نداءات الإيمان في القرآن الكريم ٧: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾
نداءات الإيمان في القرآن الكريم (٧): ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء أُلقيت بتاريخ ١٩ أبريل ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
نتحدث في هذه السلسلة عن الأمر السابع في النداءات الإيمانية في القرآن الكريم، وقد تناولنا ما قبله. والآية التي معنا اليوم قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.[1] وسيكون لنا مع هذه الآية عدة وقفات.
الوقفة الأولى: ارتباطها بالنداءات التي سبقتها في السورة
مرّ علينا أول نداء، قال الله تعالى فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.[2] ووقفنا عند هذه الآية، وفهمنا منها أن الله تعالى يربّي المجتمع المؤمن على تقديس المرجعية، ومرجعيتنا هي الله ورسوله ﷺ، فليس لمؤمن أن يتجاوز هذه المرجعية، وليس لمؤمن إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون له الخيرة من أمره. هذه مسألة منتهية. لكن الثبات على تقديس المرجعية وعدم اتباع الهوى أو الاستجابة للشهوات يستلزم صبرًا، وهذا الصبر يستلزم ما يعين عليه، فجاء النداء الثاني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.[3]
ولما كانت النفس تتوق وتنفلت أحيانًا، وأول ما يهمّها طلبُ الرزق وتحصيل المعايش والاستكثار من الأموال، كان الأمر الثالث للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.[4] ولما كان الناس في هذا الإطار يتجاوزون ويتطاولون إلى حدّ الاعتداء الذي قد يستوجب القصاص، كان النداء التالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ إلى آخر الآية المباركة.[5] ولما كان الأمر يستلزم تهذيبًا وتربية وتدريبًا على الامتناع عن الحلال حتى لا نصل إلى مرحلة الحرام، كان الأمر التالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.[6]
ثم انتقلنا بعد هذه التربية على تقديس المرجعية، وعلى الاستعانة على ذلك، وعلى الأكل من الطيب مما رزق ربّ العالمين سبحانه وتعالى، وعلى الامتناع عمّا يؤدي بنا إلى تدمير أنفسنا من القصاص وغيره، وعلى الامتناع عن الحلال حتى نتدرب على عدم الاعتداء على الحرام؛ كانت تلك تربية خاصة. ثم يأتينا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.[7] وقد ذكرنا في اللقاء الماضي أن هذه الآية تمثّل بالنسبة لنا الطائر الذي يطير به المجتمع المؤمن وهو يستمسك بكل أبعاد القرآن الكريم؛ فكأنها تتوسط سورة البقرة من حيث الأحكام التعبدية التربوية في السورة المباركة، فما قبلها كله جناح، وما بعدها كله جناح، وكلا الجناحين يحمل هذا الطائر ليحلّق في أجواء الدنيا فيطبّق شرع ربّ العالمين سبحانه وتعالى بأحسن أنواع الأداء وأمثل أدوار الإتقان.
فإذا نحن أمام ربّ العالمين يحدثنا في النصف الأول من السورة عن أنواع البشر وكيفية امتثالهم إلى معالم الشريعة، ثم يأتي الشقّ الثاني ليحدثنا عن كيفية تطبيق أحكام القرآن، سواء كنا نتعبد لله ببدن أو بمال أو في المعاملات كالربا وغيره. ثم ننتقل بعد ذلك إلى النداء الذي معنا، وهو النداء السابع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾. بعد أن تربّينا على أن نمتنع عمّا لا ينبغي، جاء الأمر لنتدرب على العطاء، لنكون أصحاب فاعلية منجزة داخل هذا المجتمع الذي نعيش فيه.
الوقفة الثانية: الآيات التي سبقت هذه الآية مباشرة
هذا كان السياق الأول: ترتيب الأوامر الإلهية للمؤمنين في سورة البقرة إلى الموطن الذي نحن فيه. أما السياق الآخر فهو موضع هذه الآية بين الآيات التي وردت فيها. فترى أن هذه الآية مسبوقة بقول الله تبارك وتعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، ثم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾.[8]
فما الرابط بين الآية وما سبقها؟ ما سبقها عرضٌ من ربّ العالمين سبحانه وتعالى علينا أنه فضّل بعض النبيين على بعض. فهل يسوغ لعقلك أن بعض النبيين قد فُضِّل على بعض؟ نحن نعرف ذلك حقيقة، لكن ما وجه التفضيل؟ كلهم قد حصّلوا مرتبة النبوة.
