أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

عبوديتنا بين المقام والمقال

حين تكون العبودية منهج حياة لا دعوى لسان

د. أحمد أبو سيف•١١ أكتوبر ٢٠٢٥•23 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت في مسجد القسام بفلوريدا بتاريخ 11 أكتوبر 2025م المصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

افتتح الدكتور أحمد حديثه بالحمد: الحمد لله الذي خلق فسوّى وقدّر فهدى، الحمد لله الذي أخرج المرعى، الحمد لله في أمرنا كله، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد يوم تقوم السماوات والأرض بين يديه يوم القيامة. «اللهم لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، اللهم لك الحمد على ما أنعمتَ وعلى ما تفضّلتَ، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيتَ».

ثم حيّا الحاضرين فقال: حيّا الله هذه الوجوه المباركة الطيبة، وأسأل الله أن يجعل خطوكم إلى هذا المكان في موازين حسناتكم، وأن يكتب آثاركم، وأن يجعل أجركم كاملًا غير منقوص؛ وأن يرزقنا إخلاصًا نلقاه به يوم القيامة، وأن يمنّ علينا بعافية في القلوب والعقول والأبدان، وأن يثبّت أقدامنا على صراطه المستقيم. «نعوذ بالله أن تزيغ القلوب، أو أن تضطرب العقول، أو أن تُعطَّل الأقدام عن طاعة الله تبارك وتعالى».

المقام والمقال

«العبودية بين المقام والمقال». أما المقام فقصد به، والله تعالى أعلم، مقامَ العبودية في ذاتها: أين مكانها فينا، وأيُّ منزلة لها، ثم مقامها في حياتنا نحن: كيف ننظر إليها، وكيف نعتذر لها. وأما المقال فهو الادّعاء. فكلنا يدّعي أنه لله عبد، وكلنا يدّعي أنه ينتمي إلى الإسلام، وكلنا يدّعي أنه يُخلص في عبوديته للإله الواحد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4].

لكن مراجعة يسيرة جدًّا بين عبودية أهل الإسلام وعبودية أهل الكفر تُريك كيف تتحقق العبودية للمسلم. فالمشركون ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ﴾، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيَقُولُنَّ﴾ [العنكبوت: 61، 63]، وسُئلوا فقالوا: الله العزيز العليم.[1] فهم لا يقرّون لله وحده بالعبودية فقط، بل يقرّون له سبحانه بأسمائه وصفاته، ويعلمون عنه ذلك كله؛ ولكنها عبودية مُدَّعاة، فارغة من المضمون والأثر. ومن ثَمَّ لم تُعتبر في ذاتها أصلًا، واعتُبر المنتسب إلى هذا النوع من العبودية كافرًا، لأنه لا يحقق مضمونها ولا يثبتها في واقعه، وليست لها بين يديه نتائج.

العبودية هي الإسلام

فما دلالة مصطلح العبودية إذا أردنا أن نتعرف عليها؟ دلالتها، باختصار شديد، هي الإسلام: أن تُسلِم لله تبارك وتعالى. وإذا أردنا أن نتحقق من دلالة الإسلام فمعناه أنك تُسلِم نفسك لربّ العالمين سبحانه.

وإن أردتُ أن أستشهد على ذلك فبين أيدينا حديث للنبي ﷺ الأصل أن كل مسلم يعلمه ويحفظه ويعمل به ويردّده، وهو دعاء النوم: «اللهم إني وجّهتُ وجهي إليك… وألجأتُ ظهري إليك… وأسلمتُ نفسي إليك».[2] فما دلالة «أسلمتُ نفسي إليك»؟ حين ألجأ إلى فراشي وأقول لله «أسلمتُ نفسي إليك»، فليس لواحد منا هيمنة على ذاته ولا قدرة على التصرف، وكأني أسلمتُ نفسي لله، وسلبتُها كل مقومات التصرف الذاتي، وأودعتُ ذلك كله لربّ العالمين سبحانه. ومن ثَمَّ إذا طبّقنا ذلك على دلالة مصطلح الإسلام في عموم الحياة، فكوني أسلمتُ لله أني أسلمتُ نفسي وما أملك لربّ العزة سبحانه: «ليس لي في نفسي حظّ، وليس لي على نفسي سلطان، وليس لي مع نفسي اختيار».

قصة تُجلّي المعنى

ومن الآثار الطيبة في ذلك أن النبي ﷺ جاءه أحد أصحابه يريد أن يتزوج، وكان غير جميل الخِلقة. وكان من عادة الناس أن يردّوا مثله: «شكله وحش، ما هيمشيش مع بناتنا، مش هيعجبهم». فلما أتى رسولَ الله ﷺ قال له: اذهب إلى بيت فلان، فاطرق عليهم الباب وقل لهم: إن رسول الله ﷺ يخطب إليكم ابنتكم لي.

