لما قالوا له: أتتخذنا هزوًا، بدليل أنهم بعد قليل قالوا له: طيب، هي أيّ بقرة؟ تخيلوا الأمر كأن صاحبنا طلب من زوجته أن تصنع له فطيرة، فقالت له: وهل أنا الخادمة التي تشتغل عندك؟ فقال: سبحان من شرّع الزواج الثاني! فقالت له: تريدها بالعجوة أم بالجبنة؟ ما الذي حصل هنا؟ ما رأيكم؟ الله أكبر، هكذا على سبيل المثال.

والشاهد أنهم لما تعجلوا تعجلًا شديدًا في رد الفعل المبدئي، قالوا: أتتخذنا هزوًا؟ وبعد قليل، بعدما قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، قالوا له: طيب، أنت تريدها كيف، بالجبنة أم بالسكر؟ فقالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي. فقال: إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر، أي: ائتونا بشيء متوسط. وكأنه يدلهم على المنهج العلمي الذي ينبغي أن يُتَّبع في مثل هذه المواقف.

خير الأمور أوسطها

ولذلك فخير الأمور عندنا أوسطها، وفي لغة التشريع كله خير الأمور أوسطها[13]: لا تفريط ولا إفراط، لا نغالي فيما نقدّم ولا فيما نأخذ، بل نأخذ بالراحة ونهدأ. وحتى في التعبد ينهى النبي ﷺ عن المغالاة. دخل فوجد حبلًا ممدودًا تقف عليه إحداهن كلما فترت لتكمل صلاتها، وهذه حاجة جيدة جدًّا، فقال: لا، «ليصلِّ أحدكم طاقته»[14]. أي: من تعب فلينم؛ افعل ما تستطيع، وما لا تستطيعه لا تجتهد فيه حتى تهلك نفسك. ولماذا؟ لأني إن طلبتُ منك، يا أخواتي جميعًا بارك الله فيكن، أن تقمن الليل كله، فما شأن الرجل الذي يريد أن يصحو في الصباح ليذهب إلى عمله، أليس يريد لقمة؟ ألا يفطر؟ وما شأن الأولاد الذين ذهبوا إلى المدرسة؟ فلو قلتُ لهم: امشوا امشوا، أنا أصلي طول الليل، اذهبوا فكلوا أي شيء، أنا طول الليل في قيام الليل! ثم قال مداعبًا: نعم، خلاص، كفى اللهُ المؤمنين القتال، وكان الله قويًّا عزيزًا[15].

والشاهد في القول أن الله تبارك وتعالى أرانا أن التوسط في الأشياء هو السبيل الأمثل لاستكمال مسيرة العمل الحركي الإسلامي.

نتوقف هنا إن شاء الله سبحانه وتعالى، ونستكمل في لقاء قادم. سلّمكم الله، وجزاكم الله خيرًا.