أذكر مرة أني جلست، وكنت طالبًا في الثانوية، مع واحد من الجالسين معنا يحمل درجة الدكتوراه، فسألته سؤالًا متفلسفًا، قلت له: أنت أخذت الدكتوراه بتقدير إيه؟ امتياز أم جيد جدًّا؟ فالدكتوراه درجات. فقال لي: يا بني، من يحصل الدكتوراه فهي في ذاتها لا تحتمل معها مزايا أخرى؛ أي إنك إن حصلت الدكتوراه في ذاتها، حتى لو كانت بمستوى مقبول، فقد حصّلت درجة لا تحتمل معها أوصافًا أخرى. ففهمت من ذلك الحين أن هناك مستويات إذا بلغها الإنسان فليس هناك ما يرتقي فوقه.
وعلى سبيل المثال، يحدّثون عن الأغنياء، وهذا الكلام الذي يحب الناس أن يسمعوه، جزاك الله خيرًا يا أخي. يقولون: الإنسان إذا حصّل قدرًا كبيرًا من المال، فكل ما يأتي بعد ذلك من أموال لا يزيد في مستوى معيشته شيئًا. يظل يرتقي في البنيان وفي البيوت وفي أنواع السيارات وفي اليخوت والطائرة الخاصة وإلى آخره، حتى إذا زاد ماله أضعافًا لم يبقَ مستوى من الرفاهية يمكن أن يصعد إليه فوق ذلك. فإذا حصّلتَ مستوى النبوة فليس هناك ما هو فوق ذلك.
إذن كيف نسوّغ مسألة التفاضل بين الأنبياء؟ وما فهمته، وما بلغ إلى ذهني، وما استوعبته إلى الآن، أن التفاضل ليس في منزلة أحدهم فوق الآخر، وإنما بما حمل أحدهم من التكاليف دون الآخر؛ بقدر ما كُلِّفتَ يكون مكانك. ومن ثَمَّ رأينا أن أفضل الأنبياء محمد بن عبد الله ﷺ لأنه حمل كل ما حمله مَن سبقه من النبيين والمرسلين. أليس كذلك؟ كل ما حمله الأنبياء والمرسلون قبله إنما حمله ﷺ، ومن ثَمَّ قيل: سيد المرسلين وأفضل الأنبياء، إلى آخره.
فإذا جاءت الآية بعد عرض سياق التفاضل بين الأنبياء، فكأنها تدلّني على أن أفضل ما ينبغي أن يبلغه العبد من مستويات في الدنيا هو مستوى الإنفاق، أن يكون صاحب إنفاق.
ثم ما بعدها: صلة الآيات بعضها ببعض
ثم ترى أن الآية توسّطت الحديث عن الأنبياء والمرسلين، وجاء بعدها: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.[9] فتنظر: ما العلاقة؟ ودائمًا، أرجوكم بالله، وأنت تقرأ القرآن تنبّه إلى الصلة بين الآيات، ولا تقرأ آيةً منفصلة منعزلة عمّا قبلها وما بعدها أبدًا، من فضلك؛ فإنك تقتطعها من سياقها وكأنها مبتورة، لا يكتمل معناها إلا بصلتها بما سبق وصلتها بما لحق.
فما العلاقة بين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا﴾ و﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؟ وكأن ربي سبحانه وتعالى يقنعني ذاتيًّا ونفسيًّا وعقليًّا ووجدانيًّا أنني إذا كنت في مرحلة من مراحل الشك في أن الإنفاق سيُعوَّض، فإن الله يحدثني عن ذاته: كيف تشكّ فيمن هذا شأنه؟ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ فلن يغفل عنك، ولن يبخل عليك، وسيعطيك. وهو الذي يفصل بين عباده، وهو الذي يملك كل هذه السماوات والأرض، وبيده خزائن السماوات والأرض، إلى آخره.