وكان الرجل اسمه «خُبيب»… جُلَيبيب، أعتذر. فلما ذهب الرجل وطرق الباب وحدّث وليَّ الأمر هناك: السلام عليكم، إن رسول الله ﷺ يخطب إليكم ابنتكم، وهو في الرواية ينقل الرسالة بحروفها، تهلّل الرجل وصاح: الله أكبر، ظنًّا منه أن النبي ﷺ يخطب لنفسه. فقال له جُلَيبيب: مهلًا، إنما يخطب النبي ﷺ إليكم ابنتكم لي. فتغيّر وجه الرجل، وكانت امرأته قد سمعت صياحه فصاحت لصياحه فرحًا ببشرى خِطبة النبي ﷺ لابنتهم. والفتاة من وراء الستار تتابع المشهد.

فلما قال لهم جُلَيبيب ما قال عن نفسه، نظر الرجل إلى امرأته وقال: كيف نفعل؟ لا نحسن أن نردّ طلبًا لرسول الله ﷺ، ولا نحسن أن نخبر ابنتنا بأن هذا هو نصيبها وحظّها. فإذا بالفتاة المنصتة إلى الحديث تنادي أباها وأمها لتسألهم: ما تقولون في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]؟ فحسمت الأمر بآية من آيات الله تبارك وتعالى، وانتهى الحوار إلى هذا الحد، وتمّ العقد مع إيقاف التنفيذ.

لماذا إيقاف التنفيذ؟ لأن صاحبنا، في الرواية التي حدّثتكم بها، كان في طريقه إلى بيت عروسه فنادى منادي الجهاد. وهو في الطريق، في وسطه، بين أن يكمل طريقه إلى عروسه التي اشتاق إليها كثيرًا وبين أن يعود أدراجه حيث النداء المقدّس في عالم المسلمين. فلبّى دعوة النبي ﷺ، «وما كان له هو أيضًا أن يختار فوق اختيار الله تبارك وتعالى»، فعاد إلى حيث النداء واستُشهد، والنبي ﷺ يشهد له، فيما يُفهم من التفريغ، بأن حُور الجنة جاءت تتلقّاه لموته في سبيل الله.[3]

وشاهدي من هذه القصة التي قدّمتُ بها أن دلالة لفظ العبودية في حياتنا أننا لا نملك من أمرنا شيئًا: لا في عافيتنا ولا في سقمنا، لا في صحتنا ولا في ضعفنا، لا في غِنانا ولا في فقرنا، لا مع أولادنا ولا بدون أولادنا. ليس لنا من الأمر شيء، إنما الأمر كله لله؛ فحيثما أمرني ربي لا بد أن أحقق العبودية، وحيث أراد، وحيث التمس لي من سبل أكون فيها؛ «لا خِيرة لي من أمري» إذا أراد ربّ العالمين سبحانه شيئًا.

أول أمر في القرآن

وتعجب حين تدرك أن أول ما في القرآن الكريم من أوامر هو قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]. فالأمر بالعبودية هو أول أمر يرد في القرآن الكريم.

لكن حديثنا عن هذا الأمر الوارد في سورة البقرة لا يخلو من وقفة عند بعض الكلمات الواردة في النص. فهو نداء لأهل الإسلام أن يعبدوا الله، أم نداء لكل البشرية أن تعبد الله؟ «يا أيها الناس». انظروا خطاب القرآن حين ينادي بـ«يا أيها الناس» في مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: 168]. وسأل الحاضرين: هذا الأمر بأكل الحلال، أهو خطاب لعموم الناس أم خطاب لأهل الإسلام؟ ثم نبّه إلى أن ثمة خطابًا يأتي بعده بآيات قليلة، يقول الله تبارك وتعالى فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 172]، وهذا خطاب لأهل الإيمان. فكيف نفهم الأول؟

الأكل الحلال مقابلٌ لأكل الحرام، ودلالة أكل الحرام التحايلُ على الأرزاق، بمعنى أن يد الفساد تمتد في هذه الصنعة أيًّا كانت، فيأكل المرء ويتكسّب حرامًا. وأكل الحرام مخالفٌ لطبيعة الخلقة الكونية التي أرادها ربّ العالمين. ومن ثَمَّ كان النداء «يا أيها الناس» مخاطَبًا به البَرُّ والفاجر، المؤمن والكافر، المنافق والتقي؛ لأن أكل الحرام مفسدٌ للخليقة. ولذلك ترون أن الأمر بالصدق في البيع والشراء إنما هو تشريع للبشرية بأكملها، وليس قانونًا إسلاميًّا فقط. وإن شئنا أن نقول «قانون إسلامي» فهو قانون يخاطب الله تبارك وتعالى به البشرية كلها. والشواهد على ذلك في القرآن الكريم كثيرة: يأمر ربّ العالمين سبحانه كلَّ الناس بالإصلاح، وينهى عز وجل كلَّ الناس عن الإفساد. فافهموا من ذلك أن ثمة قوانين في عالم الحياة يُصدرها القرآن لتشريع البشرية أيًّا كان إيمانهم ونسبة تدينهم. «ليس ذلك هو المقصود عندي»؛ المراد أن في القرآن الكريم أوامر للناس يسيرون عليها لتحفظ عليهم إنسانيتهم، قبل أن تكون محلَّ رفع الدرجات لهم عند ربّ العالمين سبحانه. وصلّوا على النبي ﷺ.