--- [1]: توثيق المحرر: عبارة المحاضر هنا مضطربة في التفريغ («لم يكن له فيها إلا همه فقط»)، فأثبتّ معناها الأقرب ولم أزد عليه. [2]: رواه الترمذي وابن ماجه، وتمامه: «وخير الخطّائين التوابون». توثيق المحرر: الذي ورد في المحاضرة هو صدر الحديث فقط. [3]: توثيق المحرر: هي من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32]، وقد اقتصر المحاضر على قوله «إلا اللمم». [4]: توثيق المحرر: العبارة قبلها في التفريغ مضطربة («ومسألة أنني أنا الخلي الذي هو في الكون فاتنه عن هذه الترهات»)، فلم أركّب منها معنى، واقتصرتُ على ما استبان منها. [5]: توثيق المحرر: دُعابة وردت مضطربة في التفريغ، وهذا أقرب ما يُفهم منها، وقد سجّلتها في الغموض. [6]: توثيق المحرر: هكذا نطقها المحاضر. والوارد في القرآن على لسان موسى عليه السلام: «يا قومِ» كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ﴾ [المائدة: 20]. وقد أبقيتُ لفظ المحاضر في المتن. [7]: توثيق المحرر: نقل المحاضر هذا المعنى على أنه من كلام النبي ﷺ، ولم أتحقق من ثبوته بهذا اللفظ، فأثبتّه كما ورد في المحاضرة. [8]: توثيق المحرر: هي في سورة الأعراف: 65، وتمامها: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾، وقد اقتصر المحاضر على قوله «وإلى عاد أخاهم». [9]: رواه البخاري. توثيق المحرر: ذكر المحاضر الحديث بلفظه، وربطه بعموم لفظ «بقرة». [10]: توثيق المحرر: عبارة التفريغ هنا مضطربة («أودى فلوسه كلها جام الخمرة أو...»)، فأثبتّ ما استبان منها فقط. [11]: توثيق المحرر: تلي هذه العبارة في التفريغ جملة مضطربة («لكن لماذا تحرص على التدين ما دام منتسبا إلى غيرك وليس منتز لك…») فلم أثبتها. [12]: توثيق المحرر: جاء هذا القول في التفريغ على أنه من شبهات المشركين، ولم يسمّ المحاضر موضعه في القرآن، فأثبتّه كما جاء دون عزو. [13]: توثيق المحرر: قدّمه المحاضر قاعدةً معروفةً في لغة التشريع لا حديثًا بعينه، ولم أعزه إلى كتاب. [14]: توثيق المحرر: هو حديث الحبل الممدود بين ساريتين، رواه البخاري ومسلم. ولم يسق المحاضر نصه، وإنما أشار إلى الواقعة ومعناها، ونصه: «ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد». أما قول المحاضر «طاقته» فهو من كلامه. [15]: توثيق المحرر: هذا اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 25]، ساقه المحاضر على سبيل المداعبة بعد كلامه عن قيام الليل، والمقطع مضطرب في التفريغ فلم أجزم بمراده. [16]: توثيق المحرر: أثبتُّ الآية بالرسم القرآني ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾، بينما جاء في التفريغ كل مرة «أتتخذون هزوًا»؛ ولا يُدرى أهو سبق لسان من المحاضر أم خطأ سمع. وما ورد بعد ذلك من «أتتخذنا» في المتن ناظرٌ إلى الآية نفسها. [17]: توثيق المحرر: هي في سورة طه: 121، ولم يذكر المحاضر موضعها. [18]: توثيق المحرر: ترتيب هذه الرواية مضطرب في التفريغ (يرد فيه «حتى قتله» ثم «أقسم أنه سيقتله» ثم خطة القتل)، فاقتصرتُ على الأقرب إلى المفهوم، والمحاضر نفسه ساقها على سبيل «القصة» غير الموثوقة. [19]: توثيق المحرر: الآيتان من سورة البقرة: 72–73، ولم يذكر المحاضر موضعهما، وجاء الشطر الأول منهما مضطربًا في التفريغ. ونص الآية 72: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، وتمام الآية 73 بعد ما نقله المحاضر: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. [20]: توثيق المحرر: المشهدان في التفريغ سريعان ومختلطان (من القائل في كل منهما)، وهذه صياغة حذرة على أن الأول من ظنون الزوجة والثاني من ظنون الزوج. [21]: توثيق المحرر: اقتصر المحاضر على «إذا حضر أحد… الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقًّا على المتقين»، وتمام الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]. [22]: توثيق المحرر: هي في سورة النساء: 11، ولم يذكر المحاضر موضعها. [23]: توثيق المحرر: عبارة المحاضر هنا مضطربة في التفريغ («ما تقولش الكلام ده ما ينفعش، ما تقوليش… لو هتقول مش معقول قول مش معقول عشان تستوعب…»)، فاقتصرتُ على ما استبان منها. [24]: توثيق المحرر: في التفريغ: «قالتله بقوللك انت بتتريق عل[يّ] طلقني»، فالقائلة بـ«طلقني» هي الزوجة لا الزوج.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