ثم تنتقل فالذي بعدها: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾.[10] حفظ الله تعالى مقامات الشرفاء من أهل العلم، المفسرون يحدثوننا أنه لا إكراه في الدين؛ أي الإسلام، فليس أحد مجبرًا على أن يدخل في التدين، وليس أحد مجبرًا على أن يدخل في الإنفاق. فالإنفاق مستوى لا يبلغه إلا مَن بلغت ثقته في الله حدّ اليقين، فلا يُكره أحد على الإنفاق إلا إذا صدر أمر من ربّ العالمين، كقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾،[11] وذلك في أوقات الضرورات، إلى آخر ما يمكن أن يترتب على هذا المعنى.
ترى في السياق القرآني، والله، في هذه الآيات شيئًا عجيبًا جدًّا، وكأن الله تبارك وتعالى قد خصّص هذه الكمية القرآنية فقط للحديث عن الإنفاق. لكنك تقول لي: لا، أنا آسف، توقّف، فبعدها مباشرة ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.[12] خلاص هكذا؟ طيب، وهناك: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾،[13] أم هناك ظلمات أكثر من الفحشاء؟ تخيّل، إنه يربط بين الآيات بعضها ببعض.
فإذا بربي يحدثني سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. آمنوا بمن؟ بالله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. الذي لا يؤوده حفظ السماوات والأرض، أتتخيل أن يؤوده رزقك أنت، أو ما تنفقه؟ عندما تبلغ الستين أو السبعين أو المئة فتبخل بما عندك، ظنًّا أن ذلك سينفعك عندما تكبر، ولا توقن بأن الله عز وجل قد يسلب منك العافية وقد احتفظت بالمال، أو يمنحك العافية التي لا تحتاج معها إلى مال إلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى؟
أوَما رأينا كثيرين، سبحان الله القدير، يحفظ الله عليهم عافيتهم، ويبقون على درجة من الجهد والصلابة في أعمالهم وإتقانها حتى يبلغوا حدّ الموت، فيموتون دون أن يحتاج أحدهم أن يزور طبيبًا، ولا أن يحتاج إلى عائل حوله؟ وهناك آخرون. وقد ضربنا مثالًا قريبًا برجل مرض فجأة وتركه عياله ولم يكن له إلا الله: يا رب، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أغثني يا غياث السماوات والأرض. فإذا بربّ العالمين سبحانه وتعالى يُفرغ الشقة التي بجانبه ويدخلها عريسٌ وعروس جديدان، يسكنان، ويحتاجان شيئًا من الملح، فتطرق البنتُ المسكينة الباب على جارتهم: السلام عليكم، مَن هنا؟ الباب مفتوح. فلا أحد يجيب. تعالَي يا بنتي، تفضلي، صوتٌ من الأعماق. فتدخل فتجد الرجل مريضًا على فراشه: السلام عليكم، ملح؟ والله تركني أولادي وكذا وكذا. فيصيران له ولدًا وبنتًا إلى أن يلقى الله، ويحملانه فوق أكتافهما، فلا يحتاج بعد تلك اللحظة إلى شيء في الحياة إلا وجده من خلال البنت والولد الجديدين. وهكذا ربّاهما أبوهما وأمهما هناك حتى يكونا خادمين لهذا الرجل بعد هذا العمر الطويل. فالذي يضمن الأرزاق ويحفظها إنما هو ربّ العزة سبحانه وتعالى.