فنرى أن النداء الأول في سورة البقرة، وهو أول نداء وأول أمر في القرآن الكريم، يأتي بصيغة الأمر المباشر: «يا أيها الناس اعبدوا ربكم». ومن ثَمَّ لم نجد لفظ الألوهية، لم يقل «اعبدوا الله» كما ورد في مواطن أخرى من القرآن الكريم، فكان خطابًا لعموم الخلق.

فما مدى ونسبة عبودية الناس لله تبارك وتعالى في اتباع أصول المناهج البشرية التي يسير عليها الخلق؟ الالتزام بالمواعيد، أهي مسألة تخص أهل الإيمان وحدهم؟ الصدق في الوعود، مسألة عامة أم خاصة؟ احترام الزمان والمكان، مسألة عامة أم خاصة؟ إلى آخر ما يمكن أن يُمارَس في عالم الممارسات الحياتية التي يعيشها الناس. وصلّوا على النبي ﷺ. فهذا النص يقول فيه ربّ العالمين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، وذلك هو المفاد المترتب: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

الفاتحة: «إياك نعبد وإياك نستعين»

لكن هذا لا يغيب عن أذهاننا الذكرَ الأول لمصطلح العبودية في القرآن الكريم، وهو الوارد في سورة الفاتحة حين قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. ما مفاد هذا؟ مفاده أننا لا نعبد إلا الله، ولا نحسن أن نعبد غيره. وكل امتثال لأمر غير ربّ العالمين لا يسمّى عبودية. لماذا؟ لأنه عمل تترتب عليه مصلحة. فالذين يعبدون البقر والفئران والجبال والشمس والقمر، كل من يعبد غير ربّ العالمين سبحانه وتعالى، له من وراء هذه العبودية المدّعاة منفعة دنيوية، حتى ولو كانت المنفعة الدنيوية متمثلة في تخفيف الأعباء وعدم وجود التكاليف. فالذين يعبدون الشمس والقمر والأرض، بماذا تأمرهم الشمس؟ وبماذا يأمرهم القمر؟ لا شيء، ومن ثَمَّ يفعلون ما يشاؤون في هذه الحياة الدنيا.

والذين يعبدون المسيح ويتخذونه إلهًا من دون الله لديهم عبارة مشهورة تتمثل في قولهم: «Jesus paid the price»، أي أن عيسى دفع الثمن وخلّصنا. «والله الذي لا إله غيره»، جلستُ يومًا مع أحد القساوسة فإذا به يردّد هذه العبارة، فقال لي: «Jesus Christ». فقلتُ له: الآن سأضطر إلى استئذانك في الذهاب. فقال: لماذا؟ يعني تواعدنا أن نجلس مدة ساعة، فأنت الآن تخرج بعد خمس عشرة دقيقة، أليس هذا إخلالًا بالوعد؟ فقلتُ له، وقد غلبني الخوف والاضطراب: لا أحسن أن أستكمل معك. قال: لماذا؟ قلتُ… [يضطرب التفريغ هنا]. وبدأ يبرّر، لكنها مبررات فارغة من المضمون.[4]

إذن، حتى من يدّعون عبودية المسيح، كما يدّعون ويصفون ويسمّون ويبرّرون، إنما يبحثون لأنفسهم عمّا يسمّى «مسكّنات الضمير»: أن لهم إلهًا يعبدونه، لكن هذا الإله لا يمنعهم من أن يشربوا خمرًا، ولا أن يُخادنوا امرأة، ولا أن يتبعوا هواهم، ولا أن يتكسّبوا بالحرام، ولا أن يتبعوا منهج الربا. إلههم الذي اكتفوا به ادّعاءً لا يحول بينهم وبين تلبية شهوات نفوسهم وتغذيتها وإشباعها. فكل معبود دون ربّ العزة سبحانه وتعالى إنما هو معبودٌ لهوى.

أما نحن فقد وجدنا هذه العبارة: «إياك»؛ أنت وحدك، لا أحد معك، ولا يسبقك أحد، ولا نفعل شيئًا في حياتنا قبل الاعتبار لذاتك ولجاهك ولوجودك، سبحانك عزّ شأنك وجلّ سلطانك. ذلك هو الإسلام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. بل إن هذه العبودية التي سلّمنا بها في بداية الأمر لا نصل إلى حقيقتها ولا نطبّق آفاقها وأبعادها إلا بعد أن يكون العون منك وحدك يا ربّ العالمين. افهموا الآن الجملتين معًا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ جملة مستقلة، و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ جملة مستقلة، كلتاهما لا تنفكّ عن الأخرى ولا تستقل بذاتها دون صاحبتها؛ فلا استعانة بدون المعبود، ولا عبودية بدون العون من المعبود سبحانه جلّ في علاه. ومن ثَمَّ وردت الآية بعدها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ فإن البقاء على صراط العبودية القويم لا يحصل إلا بهداية المنّان العليم سبحانه جلّ في علاه. وهذه الهداية تستوجب عقلًا مستوعبًا لتقلّبات النفوس وتغيّر الأحوال عند المرء. ومن ثَمَّ استعذنا بالله تبارك وتعالى أن نكون من المغضوب عليهم أو من الضالين، ووافقنا على أن ثمة من أنعم عليهم ربّ العالمين بنعمة التعبّد له، فقلنا: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7].

ولما كانت العبودية لا تتحقق إلا بمراقبة الثواب والعقاب، والتأمل فيما يلحق الحياة من يوم الدين، سبق ذلك قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. ولما كان استشعار مُلك يوم الدين ومالكه إنما يخوّف النفس ويرعب الذات ويلقي في النفس نوعًا من الرهبة الشديدة، سبق ذلك قول ربّ العالمين سبحانه وتعالى: ﴿الرَّحْمَٰنِ﴾، «فلا تقلقوا»، ﴿الرَّحِيمِ﴾، «فاطمئنوا». ثم انظروا مقدّمة ذلك كله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ۝ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ۝ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ۝ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.

وهذه الفاتحة كم تتكرر عندنا في اليوم؟ سبع عشرة مرة على الأقل، إذا لم يكن في يومنا أي نوافل، فإننا نردّد «إياك نعبد وإياك نستعين» سبع عشرة مرة كل يوم. لماذا؟ لأن ربّ العزة سبحانه وتعالى جعلها شعارًا لكل مسلم. لماذا؟ لأنه يريد أن يبني عقلية متعبّدة، وليس انفعالًا لحظيًّا يثور في نفس العبد لوقت ثم يخبو في وقت آخر. المسألة مسألة منهج.

وضرب لذلك مثلًا بأصحاب المهن: أنا طبيب، لا أحسن التدريس، فلا يفكر عقلي إلا في مجالات الطب وما يتبعه من أحوال وتوابع؛ فإذا نظرتُ في وجه إنسان أمارس الطبّ بتأملي في عينيه، فأقول له: كيف حالك اليوم؟ وأنا أرقب شيئًا لا يرقبه ذلك المدرّس الذي يجلس بجواري. وأنا أستاذ، أسأل الطالبة: ماذا تريدين أن تكوني في المستقبل؟ وماذا تدرسين في هذا العام؟ عقلي لا يفكر إلا في هذا؛ لا أسألها عن أحوالها الصحية ولا عن الطبيب الخاص بها ولا عن المستشفى التي تتردد عليها. وأنا رجل أعمل إمامًا، فعقلي في هذه المسألة: أسأل عن أحوال الناس وأنا أستمع إلى الإجابة، وعقلي يدور في كيفية الحلول للإشكاليات التي يتعرضون لها ليل نهار، لأنها وظيفتي. فإذا أعدتَ المسألة إلى أصلها رأيتَ أن العبودية منهج الحياة وسيرتها.

نماذج من الرسل: نوح وإبراهيم

ثم قال: في تسلسل الأنبياء والمرسلين، نختصر إن شاء الله، ما وجدنا رسولًا أتى إلى قومه إلا وهو يدعوهم إلى عبودية الله تبارك وتعالى. لكن بين المقام والمقال ترى أن نوحًا، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قد بدّل حياته كلها لربّ العالمين سبحانه: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 14]. كم سنة؟ تسعمائة وخمسون سنة بذلها نوح، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، في عبودية تامة مستمرة، غير منقوصة ولا منخفضة ولا مجزّأة. ما كان عنده صلاة تُقام وصلاة تُهمَل، وعهد يُوفى وعهد يُخان، والتزام في موطن وتفريط في موطن؛ ما كان عنده ذلك، وإنما كان عنده منهج.

واستمر نوح في دعوته على مدار تسعمائة وخمسين سنة لا ينقطع عنها، مع أنه لم يجد من يجيب؛ ما آمن معه إلا قليل، سبحان الخلّاق العليم، ومع ذلك استمر. فليس الأمر أمر فتاة تبتدئ الحجاب يومًا وتخلعه يومًا آخر، ولا شاب يعمل في الحلال يومًا ثم يعمل في الحرام يومًا آخر، ولا إنسان يتعذّر بضيق الرزق فيضطر إلى معاملات مشوّهة أو صنعة غير حلال بين يدي ربّ العالمين سبحانه وتعالى. إن المتعبّد لله حدّد لنفسه خطَّ سير لا يستطيع أن ينحرف عنه ولا يحسن أن يتجاوزه، والآخرة في أول طريقه وفي آخره، وليست لديه الفرصة النفسية ليفعل شيئًا آخر غير أنه متعبّد لربّ العالمين سبحانه وتعالى.