إنفاق المال وإنفاق الرقاب
غير أن ثَمَّ مثالًا يُضرب بين يديك تتعجب منه عجبًا شديدًا، حين يقول ربّ العالمين سبحانه وتعالى بعد قوله ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.[14]
بالله عليكم، ما العلاقة بين آيات الإنفاق وهذه الآية؟ ترى نموذجًا من الناس لا ينفق فقط مالًا، وإنما أنفق رقبته حين وقف بين يدي ذلك الظالم يذكّره بربّ العالمين سبحانه وتعالى. فيضرب الله لك مثالًا للإنفاق ليس ببعض المال؛ فإن كنتَ تخاف على ما في يدك فاتقِ الله، فهناك أمثلة تُضرب في الحياة بإنفاق الرقاب بين يدي الظلم وأهله. فيتمثل إبراهيم، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، داعيةً يبلغ تمام الدعوة وذروتها حين يقف بين يدي ذلك الظالم الذي يذكّره بوجود ربّ العزة سبحانه وتعالى، وبإفراده سبحانه وتعالى بالوحدانية.
ثم يضرب الله تبارك وتعالى لنا مثالًا بقدرته على الإحياء وإعادة الحياة لمن ذهبت عنه، وذلك مثل لمن ظنّ أن ماله قد ذهب ولا يستطيع أن يستعيده مرة أخرى: فإذا أنفق، فمن أين سيأتي المال مرة أخرى؟ ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. وأنا أقول: أنّى يعطيني الله أموالًا بعد أن أنفق وأتصدق وأنظر إلى الفقراء والمساكين؟ يا مسكين! ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾.[15] لماذا مائة عام؟ ثلاث أو أربع سنين كفاية، فلماذا مائة عام؟ ليثبت للخليقة أجمعين أنه وإن طال العهد بالإنسان مبتلًى في فقر أو غيره، فإن قدرة الله لا تغيب ولا تنعدم، وفرج الله وإن تأخر بعد حين من الزمن فلا شك آتٍ. فلا يفقدنّ المؤمن ثقته في ربه، ولا يعجزنّ العبد عن أن يوقن بالله العلي القدير سبحانه وتعالى.
ثم ترى الآيات بعد ذلك تتوالى في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾.[16] وكأن ربّ العالمين يضرب لي مثالًا: كيف تتأتّى الأرزاق وإن تمزّقت أسبابها! كيف تتأتّى الأرزاق وإن تمزّقت أسبابها! فلننتبه. بعد ذلك ترى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾.[17]
ألا ترى أن الآيات من بدئها إلى ما يتجاوز صفحتين أو ثلاثًا في المصحف، حتى نبدأ الكلام عن آيات التداين وآيات الربا، كلها تتحدث عن الإنفاق، حتى في أبسط أنواع الإنفاق: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾؟[18] أطلتُ عليكم فسامحوني.
الخلاصة
لكنّ النداء السابع للمؤمنين في القرآن الكريم يحدثنا فيه ربّ العالمين سبحانه وتعالى أن نتخلى في لحظة من الزمان عن تقييم ذواتنا من أنها تملك شيئًا، إلى أنها تفتقر إلى ما في يد الله؛ وأن ما عندك مبذولٌ لغيرك وعِوضه عند ربك، وأن ما أعطيتَ إنما هو أكثر نفعًا لك مما أبقيتَ، وأن الادخار في نواميس الدنيا وقواميسها ليس بأنفع لك مما ادّخرته بين يدي المليك العليم سبحانه جلّ في علاه.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢٥٤. [2]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ١٠٤. [3]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ١٥٣. [4]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ١٧٢. [5]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ١٧٨؛ واقتصر المتحدث على صدر الآية. [6]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ١٨٣. [7]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢٠٨. [8]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآيتان ٢٥٣ و٢٥٤. وفي التفريغ «من بعده»، والمثبت بحسب رسم الآية في المصحف. [9]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢٥٥ (آية الكرسي). [10]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢٥٦. وفي التفريغ «من الغيب»، والمثبت «الغيّ» بحسب رسم الآية. [11]: توثيق المحرر: سورة التوبة، الآية ١٠٣. [12]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢٥٧. [13]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢٦٨. [14]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢٥٨. [15]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢٥٩. [16]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢٦٠. وفي التفريغ «قال إبراهيم رب أرني»، وأُثبتت «وإذ» بحسب رسم الآية. [17]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢٦١. [18]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢٦٣؛ ولم يكمل المتحدث الآية بما يُفهم من التفريغ إكمالًا واضحًا (ورد «غني عليم»)، فاقتُصر على صدرها.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.