وفي الظروف القاسية التي عاشها إبراهيم عليه السلام، وهو يُلقى به في النار، لم يكن له من سبيل إلا أن يتعبّد لله تبارك وتعالى، حتى وإن كان الظرف قاسيًا والمحنة شديدة؛ لا يحسن أن يفعل إلا ذلك. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258]. موقف صعب جدًّا، وهو يعلم أنه يحيي ويميت، وكأنها إشارة منه: إن لم تعدّل قولك وتعد عن منهجك فبيدي أن أجهز على روحك الآن، أنا أستطيع أن أقتله. فلعل ذلك النمرود ما كان يعبّر عن صفة من صفاته الدائمة، وإنما كان يعبّر عن ردّ فعل لموقف أمامه: إبراهيم يقول «ربي الذي يحيي ويميت»، فيقول له: وأنا أستطيع أن أقتلك الآن إن لم تعد عما تقول. لكن إبراهيم عليه السلام، وفي الموقف الشديد، يثبت إيمانه، ويثبت لنا أننا لا نحسن أن نتغيّر عن أصل منهجنا ودعوتنا: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: 258]، لأنه لا يحسن أن يردّ عليه بمثل ما قال إبراهيم عليه السلام. تشتدّ به المواقف ويُلقى فعلًا في النار، فيثبت لذلك، وليس له من يسأله النجاة إلا الله جلّ في علاه سبحانه وتعالى.

النفسية المؤمنة

الآن نحسن أن نفهم أن هناك نفسية مؤمنة لا ترى إلا الله، ولا تثق إلا بما عند ربّ العالمين، ولا تنتظر إلا من الله، ولا تخاف إلا من الله، ولا تتوكل إلا على الله، ولا تسأل إلا الله؛ فكل قوة تجبّرت أمام عينيها قوة ضعيفة خلقها ربّ العالمين، وربما يُذهبها بعد حين، وهو القادر سبحانه وتعالى.

الآن نستطيع أن نفهم أيَّ نفسية كانت وراء مصطلح «مسافة صفر». فهمنا لماذا؟ أيُّ نفسية تقف وراءها، تحمل ذلك الشاب، مسكين، لا يلبس في قدمه شيئًا ولا يملك أصلًا شيئًا؟ وأيُّ نفسية كبيرة وراء هذه النفسية التي تتحدّى كل هذا الجبروت المادي، الذي لم يحتفظ فقط بقوته وإنما ادّعى أنه يملك القوة في الأرض كلها، ويستطيع أن ينفّذ في مواطن الأرض ما يشاء، ويدّعي أنه يملك أسباب السلاح وصناعته وأدواته وتجارته… إلى آخر ما يدّعون؟ غير أن ثمة نفسية امرأة مسكينة لا تدرك من أمرها شيئًا إلا أن تقول: «يا ربّ»، فإذا بربّ العالمين يسخّر أسباب السماء والأرض ليحفظ عليها حياتها وعِرضها وشرفها ويصون كرامتها.[5]

لقد آمنتْ بقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2]، «بلى يا ربّ العالمين، آمنّا». آمنّا بأن ثمة اختبارات تجري لخلق الله في أرض الله وتحت سماء الله وبسلطان من ربّ العالمين سبحانه وتعالى. وإن الأسباب التي تجري على أيدي الكافرين لا تعدو كونها أسبابًا من ورائها مُسبِّب.

موسى ويوسف ومحمد عليهم الصلاة والسلام

لقد وقف موسى، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، على شاطئ البحر يومًا ما ولا يملك من أمره شيئًا، وليس في يده سبب، ولا يوجد من يعينه، ولكنه كان يردّد: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]. أيُّ أسباب بين يديك؟ وفرعون من ورائه يدّعي بين حين وآخر أنه يملك أسباب السماء والأرض، ويدّعي أن أنهار مصر تجري من تحته، ويدّعي: «أنا ربكم الأعلى»، ويدّعي: «ما علمتُ لكم من إله غيري». بيده الأسباب المبسوطة في الكون كله، ومصر، وما أدراكم ما مصر وقتئذ، يدّعي ذلك كله. وموسى، على نبينا عليه الصلاة والسلام، والذين كانوا معه يقولون: أين منفذنا؟ فإذا بربّ العالمين سبحانه وتعالى يجيب هذه الجملة: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، فيأمره أن اضرب بعصاك البحر، فإذا البحر ينفلق، ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63]. من من الناس يحسن أن يفعل ذلك؟ لا يحسنه إلا ربّ السماوات والأرض، لا يستطيعه إلا خالق السماوات والأرض، لا يستطيعه إلا من بيده الملك وهو على كل شيء قدير سبحانه وتعالى.

ولقد رأينا يوسف عليه السلام يحقق العبودية في مواقف عدّة. يحقق العبودية وقد تمثّلت الشهوة كلها والملك كله بين يديه، لو أجاب الداعي له إلى أن يفعل شيئًا خطأً ولو لمرة، يسكّن هذه الرغبة الشديدة عند هذه المرأة، وإذا به يفوز بأواصر الملك كلها ويكون صاحب المقام، لأنه سيكون «رجل الست الأول». ومع ذلك قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: 23]. إنها العبودية تتجلّى في النفوس، وتصدح على الألسنة، وتنطق في العقول لتعبّر عن ذاتها: الامتناع عن المعصية أيًّا كان نوعها، وأيًّا كانت مسوّغاتها، وأيًّا كان ما يترتب عليها من مكاسب الدنيا وأرباحها.

ثم ابتُلي بأن يكون سجينًا، فما توقف عن تحقيقه العبودية لله تبارك وتعالى، فبدأ في مرحلة الدعوة يحدّث الصغير والكبير، القريب والبعيد. وإذا به يعبّر عن عبوديته لله تبارك وتعالى في نداءاته المتكررة: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ۝ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً …﴾ [يوسف: 39-40]. ويذكر مسوّغات العبودية لربّ العالمين سبحانه، ويشرح أبعادها وآفاقها لمن حوله، حتى يستجيب له المنادَى بهذه الدعوة وتُسلَم بين يديه البلاد والعباد. وليس له سبيل من النجاة، فإذا بربّ العالمين سبحانه وتعالى يسخّر له رأس الدولة بذاته، فيلقي عليه ذلك الحلم، أو هذه الرؤيا، ولا يجدون من يؤوّلها، وهنا يجيب الداعية ويؤوّل الرؤيا دون طلب أو اشتراط، لأنه يحقق بُعدًا أبعد في نفسه، ألا وهو تحقيق العبودية لربّ العالمين سبحانه وتعالى، ترتّب على صنيعه الحسن جزاء أو لم يترتب. نحن لا ننظر إلى المستوى الأفقي، وإنما ننظر إلى السماء؛ نحن لا نطلب الرجاء من الخلق، وإنما ننقل الرجاء إلى ربّ العزة سبحانه جلّ في علاه؛ نحن لا نلتمس العون من البشر، وإنما من ربّ البشر وخالقهم سبحانه وتعالى.

ومحمد ﷺ حقّق العبودية لله تبارك وتعالى في أحلك الأوقات وأشدّها عليه الصلاة والسلام. وإذا به ﷺ، بأبي هو وأمي رسول الله ﷺ، في شِعب أبي طالب ثلاث سنوات، لا يجدون ما يقتاتونه، لا يجدون ما يشربونه، لا يجدون ما يبيعونه ولا ما يشترونه، لا يجدون شيئًا في حصار شِعب أبي طالب. لكن العبودية تُملي علينا صبرًا فنصبر ونحتسب، وليس لنا من رجاء إلا في الله وبه عز وجل.

العبادة وسيلة والعبودية غاية

يا إخواني وأخواتي، إذا انتقلنا انتقالة يسيرة، كثيرة جدًّا، إلى أحوالنا التي نمارسها، يقول ربّ العالمين سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]. كم طلبًا في الآية؟ كم أمرًا؟ لو أذنتم لي أن نمرّ على الكلمات: النداء لأهل الإيمان، الذين من مقتضى إيمانهم أنهم في الأصل يركعون ويسجدون. حصل ولا ما حصلش؟ فلماذا يأتي الأمر مرة أخرى بالأمر المباشر بالركوع والسجود، إلا أن يكون أمرًا بعدم التوقف واستكمال المسيرة؟ وتمثُّل الطقوس الشعائرية التي نمارسها في حياتنا؛ فجُلّ المسلمين يصلّون إن شاء الله، لكن [ليس] كل من يصلّي من المسلمين يتمثّل بقية أبعاد العبادة. وإلا لتساءلنا: أليس الركوع والسجود جزءًا من العبادة؟ فلماذا يتكرر الأمر بـ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾؟

إن هذا هو الفاصل في المسألة: أن العبادة الظاهرة الطقوسية لا تؤدي إلى نتيجة، وإنما لا بد أن تكون هذه أسبابًا ووسائل لغايات أكبر، ألا وهي تحقيق العبودية. إذن العبودية ليست منحصرة في الصلاة والصيام والزكاة والحج، وإنما هذه أدوات. يقول ربنا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103]. إذن لماذا نبذل الزكاة؟ طلبًا لتزكية النفس. وما تزكية النفس؟ ليس بيني وبين أحد كراهية، ليس ثمة عدوان كامل في نفسي تجاه واحد من البشر، فإذا لقيتُ الناس لقيتهم بوجه طلق ونفس مطمئنة وسريرة منشرحة، لقيتهم بلسان إنسان قوي، لقيتهم بترحاب بالغ، لا أحمل في نفسي حقدًا يحملني على الاعتداء، مالًا أو سلوكًا أو أيًّا ما يكون. لك أن تتخيل هذا. فإذا استقرّ الأمر عندي على أن الزكاة أدّت إلى تزكية النفس، فإذا بربّ العالمين سبحانه وتعالى يأمرني أن أقيم الصلاة التي تنهاني عن الفحشاء والمنكر[6]؛ فقد منعتني عن الآثام وأنواع الفحش بكل أنماطه وأشكاله، فإذا أنا كالشامة بين الخلق، نورٌ يسير في وسط الناس يضيء به الطريق، تتجلّى معه مكارم الأخلاق.

«اللهم أنطق ألسنتنا بما يرضيك».[7] فقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾، خلصنا بقى، كفاية؟ فإذا بربّ العالمين يقول: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، الذي هو خارج إطار العبودية. فمن الذي هو خارج إطار العبودية؟ الذي لا يحسن أن يفهم أن العبادة تتمثل حياةً كاملة، كما صدّرنا في البداية؛ يظن أن ثمة ما هو مفروض وما هو نافلة.

«وقولوا للناس حسنًا»

فدعونا ننطلق بجزئية يسيرة جدًّا: لما قال ربّ العالمين سبحانه وتعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]. حدٌّ فاكر؟ حدٌّ معنا من الحفظة يذكّرنا: هي بتقول إيه؟ «أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وقولوا للناس حسنًا».[8] الله! القول الحسن للناس. لو أخذتَ هذه العبارة وحدها من الآية وقلتَ: الله عز وجل يأمر بالقول الحسن للخلق، لسانك حلو، بيك، هل هذا فرض أم نافلة؟ فإذا بك تنظر في سياق الآية فترى أن القول الحسن للخلق إنما اقترن بإقامة الصلاة التي هي فريضة، وإيتاء الزكاة الذي هو فريضة. فإذا بالقول الحسن للناس، «الناس طيب»، فإن أسأنا الأدب فقد أخلّ أحدنا بعبوديته لربّ العالمين سبحانه وتعالى. طبعًا عندنا اصطلاحات عند الفقهاء، ومنها ما يخرج، ولكن عمومًا، حتى وإن كان الكلام من باب الوعظ، فإن المسلم مطالَب أن يكون حسن اللسان.

وقال: تعالوا نطبّق، بس بشكل سريع جدًّا. القول الحسن، الكلمة الطيبة التي حدّث عنها رسول الله ﷺ بأنها صدقة.[9] أنا بس هأكلّم إخواننا، وما حدش يقول للأخوات اللي أنا قلتُه، لو سمحتم، خلّوها بيني وبينكم. أين هي بين الرجل وزوجته؟ القول الحسن. وإذا قلنا إن ثمة قولًا حسنًا مرتبطًا بأوقات الرضا وأوقات الغضب، نشتم، يعني ونقلّ أدبنا، ولّا إيه؟ نحن ممكن نشتم بالمصري ونشتم بالفلسطيني، ونحكي زي ما جئنا، والبيت كله حاضرين. فهل هذا من حقيقة التعبّد؟ لا.

وإذا انتقلنا إلى الجانب الآخر، وبرضه هنحكي منها بعض ما يقول لهم، صلّوا على النبي ﷺ: جاءت امرأة يومًا فقالت: يا رسول الله، الرجال ينطلقون إلى الجهاد في سبيل الله ونحن يعني موجودون هنا. فإذا بالنبي ﷺ يلخّص جملة تبدّل كل قوانين الحياة البشرية: «حسن تبعّل إحداكنّ لزوجها يعدل ذلك».[10] الله أكبر! ما دلالة حسن تبعّل إحداكنّ لزوجها؟ أن تكون له موطن سَكَن وامتصاص غضبه، الوجه الطلق الذي يحب أن يعود إلى البيت ليراه، تفكّ التكشيرة…

ثم أوجز فقال: أنا آسف، سامحوني بالله، نحن نتعامل مع مجتمع لا يحسن في كثير من أوقاته أن يطابق بين ما نقول من ادّعاء العبودية لله وتطبيق هذه العبودية على جزئيات الحياة: عمل الصالحات، الإحسان إلى الخلق، أكل الحلال، عدم تغيّر الضمائر، عدم تبدّل النفوس؛ كلها نماذج، والله العظيم عظيم.

إشارة المرور

وأذكر، وأختم بهذا المثال: أحد إخواني في مرة من المرات يقول لي: تعرف أن كسر الإشارة هو كسرُ… هذا جرم شرعي؟ فقلتُ: يا أخي، ما تدخلش، بالراحة، يعني just a line. فقال: ليس كذلك يا عمي، ما في حاجة هون. صلِّ على سيدنا النبي. قال لي: طب اسمع بقى، شوف، اسمع بالله، ركّز في دي بس: قال النبي ﷺ: «ملعون»، اسمع دي، «ملعون من بدّل منارات الله في الأرض».[11] لو تتبّعنا لفظ اللعنة في القرآن الكريم نرى أنه لم يرد إلا في جرائم عظيمة جدًّا، فإذا بالنبي ﷺ يستعمل اللفظة ذاتها ليقول: ملعون من بدّل منارات الله في الأرض. ما معنى هذا؟ منارة الله بتقول لك: قِف يا سيدي. صلّوا على النبي ﷺ.

تخيّلْ أن كسر إشارة كسرٌ لمعالم العبودية، فما بالك باختلاس، أو سرقة، أو تزوير، أو غشّ، أو معاملة بالباطل؟ ما بالك بخيانة زوجية؟ ما بالك بمحاكم ممتلئة بمشاكل بين أزواج وزوجات؟

وختم: أسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبّل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يرزقنا فنَّ التعبّد له سبحانه وتعالى. وأعتذر بهذه الإطالة، وأستغفر الله لذنبي، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك لنا ولكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

--- [1]: توثيق المحرر: جمع المحاضر في كلامه عبارات ترد في آيات متقاربة من القرآن: «وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ» و«وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً» في العنكبوت: الأولى في الآية 61 (ونظيرها في لقمان 25 والزمر 38 والزخرف 9)، والثانية في الآية 63؛ ولفظ «الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ» في الزخرف 9 (﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾). وقد أُثبتت العبارات كما نطق بها، والإحالة إلى مواضعها من المحرر. [2]: توثيق المحرر: دعاء النوم متفق عليه من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه. والمقتصَر عليه هنا ما ورد في كلام المحاضر من ألفاظه (التفريغ مضطرب في ترتيبها). [3]: توثيق المحرر: القصة قصة جُليبيب رضي الله عنه، رواها الإمام أحمد، ويُنظر في استشهاده صحيح مسلم من حديث أبي برزة الأسلمي. وقد تردّد المحاضر في الاسم فقال «خبيب… جليبيب، أسف» فأثبتنا ما صحّحه إليه. وتلاوة الفتاة آية الأحزاب على هذا الوجه من سياق المحاضر، والمشهور في الروايات قولها ما معناه: «أتردّون على رسول الله ﷺ أمره؟». وفي التفريغ عبارة غير واضحة عن حال الشهيد عند استقباله («حري الجنة»)، وقراءتها «حُور الجنة» اجتهاد من المحرر فتُراجع على التسجيل. [4]: توثيق المحرر: التفريغ مضطرب في ما قاله المحاضر للقسيس بعد قوله «غلبني الخوف والاضطراب»، وفي نسبة بعض العبارات إلى من تكلّم بها. وعبارة «Jesus Christ» التي نسبها التفريغ إلى القسيس غير واضحة السياق. والمعنى الثابت أن القسيس ردّد عبارة «دفع الثمن»، وأن المحاضر ذكر الوعد بالمدة وأن القسيس اعترض على الإخلال به ثم برّر. [5]: توثيق المحرر: هذا المقطع (مصطلح «مسافة صفر»، الشاب الذي لا يلبس في قدمه شيئًا، المرأة التي قالت «يا ربّ») مضطرب في التفريغ؛ أُثبت ما اتضح منه دون تسمية أشخاص أو وقائع، ولم يتضح معنى اختصار إنجليزي ورد في الجملة عن «عالم الحروب والإلكترونيات» فحُذف. [6]: توثيق المحرر: عبارة «الصلاة التي تنهاني عن الفحشاء والمنكر» إشارة إلى قول الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، ولم يتلُ المحاضر الآية نصًّا في التفريغ. [7]: توثيق المحرر: الدعاء وقع في التفريغ «اللهم انطق حسنتنا بما يرضيك»، وأُثبت «ألسنتنا» اجتهادًا من السياق، وقد سُجِّل في المسائل غير المؤكدة. [8]: توثيق المحرر: نقل المحاضر العبارة بهذا الترتيب (الصلاة، فالزكاة، فالقول الحسن)، وفي المصحف ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 83] بتقديم القول الحسن. ولم يتغيّر بذلك مراده من اقتران القول الحسن بالفريضتين. [9]: توثيق المحرر: متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «والكلمة الطيبة صدقة». [10]: توثيق المحرر: رواه البيهقي في «شعب الإيمان» من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها، وفي إسناده كلام. ونقله المحاضر بالمعنى، وعبارة «موطن سكن وامتصاص غضبه» اضطرب التفريغ فيها (وردت «سربه»)، فتُراجع على التسجيل. [11]: توثيق المحرر: الحديث عند مسلم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بلفظ: «لعن الله من غيّر منار الأرض». وأُثبت هنا لفظ المحاضر كما نطق به. وتطبيق «المنارة» على إشارة المرور من كلام المحاضر لا من لفظ الحديث. وجملة «لم يرد لفظ اللعنة في القرآن إلا في جرائم عظيمة جدًّا» من كلام المحاضر.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